الدرس في شرح كشف الشبهات 19، ألقاها
يتناول الشيخ أجوبة على شبهات المشركين حول عبادة غير الله مستنداً إلى قواعد أصولية وآيات قرآنية وأحاديث نبوية. يوضح أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وأن الدعاء هو العبادة ويجب إخلاصه لله وحده.
يشرح المقطع مفهوم الشرك في العبادة خاصة في الدعاء والنذر ويبين أن صرف هذه العبادات لغير الله يعد شركًا أكبر مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية. يشير إلى أن المشركين كانوا يدعون الملائكة والصالحين ويذبحون لهم معتقدين في شفاعتهم عند الله.
يؤكد الشيخ على أهمية فهم الشبهات الثلاث الكبرى التي يثيرها الخصوم كما أوضحها الله في كتابه. يشير إلى أن فهم هذه الشبهات يسهل التعامل مع ما يليها من شبهات.
بسم الله والحمد لله، وصلاة وسلاما على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، نحن ذكرنا في الدرس السابق أن هذا الجواب من الشيخ رحمه الله تعالى هو من أجود الأجوبة، لأنه انتقال إلى أمر يبهت فيه المخالف. هناك جواب آخر جدلي ذكره الشيخ رحمه الله تعالى، وهو أن يقال: أنتم تقولون إن هذه الآيات نزلت في الأصنام، فكيف تقولون إننا مثل الأصنام؟ أو تجعلون الصالحين مثل الأصنام؟ قال الشيخ: فقل له: أعرفت أن الله كفر من قصد الأصنام؟ وكفر أيضا من قصد الصالحين، وقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. إلى هنا انتهى كلام الشيخ، وانتهى الجواب عن الشبهة. قلنا: جواب آخر يقال لهم: هب أن المشركين لم يعبدوا إلا الأصنام، هذا يسمى جوابا جدليا. فيقال له: هب أن المشركين الأول لم يعبدوا إلا الأصنام، مع أن الأمر على خلافه، بل عبدوا الأنبياء وعبدوا الملائكة وعبدوا الصالحين. لكن نقول: من باب الجدل والتنزل مع الخصم، هب أن المشركين ما عبدوا إلا الأصنام. فنقول: في هذه الأدلة دلالة على أن كل من عبد غير الله عز وجل فهو مشرك. وقد اتخذوا أوثانا مع الله عز وجل يعبدهم مع الله عز وجل. هذا من دلالة النصوص. وهناك جواب آخر، وهو أن يقال لهذا المشرك: هب أيضا أن هذه الآيات كان سبب نزولها عبادة الأصنام فحسب. فنقول: كذلك فيها دلالة على أن من عبد غير الله عز وجل فهو مشرك. الدلالة من القاعدة الأصولية عند أهل التفسير، وهي أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى: فإن قال: وهذه الشبهة الثالثة، فإن قال الكفار يريدون منهم أي أن الكفار يطلبون حاجاتهم من أولئك المعبودات. قال: وأنا أشهد أن الله هو النافع الضار المدبر. واضح هذا جواب. وهذه الشبهة قال: لا أريد إلا منهم، لا أريد إلا منه ممن يريد يريد من الله. فيقول: هذا فرق مؤثر. المشركون الأول يطلبون من آلهتهم، سواء كانوا صالحين أو ملائكة أو أنبياء أو أصناما أو أحجارا أو أشجارا. أما أنا فلا أطلب منهم، ولكن أطلب من الله عز وجل، لكن بهم، بجانبهم. قال الشيخ رحمه الله تعالى: فالجواب أن هذا قول الكفار سواء بسواء. الكفار كما سيذكر الشيخ هنا، قال: وقرأ عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. بعد أن قال الله عز وجل في أول السورة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾. ثم قال: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾. ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون، إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار. الله عز وجل بينا في الآية الأولى أن هذا الأمر لا يجوز أن يكون لغير الله عز وجل. ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ فدل على أن صرف شيء من العبادة لغير الله عز وجل هو من الشرك. قال الشيخ رحمه الله تعالى: واعلم أن هذه الشبه الثلاث هي أكبر ما عندهم. فإذا عرفت أن الله وضحها في كتابه وفهمتها فهما جيدا، فما بعدها أيسر منها. قال: فإن قال: وأنا لا أعبد إلا الله، وهذا الارتجاء إليهم ودعاؤهم ليس بعبادة. قال الشيخ رحمه الله تعالى: فقل له: أنت تقر أن الله افترض عليك إخلاص العبادة لله، وهو حقه عليك. قال: وهذا لابد أن يقر به. قال الشيخ: فإنه لا يعرف العبادة ولا أنواعها. قال: فبينها له بقوله: قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. بمعنى أن العبادة ما جمعت التضرع والطمع، وما جمع فيها كذلك الخوف والرهبة والخشية من الله عز وجل. هذه حقيقة العبادة. قال الشيخ رحمه الله تعالى: فقل له: هل علمت أن هذا عبادة لله؟ فلابد أن يقول: نعم. قال: وَالدُّعَاءُ مُخُ الْعِبَادَةِ﴾. جاء في حديث عند الترمذي وغيره: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ». فسمى الله عز وجل الدعاء عبادة. قال: فقل له: إذا أقررت أنه عبادة، ودعوت الله ليلا ونهارا خوفا وطمعا، ثم دعوت في تلك الحاجة المعينة نبيا أو غيره، هل أشركت في عبادة الله غيره؟ قال الشيخ: فلابد أن يقول: نعم. لأن هذا من العبادة، وصرفه لغير الله عز وجل شرك بالله وشرك أكبر مخرج من الملة. قال: والالتجاء هو اللجوء إلى الغير لكشف مكروب. وهذا لا يكون إلا لمن يقدر عليه المخلوق. أما إذا كان في شيء لا يقدر عليه إلا الله، فهذا هو الشرك الأكبر بالله عز وجل. قال ربنا عز وجل: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾. فكشف الضر المطلق لا يملكه إلا الله سبحانه وتعالى. فصرفه لله أو إخلاصه لله عز وجل عبادة، وصرفه إلى غير الله عز وجل شرك. قال: فهذا من هذا الباب، الدعاء قد تقدم ومعلوم ومقرر أنه عبادة. قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ». قال ربنا عز وجل: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. فسمى الدعاء عبادة. قال: فإخلاصه لله عبادة، وصرفه لغير الله عز وجل من الشرك الأكبر. قال: فإذا عملت بقول الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. وأطعت الله ونحرت له، هل هذا عبادة؟ قال الشيخ: فلابد أن يقول: نعم. لأن الله أمر به، ولا يأمر الله عز وجل إلا بعبادة. قال: فقل له: فإذا نحرت لمخلوق نبي أو جني أو غيرهما، هل أشركت في هذه العبادة غير الله؟ فلابد أن يقر ويقول: نعم. قال: وقل له أيضا: المشركون الذين نزل فيهم القرآن، هل كانوا يعبدون الملائكة والصالحين واللات وغير ذلك؟ قال: فلابد أن يقول: نعم. فقل له: وهل كانت عبادتهم إياهم إلا في الدعاء والذبح لهم والارتجاء ونحو ذلك؟ وإلا فهم مقرون أنهم عبيده وتحت قهره، وأن الله هو الذي يدبر الأمر. ولكن دعوهم والتجأوا إليهم لجاههم ووجاهتهم عند الله عز وجل والشفاعة. وهذا ظاهر جدا. قال الشيخ رحمه الله تعالى: فالجواب أن هذا قول الكفار سواء بسواء. لا فرق بين هذا وبين هذا. كما تقدم. قال الشيخ رحمه الله تعالى: واعلم أن هذه الشبه الثلاث هي أكبر ما عندهم. فإذا عرفت أن الله وضحها في كتابه وفهمتها فهما جيدا، فما بعدها أيسر منها. إلهنا سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.