الدرس في كتاب الطهارة 21، ألقاها
المذي ماء رقيق يخرج عند الشهوة ويوجب غسل الذكر والوضوء. خروج المذي ناقض للوضوء ويجب التطهر منه.
يختلف العلماء في طهارة المذي والمني، حيث يرى البعض أن المذي نجس ويجب غسله، بينما يرى الجمهور أن المني طاهر. استدل العلماء بأحاديث نبوية مختلفة في هذا الشأن.
اختلف الفقهاء في حكم المني بين طهارة ونجاسة مستدلين بأدلة مختلفة، بينما أجمعوا على نجاسة الودي. كما تطرقوا إلى كيفية التعامل مع الوساوس في الصلاة.
الريح الخارج من الدبر طاهر وليس بنجس، وهذا هو الرأي الصحيح عند أهل العلم، بخلاف ما يعتقده البعض.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وبعد، قال إمام الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى في كتاب "عمدة الأحكام" باب في المذي وغيره: باب في المذي وغيره، وكما مر معنا أي باب في ذكر أدلة المذي وغيره وأحكامه، قال رحمه الله تعالى: عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كنت رجلًا مذيًا، فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته مني، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله، فقال: «يغسل ذكره ويتوضأ». قال: وللبخاري: «توضأ واغسل ذكرك»، ولمسلم: «توضأ وانضح فرجك». طيب، كنت رجلًا مذيًا، المذي لغة: بفتح الميم وإسكان الذال المعجمة، وبفتح الميم أيضًا مع كسر الذال، هذه لغة أخرى، أي مذي ومذي بكسر الذال، وتجديد رِواء، وبكسر الذال مع التخفيف، أي في مذي ثلاث لغات. قلنا: فيه ثلاث لغات، وأشهر هذه اللغات الأولى، أي مذي بفتح الميم وإسكان الذال. طيب، وهو والمذي ماء رقيق أبيض لزج، يخرج عند الشهوة بلا شهوة ولا تدفق، يخرج عند الشهوة أو بلا شهوة، ولا يعقبه فتور، وربما لا يحس بخروجه. فقول علي رضي الله عنه وأرضاه في الحديث: كنت رجلًا مذيًا، مذيًا: صيغة مبالغة، فتدل على أن المذي كان يخرج منه بكثرة. طيب، قوله عن علي بن أبي طالب قال: كنت رجلًا مذيًا، قلنا: قوله مذيًا يدل على المبالغة، فيدل على شدة خروج المذي، وخروج المذي بكثرة، كما ذكر علماء رحمهم الله تعالى: قد يكون عن قوة الشهوة، وقد يكون بسبب مرض. وقول علي: فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته مني، يدل على الأول، أي أنه كان شديد الرجولة رضي الله عنه وأرضاه. وقوله: لمكان ابنته مني، أي لأنه زوج ابنته فاطمة ابنت محمد رضي الله تعالى عنها، وصلى الله وسلم على نبينا وعلى آله وصحبه أجمعين. قوله: فأمرت المقداد بن الأسود فسأله، وهذا من الآداب، فإن عليًا رضي الله عنه وأرضاه استحيا ولم يمنعه استحياؤه من السؤال، ومن التثقف في الدين. وفي هذا إشارة إلى أن بعض المسائل أو بعض الأحكام ربما يستحي الإنسان من أن يسأل فيها شخصًا بعينه، فينبغي له ألا يهمل السؤال مطلقًا، فيستعين بغيره في السؤال. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يغسل ذكره ويتوضأ»، وهذا واضح، معنى أنه إذا أمذى وخرج منه المذي، عليه أن يغسل ذكره، ثم يتوضأ. وقوله: يغسل ذكره ويتوضأ، استدل العلماء رحمه الله تعالى بقوله: يغسل ذكره، على نجاسة المذي، واستدلوا بقوله: ويتوضأ، على أن خروج المذي ناقض من نواقض الوضوء. قوله: وللبخاري: «توضأ واغسل ذكرك»، بعضهم استشكل هذه اللفظة في قوله: توضأ واغسل ذكره، قالوا: فكيف يبدأ بالوضوء ثم يغسل ذكره؟ وإذا غسل ذكره مس ذكره، وإذا مس ذكره على قول أنه ينقض الوضوء. وعلى قول آخر: أنه يستحب له أن يتوضأ، وعلى قول ثالث: أنه لا شيء عليه. لكن الإشكال على القول بأنه ينقض الوضوء: كيف يتوضأ ثم يغسل ذكره، مع أن الشريعة جاءت بابتداء غسل النجاسات ثم الوضوء؟ هذا إشكال. ورد على هذا الإشكال بأن الواو لا تفيد الترتيب، فهي تطلق لمطلق العطف، فمعناه: توضأ واغسل ذكرك، أو اغسل ذكرك وتوضأ. ويدل على هذا المعنى اللفظة الأولى التي اتفق عليها الشيخان في قوله: «يغسل ذكره ويتوضأ»، أي معناه أنه يبدأ فيغسل ذكره ثم يتوضأ. وهذه الطريقة أو هذا الأدب هو الذي تدل عليه عمومات أدلة الشريعة من أن الإنسان إذا أراد الوضوء بدأ بغسل النجاسات ثم بدأ بالوضوء. قوله: ولمسلم: «توضأ وانضح فرجك»، النضح من أهل العلم قالوا: النضح بمعنى الرش، أي رش الماء على فرجك. ومن أهل العلم من قال: إن النضح بمعنى الغسل. على القول بأن النضح بمعنى الرش، استدل بعض أهل العلم بهذه اللفظة على أن المذي ليس بنجس. وسيأتي الكلام على هذه المسألة أيضًا بإذن الله عز وجل. وقوله: «توضأ وانضح فرجك»، هذه اللفظة من جهة الحديثية معلّة، أعلها الإمام الدارقطني رحمه الله تعالى. وفي الحديث مسألة وهي حكم المذي: هل هو طاهر أم نجس؟ نقل بعض أهل العلم الإجماع على نجاسته، واستدلوا بحديث الباب. والصحيح أنه قول الجمهور، القول الثاني: رواية عن الإمام أحمد أنه طاهر، رواية عن الإمام أحمد، لأنه طاهر كالمني، وهو اختيار ابن البرمكي من الحنابلة وطائفة. والصحيح القول الأول، استدل هؤلاء أو استدل لهؤلاء بدليلين: الدليل الأول: بقوله في اللفظة المنثورة: «توضأ وانضح فرجك»، قالوا: الرش ليس بكاف في إزالة النجاسة إن كانت نجاسة. واستدل لهؤلاء بدليل آخر من إلحاق المعنى، قالوا: إن المذي يكون مصاحبًا للمني فيكون حكمه حكم المني، أي يكون طاهرًا كالمني. وسيأتي مع الكلام على حكم المني إن شاء الله. قلنا: الراجح القول الأول من أن المذي نجس. أما استدلالهم بلفظة «انضح فرجك»، فكما ذكرنا أن الإمام الدارقطني رحمه الله تعالى أعلها. أما استدلالهم بأنه في معنى المني، فهذا ليس بصحيح، وأنه لا يلزمهم على هذا أن من أمذى وجب عليه الغسل، ولا قائل بهذا. فدل على الفرق بين المذي وبين المني. طيب، مسألة أخرى في معناها: حكم المني، حكم المني فيه خلاف بين العلماء، فذهب أكثر أهل العلم إلى أن المني طاهر، واستدلوا بحديث عائشة: «إني كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركًا فيصلي فيه»، وفي بعض الألفاظ: «كنت أحكه بظفري يابسًا من ثوبه فيصلي فيه»، أي تحك المني بظفرها من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصلي. فقالوا: فيه دلالة على أنه ليس بنجس، إذ لو كان نجسًا لكان واجبًا عليها أن تغسله، ولأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بغسله. أما أنها تحكه بظفرها وتذهب الظاهر مع وجود الأثر، فهذا يدل على طهارته وعدم نجاسته. وأيضًا يستدل على طهارته بأن المني هو أصل خلقة الإنسان، والإنسان طاهر، فأصله طاهر. القول الثاني: قول إمام مالك وأبي حنيفة ورواية عن أحمد وآخر، ذهب هؤلاء إلى أنه نجس، واستدلوا عليه ببعض الروايات عن عائشة: «كنت أغسل المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم»، قالوا: والغسل يدل على أنه نجس. طيب، والصحيح القول الأول للأدلة المذكورة سابقًا. وأما الجواب عن استدلال أصحاب القول الثاني، فيقال: إن غسل الثوب يحمل على التنظيف لا على التطهير، أي من باب التنظف والتنزه لا من باب التطهير من النجاسة، جمعًا بين الأدلة. طيب، مسألة ثالثة: حكم الودي، والودي هو ماء أبيض كدر يخرج بعد البول، وهو نجس بالإجماع. قال: وانظر "المجموع" المجلد الثالث ص 572، طبعات الكتب العلمية. وانتقل إلى حديث عبد الله بن زيد بن عاصم المازني رضي الله عنه قال: شكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا». طيب، هذا علي بن أبي طالب معروف، ما ترجمنا له لشهرته رضي الله عنه وأرضاه، هو خليفة رابع خلفاء الراشدين، وهو من علماء الصحابة وخيارهم، وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوج ابنته، وهو كما تعلم من العشرة الذين بشرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة. قال: وحدثنا عباد بن تميم، وهو تابعي من التابعين، وهثقة، عن عبد الله بن زيد بن عاصم المازني، وهو أنصاري، ويقال: إنه هو الذي باشر قتل مسيلمة الكذاب. قال: شكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، أي معنى الحديث: شكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الذي تأتيه وساوس كأنه أحدث ولم يحدث، يشك هل خرج منه شيء أم لم يخرج منه شيء؟ فماذا يصنع؟ شكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا»، أي لا يخرج حتى يتيقن. وفي الحديث من المسائل ومن الفوائد ما ذكره العلماء رحمه الله تعالى من القاعدة الجليلة في هذا الباب: من أن اليقين لا يزول بالشك، وأيضًا في القاعدة القطعية: من أن اليقين لا يزول إلا باليقين. فإذا شك الإنسان وهو الآن على طهارة دخل الصلاة، إذا شك تأتي القاعدة هنا: الشك لا يزيل اليقين، فيبقى على الطهارة، ما يخرج عن هذا اليقين بيقين آخر، ما هو اليقين الآخر؟ أن يسمع صوتًا أو يجد ريحًا، ينتقل من يقين إلى يقين آخر. وفي الحديث أيضًا مسألة أخرى: هل الفساء والضراط نجسان أم ليسا بنجسين؟ الصواب من أقوال أهل العلم: أن الريح الخارج من الدبر ليس بنجس، خلافًا للشيعة، والشيعة لا يعتد بخلافهم. نكتفي بهذا، والله أعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليه.