الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 24، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
اسم الله الحكيم يعني الذي له الحكمة العليا في أمره وقدره، وأحسن كل شيء خلقه. الله جل وعلا أحكم خلقه وخلق لحكمه، فهو منزه عن العبث.
الإيمان باسم الله الحكيم يقتضي التيقن بأن خلق الله محكم، والرضا بحكمة الله في خلقه وأفعاله، وعدم الاعتراض على شرعه وأحكامه. يجب الرضا بقضاء الله والتفريق بين قضاء الله والمقضي.
يختتم الحديث عن شرح أسماء الله الحسنى مؤقتًا ليستمر في شرح اسم الله الحكم فيما بعد، ضمن الأسماء المذكورة في سنة رسول الله. سيتم استكمال الشرح في وقت لاحق.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد، فمن الأسماء الحسنى الثابتة لله جل وعلا التي ذكرها المؤلف -رحمه الله تعالى- اسم الله جل وعلا الحكيم. فالحكيم اسمه من أسماء الله جل وعلا الحسنى، وقد ذكر هذا الاسم في مواضع كثيرة في كتاب الله جل وعلا. بل قال بعض أهل العلم: إن ورود هذا الاسم في القرآن جاء فيما يقرب من مئة مرة، ما يقرب من مئة مرة ورد اسم الله جل وعلا الحكيم. فمن هذه النصوص قوله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم﴾. قال جل وعلا في كتابه الكريم على لسان ملائكته: ﴿كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم﴾. قال جل وعلا: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم﴾. في مواضع كثيرة قرن الله جل وعلا بين الحكيم والعليم، فقرن بين الحكيم والعليم. وهكذا كذلك قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يريد الله ليتوب عليكم يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم﴾. والله عليم حكيم، فقرن بين اسمه جل وعلا العليم والحكيم. وهكذا في مواضع كثيرة. وهكذا قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿آباءكم وأبناءكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما﴾. إن الله كان عليما حكيما. وقرن الله جل وعلا بين اسمه جل وعلا الحكيم وبين اسمه العزيز، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم﴾. وقال جل وعلا: ﴿هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء وهو العزيز الحكيم﴾. وقال جل وعلا: ﴿وإذ قال إبراهيم ربي أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فاصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم﴾. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب وكان الله عزيزا حكيما﴾. فقرن جل وعلا بين اسمه الحكيم وبين اسمه العزيز في مواضع كثيرة في كتابه سبحانه وتعالى. وهكذا قرن جل وعلا بين اسمه الحكيم والخبير في مواضع في كتابه جل وعلا، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير﴾. وقال جل وعلا: ﴿ألف لام ر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير﴾. وقال جل وعلا: ﴿وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير﴾. وقال جل وعلا: ﴿عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير﴾. وهكذا قرن الله جل وعلا في كتابه الكريم بين اسمه الحكيم وبين اسمه العلي، قال جل وعلا: ﴿إنه علي حكيم﴾. وبين اسمه الحكيم واسمه الواسع، قال جل وعلا: ﴿وإن يتفرق يغني الله كل من سعته وكان الله واسعا حكيما﴾. وكذلك سمى الله جل وعلا نفسه بأحكم الحاكمين، قال على لسان نبيه نوع عليه الصلاة والسلام: «إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين». وقال جل وعلا: ﴿أليس الله بأحكم الحاكمين﴾. فالله جل وعلا أحكم الحاكمين سبحانه وتعالى، وله الحكم جل وعلا. ومعنى اسم الله جل وعلا الحكيم يقول ابن قيم -رحمه الله تعالى- في نونيته: «وهو الحكيم كذاك من أوصافه نوعان أيضا ما هما عدمان حكم وإحكام فكل منهما نوعان أيضا ثابتا البرهان». فبين ابن قيم -رحمه الله تعالى- لمعنى اسم الله جل وعلا الحكيم أنه الذي له الحكمة، الذي له الحكمة وله الحكم والإحكام. ذكر هنا الحكم والإحكام، وذكر في موضع آخر الحكمة. قال ابن قيم -رحمه الله تعالى-: «والحكمة العليا على نوعين أيضا حصلا بقواطع البرهان إحداهما في خلقه سبحانه نوعان أيضا ليس يفترقان ثم ذكر الأخرى قال والحكمة الأخرى حكمة شرعه وأيضا فيهما ذانك الوصفان». فذكر -رحمه وتعالى- في هذه الأبيات معاني لاسم الله الحكيم الذي له الحكم وله الإحكام وله الحكمة سبحانه وتعالى. وذكر ابن سعدي -رحمه الله- في شرحه لأسماء الله الحسنى عند اسم الله الحكيم قال -رحمه الله تعالى-: «الحكيم هو الذي له الحكمة العليا في أمره وقدره، قال في خلقه وأمره، الذي أحسن كل شيء خلقه، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون، فلم يخلق شيئا عبثا ولا يشرع شيئا سداء». قال: «والذي له الحمد في الأولى والآخرة، والذي له الأحكام الثلاثة التي لا يشاركه فيها مشارك، فهو الذي يحكم بين عباده في شرعه وأمره وجزائه». ثم قال بعد ذلك -رحمه وتعالى-: «والحكمة وضع الأشياء مواضعها وتنزيلها منازلها». هكذا ذكر -رحمه الله تعالى-. فذكر مثل ما ذكر ابن قيم -رحمه الله تعالى- من معاني باسم الله الحكيم الذي له الحكم والموصوف بالحكمة والإحكام جل وعلا. فهذا الاسم اسم الله الحكيم معانيه تدور على هذه المعاني، تدور على هذه المعاني الذي له الحكم، والذي له الحكمة العليا، والذي له الإحكام جل وعلا. فالله جل وعلا الحكيم أحكم خلقه، أحكم خلقه وخلق لحكمه، فلابد أن نثبت هذين: أن الله جل وعلا أولا أحكم خلقه، فخلق الله جل وعلا محكم، لماذا؟ لأن الحكيم أحكمه الحكيم جل وعلا هو الذي أحكم خلقه سبحانه وتعالى، وأفعاله جل وعلا أفعال حكمة. فأحكم خلقه جل وعلا ثانيا هذا الخلق الذي خلقه الحكيم جل وعلا خلقه لحكمه، خلقه لحكمه، خلقه لحكمه، ما خلقه عبثا ولا سوداء، وإنما خلق جل وعلا لحكمه، لأن الله جل وعلا الحكيم منزه عن العبث، منزه عن العبث، لم يخلق شيئا عبثا. وذلك قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين لو شئنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون﴾. وقال جل وعلا: ﴿فحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم﴾. قال جل وعلا: ﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدى﴾. فالله جل وعلا خلق خلقه وأحكمه سبحانه وتعالى، لا أحد يستطيع أن يعترض على خلق الله جل وعلا أو أن يقول: هذا غير مناسب أن يكون على هذه الهيئة أو أن يكون على هذا اللون أو كذا أو كذا، لا، لماذا؟ لأنه محكم أحكمه الحكيم جل وعلا. ولذلك قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير﴾. تأمل الآن في خلق الله سبحانه وتعالى، هل ممكن لأحد أن يقول: والله الليل هذا ما هو مناسب أن يكون على هذا الحال؟ أو هذا النهار؟ أو هذا الشمس؟ أو هذا المسار الذي يسير عليه؟ أو هذا القمر؟ أو هذه الكواكب؟ أو هذا البحر؟ أو هذه الحيوانات؟ أو كذا وكذا من خلق الله؟ أبدا، لا يمكن أن يعترض معترض، لا تعقب لمعقب، فالله جل وعلا لا معقب لحكمه سبحانه وتعالى ولإحكامه، لأنه الحكيم الذي قد أحكم كل شيء. فأحكم خلقه سبحانه وتعالى إحكاما عظيما على الهيئات والكيفيات التي جعلها الله جل وعلا للإنس وللجن وللحيوانات وللطيور وللأسماك وللجبال وللأنهار وللشمس وللقمر ولسائر المخلوقات كلها أحكمها الله جل وعلا في خلقها، لأنه، الحكيم سبحانه وتعالى الذي أحكم خلقه جل وعلا. إذن فمن مقتضى الإيمان باسم الله جل وعلا الحكيم أن يتيقن العبد أن خلق الله جل وعلا محكم، وأن لا توهم النقص فيه أبدا، لأن هذا ينافي الإيمان باسم الله الحكيم الموصوف بالحكمة. فإذا اعترض معترض فليعلم أنه لم يؤمن باسم الله جل وعلا الحكيم الموصوف بالحكمة. ومن مقتضى الإيمان باسم الله الحكيم كذلك أن يرضى العبد، أن يرضى المخلوق بما بحكم الحكيم، بحكمة الله جل وعلا، جعله طويلا، لا يعترض، يقول: لماذا جعل الله طويلا؟ جعله قصيرا، يرضى بحكمة الله، الله جل وعلا له الحكمة في أن جعلك قصيرا أو جعلك طويلا أو جعلك أبيض أو جعلك أسود أو جعلك بلا شعر أو جعلك كذا، كل شيء لله جل وعلا فيه الحكمة، فلا تعترض. جعلك ذا خلق دميمة، فلا تعترض، لله جل وعلا الحكمة في أن جعلك دميما، وأنت يا من جعلك جميلا وحسنا، لله الحكمة في أن جعلك كذلك. وهكذا في سائر مخلوقاته جل وعلا له الحكمة سبحانه وتعالى، فيجب الرضاء بذلك، لا تقول: لماذا كذا أو كذا أو كذا؟ لا، هذه حكمة الله جل وعلا أن جعلك على هذا الحال وعلى هذه الكيفية في بصرك أو في جسدك أو في قوتك أو في طولك أو في عرضك إلى آخر ذلك، فلا اعتراض. ومع هذا من رحمة الحكيم سبحانه وتعالى أنه بين لعباده الحكمة، بين لعباده الحكمة، لو نظروا في كتابه العزيز وعلى لسان رسله، فالحكمة واضحة، فالحكمة واضحة منه، قال جل وعلا: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، فالحكمة من الخلق عبادته جل وعلا. وهكذا الحكمة من الخلق شكر العباد ربهم إذا علموا أن الله جل وعلا أنعم عليهم بالخلق والرزق والنعم، فيشكرون الله عز وجل، وهذه نعمة عظيمة أنعم الله جل وعلا بها على عباده، فإذا شكروه سبحانه وتعالى كان ذلك من الحكمة العظيمة التي لأجلها خلق الله سبحانه وتعالى العباد. فالله جل وعلا أفعال وأفعال حكمة، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث علي بن أبي طالب في صحيح الإمام مسلم -رحمه الله- في دعائه عليه الصلاة والسلام: «أنه كان يقول: والخير كله في يديك، والشر ليس إليك». فالله جل وعلا أفعاله كلها خير، وخلقه حكمة سبحانه وتعالى. وهكذا الحكيم جل وعلا الموصوف بالحكمة المحكم الذي أحكم الأمور، أحكم شرعه، أحكم شرعه جل وعلا إحكاما عظيما، قال سبحانه وتعالى: ﴿ألف لام ر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير﴾، فشرع الله جل وعلا محكم أحكمه الحكيم سبحانه وتعالى. كل العبادات هذه محكمة، لا يمكن لأحد أن يعترض على شيء، جعل صلوات الظهر أربعا، والعصر أربعا، والفجر ركعتين، والمغرب ثلاثا، نعم، وهكذا العشاء أربعا، جعل الزكاة في مال محدد، جعل الصيام في شهر معين، جاء أمر بالمسح على الخفين على لسان رسوله من أعلى لا من أسفل، أمر بقطع يد السارق، أمر برجم الزاني المحصن، أمر بجلد غير المحصن، وهكذا في أحكامه سبحانه وتعالى، وفي كذلك فرائضه جل وعلا التي افترضها على عباده. لا يمكن لأحد أن يقول: الأولى أن تكون صلاة الفجر ثلاثا والمغرب ركعتان، هذا غير مردود، غير مقبول، لماذا؟ لأن من الذي جعل الفجر ركعتين؟ بأمر من؟ وجعل المغرب ثلاثا؟ الحكيم الذي أحكم ما يمكن أن يكون الأمر خلاف هذا أبدا، لأن هذا أمر الحكيم، أمر الحكيم جل وعلا، فكل شيء في موضعه الذي أراده الحكيم جل وعلا، ولا معقب لذلك ولا انتقاد على ذلك ولا اعتراض. ومن اعترض فاعتراضه مردود على نفسه، لأنه يقول بغير علم وبغير إحاطة، وأما الحكيم فهو الذي يعلم ما يصلح الخلق، وهو الذي يقدر الأحكام وفق حكمته سبحانه وتعالى، الذي لا معقب لحكمه ولا رد لقضائه جل وعلا. وهكذا في سائر الفرائض التي جاءت في كتابه وبيّنها رسوله عليه الصلاة والسلام. إذا قال شخص: ليس من الحكمة المسح على الخفين من أعلى، هذا لا يوافق الحكمة، سبحان الله، هذا مردود، من الذي حكم بذلك؟ حكم بذلك الحكيم، أنت أعلم من الحكيم حتى تقول: الأولى من أسفل؟ لا، الحكمة من أعلى، لكن أنت لا تدري، ما علمت الحكمة من ذلك، لو علمت الحكمة لعلمت أن الأولى من أعلى لا من أسفل، لأنه حكم الحكيم جل وعلا. ورضي الله تعالى عن علي بن أبي طالب حيث يقول: «لو كان الدين بالرأي أو بالعقل لكان المسح يعني على أسفل الخف أولى من المسح من أعلى، لو كان بالرأي، لكن الأمر ليس كذلك، الأمر دين، الأمر أمر الحكيم وعلى لسان رسوله عليه الصلاة والسلام»، فعلم أن هذا هو الحكمة، وهذا هو الحق الذي لا شك فيه. فلا يعترض معترض على شعائر الله جل وعلا، ولا ينتقد على أحكام الله سبحانه وتعالى، لأنها أحكام محكمة، هذا الذي يقول: قطع يد السارق أحكام بشعة، هذا ما آمن بأن الله جل وعلا هو الحكيم حق الإيمان، وإلا والله لو آمن حق الإيمان بأن الله جل وعلا هو الحكيم الموصوف بالحكمة لعلم أن هذا الحكم في محله وفي موضعه. كيف يؤمن بأن الله جل وعلا هو الحكيم وهو الموصوف بالحكمة ثم يقول: قطع يدي السارق أمر بشع؟ من الذي حكم بذلك؟ ألم تؤمن بالحكيم جل وعلا الذي له الحكمة؟ فكيف هنا تعترض أو على الرجم أو على كذا من الأحكام الشرعية؟ ما آمن حقا بأن الله هو الحكيم الموصوف بالحكمة. فإن مقتضى ذلك أن تلتزم بهذا، وأن تستسلم لأمر الحكيم جل وعلا، وتعلم أنه الحق الذي لا شك فيه، والأمر ما أمر به الحكيم سبحانه وتعالى الموصوف بالحكمة. أو أن تعتقد التناقض في شرع الله سبحانه وتعالى، تعتقد التعارض والتناقض في شرع الله سبحانه وتعالى، كيف يكون التعارض والتناقض في شرع الحكيم؟ هذا يعارض اسم الله الحكيم الموصوف بالحكمة، أن يوجد في دين الله ما فيه تعارض وتناقض، لا، إنما القصور أنت، عندك القصور في نظر الناظر، وإلا فشرع الله لا تعارض فيه. ولو كان من عند غير الله لوجد فيه اختلافا كثيرا، لكن القصور يحصل عند الناظر، وشرع الله سبحانه وتعالى أحكمه سبحانه وتعالى، لكن جعل الله جل وعلا ابتلاء أمور المتشابه، هناك الأمور المتشابهة، هناك الأمور المطلقة التي قيدت، هناك الأمور المجملة التي بينت، ليبتل عباده من يريد من يرد المتشابه للمحكم، ومن كذلك يجمع بين المطلق والمقيد والمجمل المبين، هذه ابتلاءات. وإلا فلا تعارض في شرع الله سبحانه وتعالى، وذلك أمر الله جل وعلا بالرجوع إلى أهل العلم الذين يعلمون المتشابه بأن بالعلم يزول ذلك الاعتراض الذي ضمنته. ولذلك العجب ممن يدعي الإسلام ويدعي أنه قد آمن باسم الله الحكيم الموصوف بالحكمة، ثم بعد ذلك يعترض على شرع الله جل وعلا. أن يقول مثلا: قطع اليد في ربع دينار هذا تناقض، إذا اعتدي على اليد كانت ديتها خمسمائة دينار، وإذا سرقت هذه اليد يعني ربع دينار قطعت، هذا تناقض كما يقول المعرّي، هذا أعمل بصر البصيرة، يقول: «يد بخمسمائين عسجدا وديت، ما بالها قطعت في ربع دينار تناقض»، يقول: «تناقض، ما لنا إلا السكوت له ونستعيذ بمولانا من النار». ولله در من رد عليه قال: «قل للمعرّي عار، أيما عار جهل الفتى وهو عن ثوب التقى عار يد بخمسمائين عسجدا وديت ما بالها قطعت في ربع دينار صيانة النفوس أغلاها الذي أغلاها صيانة النفوس وأرخصها حماية المال فافهم حكمة الباري». أفهم حكمة الباري يا معرّي الذي جعلها غالية صيانة النفوس حتى لا يعتدى عليها، والذي جعلها رخيصة تقطع في ربع دينار حماية الأموال، صيانة النفوس أغلاها وأرخصها حماية المال، فافهم حكمة الباري. فمن مقتضى الإيمان باسم الله جل وعلا الحكيم الموصوف بالحكمة أن لا يعترض أحد على شرع الله. وهكذا لله جل وعلا الحكيم الموصوف بالحكمة الحكمة في قدره سبحانه وتعالى، فهو سبحانه وتعالى قد أحكم قدره، فالواجب الرضا، الواجب الرضا بقضاء الله سبحانه وتعالى الذي قدره، لأن فعال الله جل وعلا كلها خير. فقضاء الله جل وعلا إبليس، وقضاء الله جل وعلا النار، وقضاء الله جل وعلا الفساد كونا وقدرا، وقضاء كذلك الكافر، وقضاء المعاصي، وقضاء المنكرات، وقضاء الذنوب، وقضاء الخير والشر، وقضاء هذه المتضادات وهذا بالنسبة لفعله جل وعلا كله خير، لأن فعل الله جل وعلا كلها خير، لأن قضاء هذه الأمور يترتب عليها مصالح أخرى محبوبة لله جل وعلا من وجه أخرى، ولذلك قضاها. ولكن أمر شرعا بما يحبه ويرضاه سبحانه وتعالى، فنفرق بين قضاء الله جل وعلا الذي هو فعله، فهذا يجب الرضا به، وأما المقضي فهذا فيه الخير والشر، فنرضى بالخير ونسخط الشر، كما قال ابن قيم -رحمه وتعالى- في أبياته العظيمة: «ولذلك نرضى بالقضاء ونسخط المقضية حين يكون بالعصيان». فالله يرضى بالقضاء ويسخط المقضية، ما الأمران متحدان. ما الأمران متحدان، فقضاؤه صفة قامت به، وما المقضي إلا صنعة الرحمن. وبهذا البيان يقول -رحمه الله-: «وهذا البيان يزيل لبسا طالما هلكت عليه الناس كل زمان». وكما قال السفاريني -رحمه الله تعالى-: «وكل ما قدر أو قضاه فواقع حتما على ما قضاه، وليس واجبا عبد الرضا بكل مقضي، ولكن بالقضاء لأنه من فعله تعالى، وذاك من فعل الذي تقال». فالقضاء فعل الله جل وعلا، والمقضي هو من مخلوقات الله جل وعلا التي تصدر من مخلوقاته، ففيها الخير وفيها الشر، فيرضى بالخير ويسخط الشر. وأمر الله جل وعلا عباده شرعا بأن يأتوا بالخير. وهذا الباب مقام عظيم فيما يتعلق بتفاصيل حكمة الباري جل وعلا الحكيم في خلقه وشرعه وقدره. لكن حسبنا هذه الإشارات وهذا الموجز السريع على شرح أسماء الله الحسنى، وبقي ما يتعلق باسم الله الحكيم له الحكم يكون -إن شاء الله- في كلامنا على اسم الله الحكم الذي سيأتي معنا في الأسماء التي ذكرها المؤلف من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. صلى الله عليه وسلم وبركاته، على آله وصحبه أجمعين.