الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 25، ألقاها
يتحدث عن معاوية بن أبي سفيان وخلفته بعد تنازل الحسن بن علي. يُعتبر أفضل ملوك الإسلام.
يؤكد على وجوب طاعة ولاة الأمور ما لم يأمروا بمعصية الله، ويبين منهج أهل السنة في التعامل معهم ومع أهل البدع.
يشرح مفهوم أهل البدع والضلال مثل الرافضة والجهمية والخوارج، ويبين أهمية هجرانهم وترك الجدال في الدين.
يعبر عن ختام وتأكيد على حمد الله والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مع التأكيد على علم الله وإظهار التوبة والاستغفار.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه من وعلاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم قال رحمه الله تعالى: ومعاوية خال المؤمنين وكاتب وحي الله أحد خلفاء المسلمين. قوله: ومعاوية، أي ابن أبي سفيان. معاوية ابن أبي سفيان، ومعاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنه وأرضاه، ممن أسلم بعد الفتح، وقيل: إنه أسلم قبل الفتح، ولكنه كتم إسلامه. وكان رجلًا عاقلًا كاملًا في سؤدده، رضي الله عنه وأرضاه. وهو أفضل ملوك الإسلام مطلقًا، رضي الله عنه وأرضاه. وقد ولي وله عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، بعد موت أخيه يزيد في طاعون عمواز. مات يزيد ابن أبي سفيان، وكان واليًا على الشام، فاستخلف عليها عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه معاوية بعده، واستمر كذلك إلى أن مات عمر، ثم استمر كذلك في عهد عثمان رضي الله عنه وأرضاه أميرًا على الشام، إلى أن مات عثمان، واستمر كذلك إلى أن حصل ما حصل بينه وبين علي رضي الله عنهما جميعًا. ثم بعد موت علي وتنازل الحسن عن الخلافة، صار هو الخليفة رضي الله عنه وأرضاه، وصار ذلك العام عام الجماعة. وصار معاوية بن أبي سفيان هو أمير المؤمنين منذ ذلك الزمن إلى أن توفاه الله عز وجل. وهو كما سمعتم، ونقل غير واحد هذا القول بأنه أفضل ملوك الإسلام مطلقًا. فالخلفاء الأول أولون، خلفاء والملوك، وهو أول ملك للإسلام وخير الملوك الإسلام، هو أول ملك في الإسلام وخير ملوك الإسلام. قوله: خال المؤمنين، باعتبار أن أخته أم حبيبة رضي الله عنها وأرضاه كانت تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي من أمهات المؤمنين. فقيل في معاوية إنه خال المؤمنين بهذا الاعتبار، أي باعتبار أن أخته أم المؤمنين. وهذه المسألة خلافية. ذهب بعض أهل العلم كالإمام الشافعي رحمه الله تعالى وغيره إلى إطلاق ذلك، إلى جواز إطلاق ذلك من باب الإطلاق لا من باب النسب وتحقق الحرمة. ولكن من باب جواز إطلاق ذلك إطلاقًا لفظيًا فحسب. ومنع هذا جماعة من أهل العلم، أي منع أن يطلق اسم الخال على إخوان أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا هو الأقرب. لأن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم في العهد الأول لم يكن يطلق بعضهم على بعض بأن فلانًا من إخوان أمهات المؤمنين بأنه خال المؤمنين. فالصحيح في هذه المسألة أنه لا يطلق. قوله: وكاتب وحي الله، وكذلك هذا الأمر. كاتب الوحي كثيرون، ولكن معاوية رضي الله عنه فوصف بهذا أيضًا للإشارة إلى ماذا؟ للإشارة إلى فضله ومنقته الذي تنقصه أو لأجل ما حصل من الرافضة ونحوهم من التنقص له رضي الله عنه وأرضاه. قوله: أحد خلفاء المسلمين، رضي الله عنهم وأرضاهم. أحد خلفاء المسلم باعتبار أن الحسن ابن علي رضي الله عنه وأرضاه حينما تنازل عن الخلافة تنازل إلى أو تنازل بها إلى معاوية رضي الله عنه وأرضاه، فصارت الخلافة إلى معاوية بعد الأربعة وبعد الحسن ابن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين. قال رحمه الله تعالى: وقبل هذا ذكر معاوية أو ذكر الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى هاهنا معاوية لما سمعتم من أن معاوية كما قال غير واحد من السلف كالذراع لبقية الصحابة، فمن أراد أو قال بعضهم كالباب لبقية الصحابة، فمن أراد الدخول والكلام والطعن في الصحابة دخل عبر معاوية. قال رحمه الله تعالى: ومن السنة السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله، فإنه لا طاعة لأحد في معصية الله. قوله: ومن السنة، كما مر معنا وتكرر من أن المراد بالسنة الطريقة التي عليها أهل السنة والجماعة، وليس المراد بالسنة هاهنا الأمر المستحب. قوله: ومن السنة السمع والطاعة لأئمة المسلمين، وهذا قد مضت الإشارة إليه من أن من مذهب أهل السنة والجماعة السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين برهم وفاجرهم. سواء كان بارًا، وهذا الأمر فيه واضح، أو فاجرًا، فالأمر فيه عند أهل السنة والجماعة كذلك واضح من وجوب اتباعه وطاعته بالمعروف. قال رحمه الله تعالى: ما لم يأمر بمعصية الله، فإنه لا طاعة لأحد في معصية الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما الطاعة في المعروف. فالطاعة تكون بالمعروف، أما الطاعة بمعصية الله عز وجل فهذا محرم، بل هذا هو سبيل النصارى الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، فأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم. قال رحمه الله تعالى: ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به، أو غلبهم بالسيف حتى صار الخليفة وسمي أمير المؤمنين، وجبت طاعته وحرمت مخالفته والخروج عليه وشق وعصى المسلمين. قوله رحمه الله تعالى: ومن ولي الخلافة، أي من صار وليًا أو تولى الخلافة بأي وسيلة من الوسائل. وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى لذلك أمورًا، فالخلافة إما أن تكون بالعهد، أي بعهد الخليفة الأول للخليفة الآخر، فهذه وسيلة من وسائل ثبوت الخلافة للخليفة. والطريقة الثانية بأن يحصل شورى بأن يحصل أهل الشورى أو اجتمع أهل الشورى على تولية شخص معين. فهذا كذلك إذا ولوه أهل الشأن يكون وليًا، ويجب على جميع المؤمنين مبايعته وطاعته. قال رحمه الله تعالى: أو غلبهم بالسيف حتى صار الخليفة، كما هو حار كثير الأمراء في بلاد الشتى. ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: اسمع وأطع وإن تأمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة. قال علماء رحمهم الله تعالى: في قول النبي صلى الله عليه وسلم: وإن تأمر عليكم عبد حبشي، يدل على أن هذا العبد الحبشي يأخذها غلبة وقهرًا. فوجب طاعته لهذا الحديث وما جاء بمعناه. قال رحمه الله تعالى: ومن السنة أيضًا هجران أهل البدع ومباينتهم، وترك الجدال والخصومات في الدين، وترك النظر في كتب المبتدعات وإصغاء إلى كلامهم، وكل محدثة في الدين بدعة. قوله رحمه الله تعالى: ومن السنة ومن طريقة أهل السنة والجماعة هجران أهل البدع ومباينتهم. وهذا أمر معلوم، وهو مجمع عليه بين أهل السنة والجماعة من أنه يجب هجران أهل البدع الذين يروجون بدعهم. قال الإمام البغوي رحمه الله تعالى في شرح السنة: بعد ذكره لحديث كعب بن مالك المشارك، حديث كعب بن مالك الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم هجرهم خمسين يومًا، قال: وفيه دليل على أن هجران أهل البدع على التأبيد. قال رحمه الله تعالى: وترك الجدال والخصومات في الدين، أيضًا من المنابذة والهجر والترك لأهل البدع. ترك الجدال معهم والخصومات، وذلك لأن الخصومات تورث الشكوك لا سيما عند من لم يتسلح بالإيمان والعلم. قال رحمه الله تعالى: وكل من انتسب بغير الإسلام والسنة مبتدع، كالرافضة والجهمية والخوارج والقدرية والمرجئة والمعتزلة والكرامية والكلابية ونظائرهم. فهذه فرق الضلال وطوائف البدع، أعادنا الله منها. قوله: وكل من انتسب بغير الإسلام والسنة، أهل السنة والجماعة إذا انتسبوا ينتسبون إلى السنة وينتسبون إلى سلفهم رضي الله عنهم وأرضاهم. فينتسبون إما إلى كتاب الله عز وجل وسنة رسوله، فيقول: نحن أهل السنة. قال رحمه الله تعالى: كالرافضة، والرافضة سموا رافضة؛ لأنهم كما قيل: أتوا إلى زيد بن علي رضي الله عنه وأرضاه، فقيل له: ما تقول في أبي بكر وعمر؟ فقال: وزيرا جدي. فقال لهم: تركناكم أو تركوه، فقال: أنتم الرافضة. قال رحمه الله تعالى: والجهمية، الجهمية نسبة للجهم بن صفوان، رأس هذه البدعة الخبيثة المنكرة. فإن الجهم بن صفوان هو الذي نشر مذهب الجهمية، ومذهب الجهمية مبني على تعطيل الخالق سبحانه وتعالى عما يليق به. قال رحمه الله تعالى: والخوارج، والخوارج هم من خرجوا عن علي رضي الله عنه وأرضاه عند التحاكم حينما حكم الصحابة رضي الله عنهم وأرضاه بعد معركة صفين، حكموا معاوية وأبى موسى رضي الله عنهما للحكم بين الفريقين. قال رحمه الله تعالى: والقدرية، والقدرية هم من يقولون بنفي القدر عن الله عز وجل. وقيل لهم قدرية؛ لأنهم نفوا القدر، وقالوا: إن الأمر مستأنف. قال رحمه الله تعالى: والمرجئة، والمرجئة من الإرجاء، والإرجاء هو إرجاء الأعمال، أي تأخيرها عن مسمى الإيمان. هم طوائف، منهم الغالي ومنهم دون ذلك. قال رحمه الله تعالى: والمعتزلة، والمعتزلة طائفة من الطوائف المشتهرة الكبيرة بالشر، معروفة بالشر. وهي ظاهرة وليدة للجهمية. قال رحمه الله تعالى: وأما بالنسبة إلى إمام في الفروع، وأما بالنسبة إلى إمام في فروع الدين كالطوائف الأربع، فليس بمذموم. قوله: فليس بمذموم، أي ليس بمذموم أن يقول الإنسان: أنا حنبلي أو أنا شافعي أو أنا مالكي أو ما شابه ذلك. قال رحمه الله تعالى: فإن الاختلاف في الفروع رحمة. قوله: الاختلاف في الفروع رحمة، أي باعتبار أن الإنسان يستنبط من الأقوال المختلف فيها أحكامًا ربما لا تظهر له. قال رحمه الله تعالى: والمختلفون فيه محمودون في اختلافهم، مثابون في اجتهادهم. قوله: والمختلفون، المراد بهم هنا المجتهدون. قال رحمه الله تعالى: واختلافهم رحمة واسعة، واتفاقهم حجة قاطعة. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تجتمع أمتي على ضلالة. قال رحمه الله تعالى: نسأل الله أن يعصمنا من البدع والفتنة، ويحيينا على الإسلام والسنة، ويجعلنا ممن يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحياة، ويحشرنا في زمرته بعد الممات برحمته وفضله آمين. والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. والله أعلى وأعلم، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.