شرح العقيدة الواسطية 54

الدرس في شرح العقيدة الواسطية 54، ألقاها

مقدمة في تفاوت صفات الله وصفات المخلوقين

يناقش تفاوت صفات الله وصفات المخلوقين مع التركيز على مسألة العلم والكلام الإلهي. يُفصّل آراء العلماء حول هذا الموضوع.

شرح وتفصيل صفة الصدق في كلام الله

يشرح معنى أن كلام الله هو أصدق الكلام ويتطرق إلى تفسير آية تتعلق بسؤال الله لعيسى عليه السلام. يُظهر أن إخبار الله مطابق للواقع.

إثبات كلام الله وترديد على المخالفين

يتناول إثبات صفة الكلام لله من خلال الآيات والأحاديث ويرد على الأشاعرة. يُظهر أن الكلام هو صفة فعلية لله تتجدد متى شاء.

التكلم مع عباده المؤمنين وخاتمة

يدل على أن الله سيتكلم مع جميع عباده المؤمنين ويختتم بذكر وتسبيح لله والاستغفار منه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. قوله رحمه الله تعالى: كما مضى معنا في الدرس الماضي، قال: «والله سبحانه نادى موسى بصوت، ونادى آدم وحواء بصوت، وينادي عباده يوم القيامة بصوت، ويتكلم بالوحي بصوت، ولكن الحروف والأصوات التي تكلم الله بها صفة له غير مخلوقة، ولا تشبه أصوات المخلوقين وحروفهم، كما أن علم الله القائم بذاته ليس مثل علم عباده». فإن الله لا يماثل المخلوقين في شيء من صفاته. قوله: «كما أن علم الله القائم بذاته ليس مثل علم عباده»، هذه العبارة أيضًا علق عليها الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى بقوله: «لكن يشترك علم الله وعلم المخلوق في مطلق الصفة، وهي مطلق الإدراك؛ لأن العلم إدراك المعلوم على ما هو عليه، وهذا لا يقتضي تشبيه الخالق بالمخلوق، كما نقول: إن الخالق والمخلوق اشتركا في مطلق معنى الوجود، فيقال: الله موجود، والمخلوق موجود، وليس الموجودان متشابهين، وكذلك بقية الصفات لا يمكن أن يشترك مطلق المعنى بينهما». هذا الاعتراض وهذا التعليق والتنبيه كسابقه في الكلام عن الحروف. قول الشيخ الهراس رحمه الله: «كما أن علم الله القائم بذاته ليس مثل علم المخلوق أو ليس مثل علم عباده»، هذا باعتبار العلم مضافًا إلى الله جل وعلا. فعلم الله عز وجل لا يماثل علم المخلوق. والشيخ الهراس رحمه الله تعالى عبر بقوله: «لا يماثل»، فإن الله لا يماثل المخلوقين في شيء من صفاته. وهذا التعبير أدق من التعبير السابق في الحروف، حيث قال: «ولا تشبه أصوات المخلوقين وحروفهم». لما تقدم من أن لفظ الشبه: اشتراك في معنى أي معنى كان، أما المثل: فهي المساواة من كل وجه. وعلى هذا يكون الكلام كالكلام. فباعتبار المطلق العام الكل، هناك اشتراك. أما باعتبار إضافة كل صفة إلى منسوبها، فلا اشتراك ولا تشابه. بل كل موصوف مختص بصفته. قلنا: علم الله عز وجل وعلم المخلوق بينهما اشتراك باعتبار العلم المطلق العام الكل. هذا لا يكون إلا في الذهن. أما إذا كان في خارج الذهن، فإنه يكون مقيدًا مضافًا مخصوصًا. فإذا كان مقيدًا مضافًا مخصوصًا، يكون بحسب من أضيف إليه، وبحسب من اختص بذلك الوصف، وبحسب من قيد به ذلك الوصف. فمثلًا العلم إذا أطلق، تبادر إلى الذهن معنى لذلك العلم، وهو إدراك المعلوم على ما هو عليه. لكن إذا قلنا: علم زيد، تصورنا منه علمًا خاصًا، مضافًا إلى زيد، مقيدًا بزيد. وهذا العلم مختص بزيد، يكون بحسب زيد. إذا كان زيد من العلماء الأكابر، كان علمه كذلك، وإذا كان دون ذلك، كان دون ذلك. إذا قيل: علم الخالق سبحانه وتعالى، فإنه علم يليق به جل وعلا، علم لم يسبق بجهل، ولم يلحق بنسيان. فالحاصل أن الصفة بعد إضافتها إلى الموصوف تكون بحسب ذلك الموصوف، لائقة بذلك الموصوف. إن كان مخلوقًا، فهي لائقة به بضعفه ونقصه، وإن كانت للخالق سبحانه وتعالى، فإنها لائقة به بجلاله وكماله وجلاله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: والآيتان الأوليان هنا، وهما من سورة النساء، تنفيان أن يكون أحد أصدق حديثًا وقولًا من الله عز وجل. بل هو سبحانه أصدق من كل أحد في كل ما يخبر به؛ وذلك لأن علمه بالحقائق المخبر بها أشمل وأضبط، فهو يعلمها على ما هي به من كل وجه، وعلم غيره ليس كذلك. يقول الشيخ هراس رحمه الله تعالى، وهو ينبه أيضًا على بعض الدقائق من المسائل: «وكلام الله عز وجل أصدق الكلام، وكذلك أصدق الحديث، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾». قال رحمه الله تعالى معللًا لذلك: «بل هو سبحانه أصدق من كل أحد في كل ما يخبر به؛ لأن علمه بالحقائق المخبر عنها أشمل وأضبط، فهو يعلمها على ما هي به من كل وجه». والكلام أو الصدق والإخبار عن الواقع على ما هو عليه. والمخلوق قد يعتريه نقص في العلم وفي التصور، فينظر إلى رجل بعيد فيظنه زيدًا، فيقول: هذا زيد، أو جاء زيد، فإذا دنا منه وقرب، قال: ليس بزيد؛ لقصور في علمه ولقصور في اطلاعه وإحاطته. أما الله جل وعلا، فلعموم علمه وإحاطته سبحانه وتعالى، فإنه يعلم الأشياء على ما هي عليه، قبل وجودها وبعد وجودها، يعلمها على ما هي عليه. فإذا أخبر عنها، أخبر بالأشياء على ما هي عليه، فكان كلامه أصدق الكلام، وكان حديثه أحسن وأصدق الحديث سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: «وأما قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى﴾ إلى آخر الآية، قال: فهو حكاية لما سيكون يوم القيامة من سؤال الله لرسوله وكلمته عيسى عما نسب إليه الذين ألهوه وأمه من النصارى من أنه هو الذي أمرهم بأن يتخذوه وأمه إلهين من دون الله». قال: «وهذا السؤال لإظهار براءة عيسى عليه السلام، وتسجيل الكذب والبهتان على هؤلاء الضالين الأغبياء». قوله رحمه الله تعالى: «فهو حكاية لما سيكون يوم القيامة»، مر معنا يا جماعة أن القول بأن كلام الله عز وجل حكاية، حكاية من كلام من؟ من كلام الأشاعرة أو من كلام الكلابية. نعم، من كلام الكلابية والأشاعرة. يقول عبارة: فكيف الآن؟ الشيخ هراس رحمه الله تعالى ها هنا يقول: «﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ﴾»، قال: «فهو حكاية لما سيكون يوم القيامة». كيف الآن هذا الكلام صواب وليس بصواب عند من؟ الجواب: الكلام صواب؛ لأنه فرق بين أن يقال: حكاية عن كلام الله عز وجل نحن نحكيه، أو يحكيه جبريل، أو يحكيه فلان، وبين أن يقال: إن الله عز وجل هو الذي حكى عما حصل. قولنا: إن الله عز وجل حكى عن آدم، حكى عن موسى، حكى عن نوح، أو ما شابه ذلك، هذا فيه دلالة على أن الله عز وجل تكلم حقيقة، فحكى عما حصل من خلقه أو من الأمم أو من أنبيائه أو ما شابه ذلك. ففيه إثبات الكلام لله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: «وأما قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾، قال: فالمراد صدقًا في أخباره، وعدلًا في أحكامه؛ لأن كلامه تعالى إما إخبار، وهي كلها في غاية الصدق، وإما أمر ونهي، وكلها في غاية العدل الذي لا جور فيه؛ لابتنائها على الحكمة والرحمة». والمراد بالكلمة هنا: الكلمات؛ لأنها أضيفت إلى معرفة، فتفيد معنى الجمع. قال رحمه الله تعالى: «وأما قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ وما بعدها من الآيات التي تدل على أن الله قد نادى موسى وكلمه تكليمًا، وناجاه حقيقة من وراء حجاب وبلا واسطة ملك، فهي ترد على الأشاعرة الذين يجعلون الكلام معنى قائمًا بالنفس بلا حرف ولا صوت؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، وها توكيد للمعنى في قوله: ﴿تَكْلِيمًا﴾». قال رحمه الله تعالى: «فيقال لهم: كيف سمع موسى هذا الكلام النفسي؟» فإن قالوا: ألقى الله في قلبه علمًا ضروريًا بالمعنى الذي يريد أن يكلمه به، لم يكن هناك خصوصية لموسى في ذلك؛ لأن الله عز وجل يعلم ما في نفوس العباد أجمعين. فيقال لهم: كيف سمع إذا قالوا: ألقى في قلبه علمًا ضروريًا بالمعنى الذي يريد أن يكلمه به؟ لم يكن هناك خصوصية لموسى في ذلك. قال: وكذلك ترد عليهم هذه الآيات في جعلهم الكلام معنى واحدًا في الأزل، لا يحدث منه في ذاته شيء. فإن الله يقول: �ًا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمْنَاهُ رَبُّهُ»، فهذا يدل على حدوث الكلام عند مجيء موسى للميقات. وقال: «﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ﴾، فهذا يدل على حدوث النداء عند جانب الطور الأيمن. إذن الكلام عند الطور غير الكلام عند الميقات. وهذا يدل على تجدد كلام الله عز وجل، وأنه يتكلم متى شاء كيف شاء. قال: «والنداء لا يكون إلا صوتًا مسموعًا بحروف، وهذا باتفاق أئمة اللغة». وهذا فيه رد على من؟ على الأشاعرة ومن كان على شاكلتهم. قال: وكذلك قوله تعالى: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا﴾، فإن هذا النداء لم يكن إلا بعد الوقوع في الخطيئة، فهو حادث قطعًا. وكذلك بعد خلق آدم وحواء. قال: وكذلك قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾، فإن هذا النداء والقول سيكون يوم القيامة. ﴿فَيَقُولُ أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾، متى يكون هذا النداء؟ يوم القيامة. فهذا يدل على أن الله يتكلم أو سيتكلم يوم القيامة، كما أنه تكلم في الدنيا، كذلك سيتكلم يوم القيامة. قال: وفي الحديث: «ما من عبد إلا سيكلمه الله يوم القيامة، ليس بينه وبينه ترجمان»، وهم اتفقوا عليه من حديث عدي بن حاتم. والشاهد منه: «ما من عبد إلا سيكلمه الله». وهذا يدل على أن الله سيتكلم مع جميع عباده المؤمنين. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على