شرح العقيدة الواسطية 41

الدرس في شرح العقيدة الواسطية 41، ألقاها

مقدمة في الحمد والتنزيه

يبدأ الدرس بشرح معنى الحمد لله وتنزيهه عن النقائص، ويتضمن إثبات الكمالات لله ودلالة الآية على تعظيم الله وإجلاله. يبين غنى الله المطلق عن كل شيء وتنزيهه عن اتخاذ الولد والشريك والولي من الذل.

تفسير آية الكرسي وتعظيم الله

يفسر الدرس آية الكرسي ويبين معاني تعظيم الله وغناه عن كل مخلوق، ويشرح أنواع ولاية الله للعباد، موضحًا دلالات الآيات على عظمة الله وولايته المطلقة.

التسبيح وتفسير الآيات المتعلقة به

يشرح الدرس معنى التسبيح كتنزيه لله عن السوء والنقائص، ويبين أن جميع المخلوقات تسبح الله، ويتناول تفسير الآيات المتعلقة بتسبيح الجمادات مثل الجبال والشجر والدواب.

تتمة الكلام في مسائل متعلقة

يتوسع الدرس في الكلام على مسألة معينة، ثم ينتقل إلى ذكر الدعاء والاستغفار، مما يظهر اهتمام الدرس بالجوانب التطبيقية والروحية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، وصلاة وسلاما على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد. قال رحمه الله تعالى: وأما قوله: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ الآية، فقد تقدم الكلام في معنى الحمد، وأنه الثناء باللسان على النعمة وغيرها، ما هو تعريف الحمد على ما مر معنا على الصحيح عند من أسدى ذكر محاسن محمود مع محبة وتعظيم. قال رحمه الله تعالى: وقلنا إن إثبات الحمد له سبحانه متضمن لإثبات جميع الكمالات التي لا يستحق الحمد المطلق إلا من بلغ غايتها، أي من بلغ كمالها المطلق. وليس المراد بقوله: من بلغ غايتها، أن لكمالات الله عز وجل غاية ينتهي إليها، بل المراد بقوله رحمه الله تعالى: لا يستحق الحمد المطلق إلا من بلغ غايتها، أي كمالها المطلق. قال: ثم نفى سبحانه عن نفسه ما ينافي كمال الحمد من الولد والشريك والولي من الذل، أي من فقر وحاجة، فهو سبحانه لا يوال أحدا من خلقه من أجل ذلة وحاجة إليه. فهذا التقييد في هذا المقام مهم، وهو أن الله عز وجل يوال من يوال من أهل طاعته ومن أولياءه، لا لأنه سبحانه وتعالى محتاج إليهم أو مفتقر إلى نصرتهم، ولكن الله عز وجل يوال من يوال نصرة لذلك الولي ومحبة لذلك الولي. وقول الله عز وجل: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾، وهذه الآية من أولها إلى آخرها تدل على تعظيم الله عز وجل، وعلى إجلال الله عز وجل، وعلى أن الله عز وجل له الكمال المطلق في كل شيء سبحانه وتعالى من الكمالات. فقوله: «الحمد لله» كما أشار الشيخ رحمه الله تعالى، يتضمن إثبات جميع الكمالات لله عز وجل، وكذلك يتضمن غنى الله سبحانه وتعالى عن كل شيء وعن كل مخلوق. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾، وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم. فهذا يدل على غنى الله عز وجل المطلق، وعلى كمال الله عز وجل المطلق. فبعد أن حمد ربنا عز وجل نفسه، وكما مر معنا أن حمد الله عز وجل لنفسه يستلزم حمد العباد له سبحانه وتعالى، فإذا حمد نفسه سبحانه وتعالى، كان مستلزما للعباد كذلك أن يحمدوه سبحانه وتعالى، يحمدوه على كماله المطلق، ويحمدوه كذلك على إحسانه وإنعامه. ثم قال رحمه الله تعالى: «الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل»، وهذا تنزيه عن النقائص. فهو لم يتخذ ولدا سبحانه وتعالى من أجل أنه محتاج إلى الولد، من أجل أن يعينه وأن يستنصر به وأن يقوم بحوائجه. وكذلك «ولم يكن له شريك في الملك»، لم يكن له شريك في الملك بل الملك كله لله عز وجل، والتدبير كله لله عز وجل، والخلق كله لله عز وجل، والعظمة كلها لله عز وجل. وكذلك «ولم يكن له ولي من الذل»، لم يكن له ولي من الذل، أي لأجل أن ينصره ويعينه من الحاجة وما ينوب المخلوق، بل هو سبحانه وتعالى ليس كذلك، المخلوق هو الذي يحتاج إلى ولي ينصره إذا نزلت به النوازل ونابت عليه النوائب. أما الخالق سبحانه وتعالى فهو الغني، فهو الغني عن كل خلق سبحانه وتعالى. ثم قال: «وكبره تكبيرا»، وهذا يدل على معنى عظمة الله عز وجل، وأنه أكبر من كل شيء. فهذا كما ترون، أول الآية ووسط الآية وآخر الآية، فيها دلالة على وجوب تعظيم الله عز وجل، وعلى غناه عن كل مخلوق. قال: «وكبره تكبيرا»، أي وعظمه تعظيما. طيب، في قوله: «ولم يكن له ولي من الذل»، كما سمعتم في هذا نفي أن يكون الله عز وجل وليا من الذل، بمعنى أن الله عز وجل يحتاج إليه، إما لأجل أن يكمل ما به من ذل أو ما شابه ذلك. إذا علم هذا، فليعلم أن ولاية الله عز وجل الثابتة له في كتابه على قسمين: أن ولاية الله عز وجل الثابتة له على عباده على قسمين: ولاية عامة، وولاية خاصة. ولاية عامة بمعنى الخلق والملك والقهر، كما قال الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾، وهذه ولاية عامة لجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم وبرهم وفاجرهم. والنوع الثاني: ولاية خاصة، وهي ولاية الله عز وجل لأهل الطاعة ولأهل الإيمان، كما قال الله جل وعلا: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾. ما الجمع بين هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾، وبين الآية الأولى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾؟ الجواب: أن الأولى ولاية عامة، وهي ولاية خلق وقهر، فالكل مقهورون بقهره سبحانه وتعالى، والكل مربوبون والكل مخلوقون. وأما الأخرى فإنها ولاية خاصة لأهل الإيمان ولأهل التقوى ولأهل الطاعة. قال رحمه الله تعالى: ثم نفى سبحانه عن نفسه ما ينافي كمال الحمد، لماذا؟ لأن الحمد الكامل له سبحانه وتعالى، ووجود الولد أو الشريك أو الولي من الذل ينافي الحمد. لأن الحمد ما هو؟ ذكر محاسن المحمود على ماذا؟ مع محبة وتعظيم. وما سبب ذلك؟ الحمد الكمال المطلق، وكذلك الإنعام المطلق. قال رحمه الله تعالى: «والولي من الذل»، أي من فقر وحاجة، فهو سبحانه لا يوال أحدا من خلقه من أجل ذلة وحاجة إليه. ثم أمر عبده ورسوله أن يكبره تكبيرا، أن يعظمه تعظيما وينزهه عن كل صفة نقص. قوله رحمه الله تعالى: «أن يعظمه تعظيما وينزهه»، الجواب: أن لازم التعظيم يلزم منه تنزيه الله عز وجل عن جميع النقائص والعيوب. فقول «وكبره تكبيرا» معناه: وعظمه تعظيما، وهذا التعظيم لا يتأتى إلا بتنزيه سبحانه وتعالى عن كل نقص وعيب. قال رحمه الله تعالى: وأما قوله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ إلى آخره، قال: فالتسبيح هو التنزيه، هو الإبعاد عن السوء. وتقدم أن التسبيح معناه تنزيه الله عز وجل عن جميع النقائص والعيوب، وهذا الوصف لا يتأتى إلا لله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: ولا شك أن جميع الأشياء في السماوات وفي الأرض تسبح بحمد ربها وتشهد له بكمال العلم والقدرة والعزة والحكمة والتدبير والرحمة. قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾. في قول الله عز وجل: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، يدل على أن كل ما في السماوات وما في الأرض يسبح لله عز وجل. وجاء هنا بـ «ما» التي يعبر عنها العلماء بأنها تستخدم لغير العاقل. قال الشيخ رحمه الله: ولا شك أن جميع الأشياء في السماوات وفي الأرض تسبح بحمد ربها وتشهد له بكمال العلم والقدرة والعزة والحكمة والتدبير والرحمة. وقد اختلف في تسبيح الجمادات التي لا تنطق، هل هو بلسان الحال أو بلسان المقال؟ قال: وعندي أن الثاني أرجح، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾. قال: إذ لو كان المراد تسبيحها بلسان الحال لكان ذلك معلوما، فلا يصح الاستدراك. وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾. وجه الشاهد أن الله عز وجل أخبر أن الجبال يسبحن مع داود عليه السلام، ومتى هذا التسبيح؟ بالعشي والإشراق. فدل هذا على أن تسبيحها تسبيحا بلسان المقال. وكذلك مما ذكر في هذا الباب من أدلة قول الله جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدُّوَابُ﴾. الشاهد من هذه الآية أن الله عز وجل أخبر أن هذه المخلوقات تسبح. وأيضا من الأدلة التي ذكرت: أن الله عز وجل أخبر عن الحجارة أن بعضها يزول عن مكانه ويسقط من خشية الله. وقد أخبر عن الأرض والسماء أنهما بإذنه يجيبانه في قوله تعالى: ﴿حَيْثُ مَا كُنْتُمْ وَلِّيتُمْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ ليس بآية، الآية ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾، أو ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾. وقد كان الصحابة يسمعون تسبيح الطعام وهو يؤكل، وسمع حنين جذع النخل في المسجد. فإذا كانت هذه الأجسام فيها أصوات مسموعة، فلا يحسن بعد ذلك أن يقال بأنه بلسان الحال. فالحاصل أن هذا هو الصحيح في هذه المسألة. وهذه المسألة قد توسع في الكلام عليها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على