الدرس في كتاب الجهاد من الاختيارات الفقهية 8، الدرس الثامن:من( والطفل إذا سبي يتبع سابيه في الإسلام ... ولا يعقد لهم إلا من يقاتلهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتبع الطفل دين من سباه أو اشتراه حسب قول شيخ الإسلام ابن تيمية، واستدل بعموم الأدلة وانقطاع التوارث. يلحق الصبي بأحسن الأبوين دينا.
الهدنة مع الكفار جائزة شرعا وتخضع لمصلحة المسلمين، والهدنة المؤقتة تعتبر لازمة للطرفين ويجب الوفاء بها ما لم ينقضها العدو.
يناقش المقطع نقض العهد والميثاق، ويبين أن النقض يكون بالفعل لا بمجرد الخوف، ويشرح حكم سبي أهل ملطية ونقض عهدهم بسبب أفعالهم العدائية.
إذا نقض أحد الأطراف العهد في الصلح، جاز للطرف الآخر معاملتهم كأعداء بينما يبقى المعاهدون الآخرون على معاملتهم السابقة.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فيما نقل عنه في اختياراته: «والطفل إذا سُبي يتبع سابيه في الإسلام، وإن كان مع أبويه، وهو قول الأوزاعي، ولأحمد النص يوافقه، ويتبعه أيضا إذا اشتراه». هذه ثلاث مسائل: المسألة الأولى إذا سُبي الطفل ولم يكن مع أبويه، والثانية سبي مع أبويه، والثالثة إذا اشتري الطفل، فيتبع من في الدين. هل يتبع ما كان عليه أبواه، أم أنه يتبع حال من يلحق به بالسبي والشراء؟ أم يفصل فيقال: إذا سبي واشتري مع والديه فيتبع الوالدين، وإذا سبي واشتري من غير الوالدين فيتبع من اشتراه ومن سباه؟ هذه أقوال، كل واحد منها قد قال به جماعة من أهل العلم، وذكرها الفقهاء بكتب الفقه. والصحيح في هذا ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ومما يدل على ذلك الدليل والتعليل. فأما الدليل، فعموم الأدلة في هذا الباب في انقطاع التوارث وحصول الأحقية بسابيه، وكذلك شاريه، فكذلك يقال في حق الدين. ورويت في هذا الباب آثار كثيرة تؤيد هذا المعنى الذي دلت عليه العمومات. وأما من جهة التعليل، فإنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم إلحاق الصبي بأحسن الأبوين دينا، وهذا الإلحاق كذلك يقال به ها هنا. فالموضع الذي يحصل فيه الاختلاف دلت الأدلة أن الشرع يرجح فيها الأحسن دينا، يرجح فيها الأحسن دينا، فيلحق به، ويترتب على هذا تفاصيل كثيرة ذكرها الفقهاء في كتب الفقه. ويكفي أن نعرفها هنا، هذه المسألة، إذن في هذه الأحوال الثلاثة، الصحيح أنه يتبع سابيه في الإسلام. طيب، وإذا كان المسلم سبي من قبل الكفار، هل يتبع الكافر؟ الجواب: لا، بل عند المسلمين يبقى مسلما، ولو أكرهه الكافر. فإن مات قبل البلوغ، فالمسلمون يصلون عليه، وإن مات بعد البلوغ وقد ارتد عن دينه، فإذن لا يصلي عليه المسلمون، وإن لم يرتد عن دينه فيبقى على الأصل. قال رحمه الله: «ويحكم بإسلام الطفل إذا مات أبوه، أو كان نسبه منقطعا، مثل كونه ولد زنا أو منفيا بلعان». وقاله غير واحد من العلماء. قوله: «ويحكم بإسلام الطفل إذا مات أبوه»، يعني على الأصل إذا كان أبوه مسلما. وكذلك إذا سبي ولو كان أبوه كافرا، بل ولو كان أبواه معه وكانا كافرين. قال: «أو كان نسبه منقطعا» يعني غير معروف النسب، فما دام في بلاد الإسلام، فالأصل أنه من المسلمين، أو سباه المسلمون فهو يتبع المسلمين، أو اشتراه مسلم فهو يتبع المسلم. هذه ثلاثة أحوال. قال: «مثل كونه ولد زنا أو منفيا بلعان»، انقطع نسبه لأنه ولد زنا لا يعرف من أبوه، بل ربما حتى أمه لا تعرف إذا رمي به وكان لقيطا، فلا يدر من رماه. فهنا الأصل ما دام في بلاد الإسلام أنه من المسلمين، أو سباه المسلمون ولا يعرفون لمن هو، فهو كذلك. من باب أولى إذا كان ما تقدم، فهنا من باب أولى أنه يلحق بسابيه، أو اشتراه مسلم فكذلك يلحق بسابيه، يلحق بشاريه. وقوله: «أو منفيا بلعان»، كذلك إذا نفي بلعان، فنفيه لا يضر به ما دام في بلاد إسلام، فالأصل أنه مسلم، أو سباه المسلمون فهو بالإلحاق إن شاء الله يصير مسلما، أو شراه مسلم فكذلك الصحيح أنه يكون مسلما تبعا لمن شراه. وتحت هذا تفاصيل تذكر في كتب الفقه، لكن هذا الراجح في هذا الخلاف. قال رحمه الله تعالى: «باب الهدنة، ويجوز عقدها مطلقا ومؤقتا، والمؤقت لازم من الطرفين يجب الوفاء به ما لم ينقضه العدو، ولا ينقض بمجرد خوف الخيانة في أظهر قولي العلماء. وأما المطلق فهو عقد جائز يعمل الإمام فيه بالمصلحة». قوله: «باب الهدنة»، أي هذا مدخل في معرفة حكم الهدنة. والهدنة هو ما يكون من صلح وعهد بين المسلمين والكفار الحربيين. لأن الهدنة تكون بعد حرب، وقد تكون مؤقتة كما ذكر، فهي التي تسمى هدنة، وقد تكون مطلقة، وهو الذي يسميه العلماء عقد الميثاق والعهد. وكلاهما يجوز، المؤقت والمطلق. قال: «ويجوز عقدها مطلقا ومؤقتا»، يعني هذا هو الصحيح، يجوز مطلقا ويجوز مؤقتا. فقول من قال من الفقهاء أنها لا تجوز مطلقة غير صحيح، بل يجوز أن تطلق من غير ميقات. فبعض أهل العلم قال: لا تجوز مطلقة لأن إطلاقها ينافي ما أمر الله به من جهادهم وقتالهم. ثم استدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما في صلح الحديبية حددها بحد ولم يطلقها. والصحيح أن هذا يرجع إلى الإمام بما يكون فيه المنفعة للمسلمين، فقد تكون مؤقتة وقد تكون مطلقة. ثم في الغالب إذا أطلقت فهي لا تبقى على الإطلاق لأن الغالب أن الكفار ينقضون العهود والمواثيق. فإذا احتاج المسلم لمعنى من المعاني ولي الأمر أن يبرم عقدا مطلقا فيه صلح، فإن ذلك لا ينافي الجهاد ولا ينافي ما أمر به. وهذا نص من شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وبه نعرف ضلال وبدعة دعاة التكفير في هذا الزمان الذين زعموا أن دول المسلمين كلها كافرة لأنها أبرمت عقودا مطلقة مع الكفار بالأمان. فهذه العقود المطلقة تنافي ما يجب في حق هؤلاء الكفار، فهذه ردة هكذا زعموا. وهذا غير صحيح، بل المسألة فيها خلاف، والراجح عند المحققين كما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ها هنا أنها تجوز مطلقة للمصلحة. قال: «والمؤقت لازم من الطرفين يجب الوفاء به ما لم ينقضه العدو»، يعني أن المؤقت ليس معناه أنه أنقص من المطلق. وهذه مسألة أخرى، فإن بعض الناس قد يظن أن المؤقت يعني أنه ينقص في أمر الوفاء عن المطلق. وهذا ليس بصحيح، بل يجب الوفاء به كما يوفى بالمطلق ما لم ينقضه العدو. قال: «ولا ينقض بمجرد خوف الخيانة»، هذه مسألة أخرى، وهي التأكيد على أن مثل هذا المؤقت، ومن باب أولى المطلق، لا يجوز نقضه بمجرد خوف الخيانة. ولهذا لما نقض اليهود العهد الذي أبرموه مع المسلمين في المدينة لم يكتفي النبي صلى الله عليه وسلم بالخبر حتى استثبت من هذا المعنى الذي وقع من أمر خيانتهم. قال: «وسئل أبو العباس عن سبي ملطية مسلميها ونصاراها، فحرم ما للمسلمين وأباح سبي النصارى وذريتهم وما لهم كسائر الكفار، إذ لا ذمة لهم ولا عهد، ولأنهم نقضوا عهدهم السابق من الأئمة بالمحاربة وقطع الطريق». ويما فيه الغضاضة علينا والإعانة على ذلك. «ولا يعقد لهم إلا من يقاتلهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون». وهذه قضية عين في قضية أهل ملطية، وهي جزيرة معروفة وبلدة معروفة في جنوب أوروبا الآن. وفيها الكثير من النصارى وبعض المسلمين في ذاك الزمان، وكانوا قد اشتهروا بكثرة نقض العهد والميثاق على أئمة المسلمين في تلك الجهة. ويكثر منهم قطع الطريق والسبيل، حتى أن بعضهم كما ذكر أهل التاريخ والسير ربما ينزل إلى جهة أطراف العراق والشام فيفسدون إفسادا ذريعا، ويعينون بعض الكفار من النصارى وغيرهم على المسلمين. فلهذه الأمور وغيرها كثير مما ذكر في كتب التاريخ اعتبر العلماء أنهم ليسوا لهم عهد ولا ميثاق، وإن كان الأصل أن بلدتهم وحكامهم فعلوا عهدا وميثاقا مع المسلمين، لكن هذه الأفعال حصل بها النقض بهذا العهد والميثاق. فلهذا أجاز شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وكثير من أهل العلم سبيهم وقتالهم، ولو كانوا هم في الأصل أهل عهد وميثاق لأنهم في الحقيقة نقضوا العهد والميثاق. قال: «ولا يعقد لهم إلا من يقاتلهم حتى يسلموا ويعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون»، يعني لا يعتبر بعقد بعض المسلمين. وهذا سئة التنبيه عليه، لأن العقد قد يحصل من بعض المسلمين، فكونه حصل من بعض المسلمين لا يعني ذلك أنه يمنع البعض الآخر ما دام هؤلاء هم حرب على البعض الآخر. يدل عليه قصة أبي بصير كما سيأتي ومن معه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم عقد الصلح مع المشركين، فالتزم به والتزم له المشركون فترة، لكن المشركون بغوا على من على المسلمين الذين كانوا في مكة، ومن كذلك فر ولم يلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم، فصار أولئك المسلمون لأجل حرب المشركين عليهم يحاربونهم، فأقر النبي صلى الله عليه وسلم فعلهم. فكذلك يقال إذا وقع مثلا صلح على سبيل المثال بين مثلا أهل ملطية وما جاورها من بلاد المسلمين، فلا يعتدي بعضهم على بعض، لكن أهل ملطية أي الكفار اعتدوا على أهل الشام وعلى أهل العراق، فهنا أهل الشام وأهل العراق يجوز لهم أن يعاملوهم معاملة الحربيين، ولو بعض المسلمين يعاملهم معاملة ماذا؟ معاملة المعاهدين، لأن عهدهم بالنسبة للطرف الآخر قد نقضوه ولم يفوا به. نكتفي بهذا وإلى هنا، والله تعالى أعلم.