الدرس في شرح العقيدة الواسطية 57، ألقاها
يناقش الدرس أقسام الناس في تعاملهم مع القرآن، حيث قسمهم إلى أربعة أقسام مختلفة في التدبر والاهتمام. يبين المقطع أهمية التدبر في فهم القرآن والاستفادة منه.
يتناول الدرس مسألة رؤية المؤمنين لله عز وجل يوم القيامة، ويبين أن الآيات تدل على رؤية المؤمنين لربهم بينما لا يراه الكفار، كما يشير إلى مواطن الرؤية في العرصة والجنة. يناقش أيضًا مسألة رؤية النبي لربه في الدنيا والآخرة.
يناقش هذا الجزء من الدرس رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه عز وجل، ويستدل على عدم رؤيته لربه بعينه في الدنيا، ويبين إجماع العلماء على ذلك. كما يشرح تفاصيل رؤية المؤمنين لله يوم القيامة.
يختتم الدرس بالدعاء والتسبيح والاستغفار، مع الإعلان عن استكمال ما تبقى في درس لاحق، والتأكيد على أهمية الرجوع إلى الله تعالى بالتوبة والاستغفار.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وقوله ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، وقوله ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، وقوله ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾. قال: «وهذا الباب في كتاب الله كثير، ومن تدبر القرآن طالبًا للهدى منه تبين له طريق الحق». قال الشارح رحمه الله: قوله «وجوه يومئذ ناظرة» إلى آخر هذه الآيات تثبت رؤية المؤمنين لله عز وجل يوم القيامة في الجنة. قوله رحمه الله تعالى: أولًا: بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومنهج وعلى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا العبد ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم ما بعد... كما ترون أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بعد أن ذكر ما ذكر من المقدمة النافعة العظيمة الجليلة لهذا الكتاب، ثم سرد الأدلة الدالة على جملة من أسماء الله عز وجل وصفاته من كتاب الله عز وجل، ختم ذلك بالكلام على رؤية المؤمنين لربهم جل وعلى. قال: «وهذا الباب في كتاب الله كثير» إشارة إلى ماذا؟ إلى أن ما ذكره وسرد من الآيات في ذكر جملة من الأسماء والصفات إنما هو شيء يسير من كتاب الله عز وجل. ومن تأمل في كتاب الله وجد الشيء الكثير، بل ربما سورة واحدة، ولو كانت من أقصر السور، يذكر فيها اسم أو أكثر من أسماء الله عز وجل، أو صفة أو أكثر من صفات الله عز وجل. لذا قال: «من تدبر القرآن طالبًا للهدى منه تبين له طريق الحق». وهذا يدلنا على أن الناس في القرآن على أقسام. منهم من يقرأ القرآن طالبًا للهداية وطالبًا كذلك لمعرفة الحق ومستقصيًا لذلك. فهؤلاء إن صدقوا مع الله عز وجل وبذلوا الجهد لذلك، وفقهم الله جل وعلا إلى ذلك بإذنه سبحانه وتعالى. إن تصدق مع الله في طلب الهدى يسر الله له أسبابه. وطبقة أو قسم ثاني من الناس يكونون دون ذلك، يحبون الخير ولكنهم لا يسعون في تحصيله. فهؤلاء مقامهم بحسب حالهم، فيظهر لهم من الهدى والحق الذي في القرآن بحسب تحصيلهم وبحسب حرصهم وبحسب إقبالهم على الله عز وجل. وطبقة ثالثة وقسم ثالث هم دون هؤلاء، وهم من يقرأ كتاب الله عز وجل لا لأجل التدبر والتفهم والتعلم من كتاب الله عز وجل، بل يقرؤون كتاب الله عز وجل لأجل التعبد بتلاوته فقط. وأما التأمل والتدبر لمعانيه فإنهم لا يرفعون لذلك رأسًا، بل يعتقدون أن ظواهر كتاب الله عز وجل غير مرادة. فإذا كانت غير مرادة، إذن التدبر فيها ماذا؟ غير مراد. فلا يشغلون أنفسهم بالتدبر. ثم هم بذلك على طبقات، فمنهم من يسعى جادًا في استخراج المعاني الباطنة -زعمًا منهم- من كتاب الله عز وجل الموافقة لصريح المعقول، زعمًا منهم أن ظاهر القرآن يخالف ويناقض صريح المعقول. فيسعون إلى استخراج المعاني اللائقة الموافقة لما في عقولهم، فيقعون في حمأة التعطيل والتحريف الذي يسمونه تأويلًا. وقسم آخر يقفون عند مجرد الألفاظ، فلا ينظرون في المعاني. وهذا حال مفوضة الذين يقولون إن ظواهر القرآن غير مرادة، وأن معانيها لا يعلمها أحد إلا الله. ويجعلون القرآن كأنه كلام أعجمي عند الإنسان العربي الذي لا يفهم اللغة الأعجمية، فيقرؤونه قراءة يتعبدون بتلاوته ولا يعرفون معانيه. وقسم رابع لا يرفعون في هذا الكتاب رأسًا، بل لا ينظرون إليه أصلًا. وهذا حال من أعرض عن كتاب الله عز وجل إعراضًا كليًا، كحال الكفرة والمشركين ومن كان على شاكلتهم من أعرض عن كتاب الله عز وجل تعلمًا وعملًا رأسًا وأصلًا، لا يستفيد منه لا بتلاوته ولا بتدبره ولا بالعمل بمقتضاه. نرجع إلى الكلام على ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى. قول الشيخ رحمه الله تعالى: «وقوله وجوه يومئذ ناظرة...» كما ذكر الشرح رحمه الله تعالى. قال: «هذه الآيات تثبت رؤية المؤمنين لله عز وجل يوم القيامة في الجنة». فإذن الشيخ رحمه الله تعالى ذكر هذه الصفة ليثبت أن الله عز وجل يرى، أي أن عباده يرونه. والشارح رحمه الله تعالى خص الرؤية بالمؤمنين، فقال: «هذه الآيات تثبت رؤية المؤمنين لله عز وجل يوم القيامة في الجنة». وهل معنى هذا أن غير المؤمنين لا يرون ربهم عز وجل؟ الجواب أن الآيات المذكورة كلها تدل على أن المؤمنين هم الذين يرون ربهم جل وعز، وأن غير المؤمنين لا يرون ربهم عز وجل، كما في قول الله عز وجل: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾. استدل بها من استدل من الأئمة رحمهم الله تعالى على أن غير المؤمنين لا يرون ربهم عز وجل أبدًا، لا في الدنيا ولا في الآخرة. وهذه المسألة تطرق إليها وذكرها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وكذلك ذكرها كثير من من قبله وكثير من من بعده. ولكن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى نبه على أمر في هذه المسألة، وهو ما نقله عن القاضي أبي يعلى أنه ذكر أن القرون الثلاثة الأولى متفقة على أن الكفار لا يرون ربهم يوم القيامة. فقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «وكل قول حادث بعد القرون الثلاثة المفضلة فهو غير معتبر» أو كما قال رحمه الله تعالى. فإذن القرون الثلاثة الأولى متفقة على أن الكفار لا يرون ربهم يوم القيامة. وقد دل على هذا المعنى قول الله جل وعلا: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾. قال الشافعي رحمه الله تعالى: «لما حجب نفسه عن هؤلاء في حال السخط دل على أن عباده المؤمنين يرونه في حال الرضا». قوله رحمه الله تعالى: «يوم القيامة في الجنة». قوله «يوم القيامة» ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وغيره من العلماء أن المؤمنين يرون ربهم عز وجل يوم القيامة في موطنين: يرون ربهم عز وجل يوم القيامة في العرصة، والموطن الثاني في الجنة. إذن المؤمنون يرون ربهم عز وجل في الجنة، ويرونه كذلك في العرصة. وقوله «يوم القيامة» هل معنى هذا أن المؤمنين لا يرون ربهم عز وجل قبل يوم القيامة؟ الجواب أن المؤمنين متفقون على أن أحدًا لا يرى ربه عز وجل في الدنيا بعين رأسه. وإنما وقع خلاف يسير في حق نبينا صلى الله عليه وسلم خاصة، هل رأى ربه عز وجل حقيقة أم لا؟ أي ليلة الإسراء حينما أسري به. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «وأيضًا هذا الخلاف إنما هو في الرؤية القلبية أو الرؤية المنامية». قال: «وأحمد وغيره لم يصرحوا في هذه المسألة بأن الله عز وجل رؤيا أو رآه النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة بعينيه». وإنما قال: «إما أنهم أطلقوا الرؤية، فقالوا إنه رأى ربه عز وجل». وإما أنهم قيدوه برؤية القلب، أي رؤية قلبية. ثم قال: «ومعنى هذا أنهم متفقون على أن أحدًا لم يرى ربه عز وجل بعينه». وذكر كلامًا نحو هذا الكلام العلامة ابن القيم، وكذلك العلامة ابن كثير. وفي كلامهم تصريح أو إشارة إلى أن المسألة متفق عليها في مسألة رؤية العين، أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرَ ربه عز وجل بعينه، وإنما رآه إما رؤية منامية كما جاء في الحديث: «رأيت ربي الليلة بأحسن صورة». وذلك كان بالمدينة، لم يكن ليلة إسراء. وقد جاء مصرحًا أنه رآه في المنام. ولا مانع من أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم -بل ولا غيره- ربه عز وجل في المنام. وإنما الخلاف أن يراه في حال الصحوة، أي أن يكون يقظانًا. وكذلك أن يراه بعين رأسه. فالحاصل من هذا أن أحدًا لم يرَ ربه عز وجل حقيقة بعين رأسه. لذا لما سئلت عائشة رضي الله عنها وأرضاها -كما في صحيح مسلم- حينما قال لها مسروق: «يا أمه، هل رأى نبينا صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل ليلة الإسراء؟» قالت: «قف شعري، ما رأى محمد ربه قط». قال مسروق: «فما قول الله عز وجل: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ وذكر الآيات في هذا؟» قالت: «إنما ذلك جبريل». أي إنما في قوله: ﴿فَرَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾. فقالت عائشة رضي الله عنها وأرضاها: «إنما رأى جبريل، لم يرَ ربه عز وجل». وكفى بهذا قولًا من أم المؤمنين التي هي أعلم الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم، لا سيما في خاصته. فهي تقول: «لم يرَ ربه». وأنكرت وقالت: «قف شعري» أن تقول هذا الكلام. فالحاصل أنه لم يرَ ربه عز وجل. وقد سمعتم أن في كلام شيخ الإسلام إشارة إلى أن هذا اتفاق. وصرح بذلك الاتفاق ابن كثير، وكذلك ابن القيم -رحم الله الجميع-. في قوله رحمه الله تعالى: «إثبات رؤية المؤمنين لله عز وجل يوم القيامة» -كما سمعتم- في إشارة إلى ما تقدم، أنهم يرونه يوم القيامة. وهذه الرؤية تكون في مقامين وفي مكانين: في الجنة، وقبل ذلك في العرصة. قال رحمه الله: «فقد نفاها المعتزلة بناء على نفيهم الجهة». بمعنى أنهم قالوا: إذا قلنا إن الله عز وجل يرى، يلزم أن يكون في جهة. وإذا قلنا إن الله عز وجل في جهة، يلزم أن تكون الجهة محيطة به. وإذا كانت الجهة محيطة به، فهذا ممتنع. وإذا كان اللازم باطلًا، كان المزعوم كذلك باطلًا. إذن لا يقال: إن الله عز وجل في جهة، لامتناع أن تحيط به جهة. وإذا كان كذلك، قالوا: «وما لم يكن في جهة، فإنه لا يرى». لأن المرء يجب أن يكون في جهة من الرائي. عملة تسلسل في الباطل، بنوا شيئًا حقًا على شيء باطل، ثم أتوا بهذا الباطل إلى باطل آخر، وهو نفي حق. وهكذا يفعل الباطل بأصحابه، يجرهم من شر إلى شر آخر، ومن فساد إلى فساد آخر، ومن باطل إلى باطل آخر. قالوا: «وما دامت الجهة مستحيلة -وهي الشرط في الرؤية- فالرؤية كذلك مستحيلة». واحتجوا من النقل بقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، وقوله لموسى عليه السلام حين سأله الرؤية: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾. هاتين الآيتين استدل بها المعتزلة على نفي الرؤية، واستدل بها أهل السنة والجماعة على إثبات الرؤية. استدل بها المعتزلة على نفي الرؤية لله عز وجل، واستدل بها أهل السنة والجماعة على إثبات الرؤية لله عز وجل؛ لأن الآيات حق، والحق لا ينصر الباطل أبدًا، بل ينصر الحق. نكمل ما بقي إن شاء الله تعالى في درس لاحق. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.