شرح لمعة الإعتقاد 11

الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 11، ألقاها

موقف الإمام مالك من صفات الله تعالى

يروي المقطع قصة سؤال رجل للإمام مالك عن كيفية استواء الله على العرش، ويبين رد الإمام مالك وأهمية الإيمان بصفات الله دون تكييف أو تشبيه. يعتبر هذا الرد قاعدة من قواعد أهل السنة والجماعة في التعامل مع صفات الله.

مذهب السلف في التعامل مع صفات الله

مذهب السلف يقرون بظواهر النصوص ويعلمون معانيها، ويؤمنون بصفات الله تعالى دون تكييف أو تشبيه، كما يظهر في قول إمام مالك حول صفة الاستواء. هذا المذهب يعكس منهج أهل السنة في التعامل مع الصفات الإلهية.

صفة كلام الله تعالى وختام الحلقة

يتناول المقطع صفة كلام الله تعالى باعتباره صفة ذاتية فعلية لله، ويستدل على ذلك من الكتاب والسنة والإجماع. ثم يتم ختام الحلقة بالدعاء والاستغفار مع الإعلان عن استكمال الموضوع في اليوم التالي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. وبعد، قال رحمه الله تعالى: سئل الإمام مالك بن أنس رحمه الله، فقيل: يا أبا عبد الله، الرحمن على العرش استوى، كيف استوى؟ فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. ثم أمر بالرجل فأخرج. هذا الأثر صحيح، أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات، وكذا في كتاب الاعتقاد، وذهب في العلوم وغيرهم، وسنده صحيح. قوله رحمه الله تعالى: سئل الإمام مالك، جاء في الطريق المذكورة أو مشهورة إليها، عن يحيى بن يحيى النيسابوري، وهم تلاميذ الإمام مالك. قال: جاء رجل إلى مالك، فقال: يا أبا عبد الله، الرحمن على العرش استوى، كيف استوى؟ قال: ما رأيت مالكا ما رأيت مالكا وجد من شيء كموجدته مما قالته، وعلاه الرحضاء -يعني العرق- قال: وأطرق القوم، وجعلوا ينتظرون ما يأتي منه فيه. قال: فسري عن مالك، فقال: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. ثم قال: فإني أخاف أن تكون ضالا، وأمر به، أو قال: وأمر به فأخرج -أي فأخرج من المسجد النبوي-. وهذا الأثر، كما ترون، فيه أن رجلا جاء ودخل على الإمام مالك، والإمام مالك رحمه الله تعالى كان حينها إمام دار الهجرة، وكان من أكابر العلماء في المدينة، بل هو أكبر عالم في المدينة في زمنه، وإليه المرجع في زمنه. فدخل المسجد النبوي، ووجد مالكا وحوله تلامذته، فسأله بهذا السؤال: الرحمن على العرش استوى، كيف استوى؟ فلما سأل هذا الرجل بهذا السؤال بكيف، عظم هذا عند الإمام مالك رحمه الله تعالى، وأطرق رأسه، وعلاه الرحضاء -أي العرق-. وهذا فيه دلالة على ما كان عليه أئمة السلف رحمه الله تعالى من الهيبة والرهبة والخشية من الله عز وجل، والتعظيم لله عز وجل. فالإمام مالك رحمه الله تعالى لما سمع هذا السؤال من هذا السائل، عظم عليه، وكبر عليه أن يسأل عن الله عز وجل بهذا السؤال. يقال: كيف الله؟ أو كيف استواء الله؟ أو كيف رحمة الله؟ أو ما شابه ذلك. عظم على الإمام مالك رحمه الله تعالى حتى حصل منه من الهيئة ما سمعتم: أنه عليه الرحضاء، وأطرق رأسه. وقوله أيضا: فلما سري عنه، يدل على أنه وقعت منه ما وقع من التعظيم لهذا الأمر، وأنه غشي قلبه من هذا السؤال ما غشي من الرهبة والخشية لله عز وجل. فلما سري عنه، قال رحمه الله تعالى مقالته العظيمة التي تعد منهاجا وقاعدة من قواعد أهل السنة والجماعة في هذا الباب. وهذا يدل على صدقه رحمه الله تعالى، وعلى توفيق الله عز وجل بالجواب، لأنه نتج عن تعظيم لله عز وجل، وعن علم ومعرفة بالله عز وجل. فقال رحمه الله تعالى: الاستواء غير مجهول، أي أنه معلوم معناه في اللغة. كيف استوى؟ قال: استواء غير مجهول، بمعنى أن معناه معلوم. وهذا يدلنا على أن مذهب السلف -رضي الله عنهم ورحمهم الله- أنهم يقرون بظواهر النصوص، وأنهم يعلمون معانيها، ويعلمون معاني هذه الظواهر. فقولهم: الاستواء غير مجهول، بمعنى أنه معلوم، بمعنى أنه ماذا؟ بمعنى أنه معلوم. الاستواء معلوم، معلوم في لغة العرب. وهذا كذلك يؤيد ما تكرر مرارا معنا من أن ابن قدامة رحمه الله تعالى يقول بهذه المقالة. لذا، اجتهد في هذا المقام بأثر الإمام مالك على هذا المعنى، اجتهد بأثر الإمام مالك رحمه الله تعالى على هذه الصفة، من أن المعنى الظاهر للصفة معلوم. قال: والكيف غير معقول، والكيف غير معقول، أي: لا نعقله. نحن لا نستطيع أن نعقله، وأن نعلم كيفية استواء الله عز وجل. هذا ممتنع، لأن معرفة الصفة فرع عن معرفة الذات. معرفة الصفة -أي صفة الله عز وجل- فرع عن معرفة الذات الإلهية. والذات الإلهية، لما كان معرفتها مجهولة بالنسبة لنا، كانت الصفات كذلك مجهولة بالنسبة لنا. لذا، قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: والكيف غير معقول، أي: غير مدرك لنا، فهو مجهول. قال: وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، الإيمان به واجب، أي: الإيمان بأن لله عز وجل صفة هي الاستواء، وأن لله عز وجل بهذا الاستواء كيفية معينة، يعلمها الله عز وجل، ولا يعلمها العباد. ثم قال: والسؤال عنه بدعة، والسؤال عنه ماذا؟ بدعة. أي: سؤال عن قوله: الرحمن على العرش استوى، كيف استوى؟ السؤال بكيف ماذا؟ بدعة. ثم أمر بالرجل فأخرج. قال إمام مالك رحمه الله تعالى: وما أظنك إلا ضالا. ثم أمر به فأخرج. وهذا فيه زجر الأئمة رحمه الله تعالى لأهل الأهواء والبدع، أو من تفرسوا فيه أنه فاتح باب ضلالة، أو من تفرسوا فيه أنه ربما فتح باب ضلالة. فالإمام مالك رحمه الله تعالى زجر هذا الرجل، وأخرجه، وأمر بإخراجه من المسجد، وكان حينها إمام دار الهجرة، وكلمته مسموعة. وهذا الكلام، كما ترون، قاعدة من قواعد أهل السنة والجماعة. لذا، قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: وكلام إمام مالك رحمه الله تعالى، وجواب إمام مالك رحمه الله تعالى، قاعدة من القواعد في جميع الصفات. قال: فنقول في صفة العلم مثلا، إذا قال الإنسان: علم الله عز وجل، كيف علم الله عز وجل؟ يقال: العلم معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة. وهكذا قل في الرحمة، وهكذا قل في المجيء والإجيان، والكلام إلى غيرها من الصفات. قال رحمه الله تعالى: ومن صفات الله تعالى أنه متكلم بكلام قديم، يسمعه من شاء من خلقه. سمعه موسى عليه السلام منه من غير واسطة، وسمعه جبريل عليه السلام، ومن أذن له من ملائكته ورسله. وأنه سبحانه يكلم المؤمنين في الآخرة، ويكلمونه، ويأذن لهم فيزورونه. قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾. وقال سبحانه: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي﴾. وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾. وقال سبحانه: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾. وقال سبحانه: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾. غير جائز أن يقول هذا أحد غير الله. وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إذا تكلم الله بالوحي، سمع صوته أهل السم الله. روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. وروى عبد الله بن أنيس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يُحْشَرُ اللَّهُ الْخَلاَئِقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُرَاةً حُفَاةً غُرْلاً بِهَيْئَتِهِمْ، فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الدِيَّانُ». رواه الأئمة، واستشهد به البخاري. وفي بعض الآثار: أن موسى عليه السلام ليلة أُراه النار، فهالته، ففزع منها، فناداه ربه: يا موسى. فأجاب سريعا استئناسا بالصوت، فقال: لبيك، لبيك. أسمع صوتك، ولا أرى مكانك. فأين أنت؟ فقال: أنا فوقك، وأمامك، وعن يمينك، وعن شمالك. فعلم أن هذه الصفة لا تنبغي إلا لله تعالى. قال: وكذلك أنت يا إلهي، أفكلامك أسمع، أم كلام رسولك؟ قال: بل كلامي، يا موسى. طيب. قوله رحمه الله تعالى: ومن صفات الله تعالى أنه متكلم بكلام قديم. قوله: من صفات الله، هذا عطف على ما سبق، عطف على قوله: و. قوله: من، أي: من جملة صفات الله عز وجل الثابتة بالكتاب والسنة، وأجمع عليها سلف هذه الأمة. صفة الكلام، صفة الكلام، أي: صفة كلام الله عز وجل، من الصفات الذاتية الفعلية. أهل السنة والجماعة يقولون في صفة الكلام: أن صفة ذاتية فعلية. ومعنى ذاتية: أي أن نوعها قديم، ليس بحادث. بمعنى أن الله عز وجل لم يتكلم بعد أن لم يكن متكلما. معنى أن الله عز وجل لم يكن من قبل بغير كلام -أي غير متصف بهذه الصفة- بل أن نوع الكلام -بمعنى أن الله عز وجل متكلم أزلا- بمعنى أن الله عز وجل متكلم أزلا. فهذا معنى قولهم: قديم النوع. أي أن الله عز وجل متكلم أزلا، وحادث الآحاد. بمعنى أن أفراد الكلام حادث. وهم متعلق بمشيئة الله عز وجل. يتكلم متى شاء، مع من شاء. فأفراد الكلام ماذا؟ حادثة. تكلم الله عز وجل مع الملائكة قبل أن يخلق آدم، ثم تكلم مع آدم بعد أن خلقه، ثم تكلم مع الملائكة بعد أن خلق آدم. فهذه الأفراد ماذا؟ حادثة، لأنها متعلقة بمشيئته سبحانه وتعالى. فصفة الكلام ذاتية باعتبار نوعها -بمعنى أن الله عز وجل يتكلم بها أزلا- وفعلية باعتبار أفرادها. لأن أفراد الكلام متعلقون بمشيئة الله. يتكلم مع من شاء، بما شاء، متى شاء سبحانه وتعالى. وهذا بالكتاب والسنة، وهذه الصفة ثابتة بالكتاب والسنة والاجماع. قال رحمه الله تعالى: ومن صفات الله تعالى أنه متكلم بكلام قديم، يسمعه من شاء من خلقه. قوله رحمه الله تعالى: أنه متكلم بكلام قديم، أي: أن كلامه ليس بحادث. بل كلامه ماذا؟ كلامه قديم. وهذا كما سمعتم على المعنى الأول -بمعنى أن نوع كلام الله عز وجل قديم- وآحاد كلامه ماذا؟ محدث. لذا، قال: أنه متكلم بكلام قديم. ثم قال: يسمعه من شاء من خلقه. قوله: من شاء، يدل على أن أفراد الكلام متعلق بمشيئة الله عز وجل. يدل على أن أفراد الكلام متعلق بمشيئة الله عز وجل. فنوع الكلام قديم، وأفراده حادثة، لأنها متعلقة بمشيئة الله عز وجل. يتكلم مع من شاء سبحانه وتعالى. نكتفي بهذا القدر في هذا اليوم، إلى هنا. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. ونكمل غدا إن شاء الله.

شاركنا على