الدرس في كتاب الصلاة 22، ألقاها
يتناول هذا الفصل تحريم رفع الرأس قبل الإمام في الصلاة، ويشرح أهمية متابعة المأموم للإمام، مستندًا إلى الأحاديث النبوية الشريفة. يُبين أيضًا عقوبة من يرفع رأسه قبل الإمام.
يشرح هذا الفصل كيفية متابعة الإمام في الصلاة، ويبين آراء أهل العلم في هذا الشأن، مشيرًا إلى الأفضل للمأموم أن يتبع الإمام دون إبطاء أو مسابقة. يتناول أيضًا مسائل فقهية متعلقة بذلك.
يتناول هذا الفصل مسائل فقهية متعلقة بمتابعة الإمام، مثل حكم من سبق الإمام أو سلم قبله، ويتضمن أيضًا ذكر الله تعالى والاستغفار بعد الصلاة، حيث يُذكر تسبيح الله وتمجيده والاستغفار والتوبة.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وبعد: قال رحمه الله تعالى: «باب الإمامة». تقدم معنى «باب» مرارًا، أن الباب معناه مدخل، والمراد بالإمامة: الكلام على مسائل الإمامة في الصلاة، أي المسائل المتعلقة بأحوال الإمام والمأموم في الصلاة. والإمامة في الصلاة من محاسن شريعة الإسلام؛ إذ يجتمع المصلون في كل مسجد على إمام واحد يصلون بصلاته على حالة واحدة، دالة على ترابط المسلمين، ووحدة قبلتهم، وعبادتهم، وغير ذلك من المعاني الجليلة التي تظهر عند التأمل في هذا المعنى، فهي من الشعائر العظيمة في هذا الدين. قال رحمه الله تعالى: عن أبي هريرة رضي الله عنه، وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار، أو يجعل الله صورته صورة حمار». قوله صلى الله عليه وسلم: «أما يخشى»، قالوا: «أما» مخففة، حرف استفتاح، مثل «ألا»، أي تستخدم مثل استخدام «ألا». وأصلها «ما» النافية، دخلت عليها همزة الاستفهام، وهو هنا نعم، يكون يفيد استفتاح التوبيخ، يفيد ماذا؟ الاستفتاح التوبيخ، فهو نهي وتوبيخ لمن فعل هذا، نهي وتوبيخ لمن فعل هذا الفعل، وهو أن يرفع رأسه قبل رفع الإمام رأسه. وقوله: «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار»، قال العلماء: وفي الحديث دليل صريح على تحريم تعمد رفع المأموم رأسه قبل الإمام في ركوعه وسجوده؛ فإنه توعد عليه بالمسخ، وهو من أشد العقوبات. قال العلامة العثيمين: إن هذا الرجل فعل كبيرة من كبائر الذنوب؛ فعل كبيرة من كبائر الذنوب المتوعد عليها بأن يحول الله رأسه رأس حمار، أو يجعل صورته صورة حمار، فهذا الفعل كبير من الكبائر؛ لأن الضابط في الكبيرة -على قول جماعة من أهل العلم- هي ما توعد عليه بوعيد مخصوص، وهذا توعد عليه بمسخ كما هو ظاهر. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يحول الله رأسه رأس حمار»، اختلف أهل العلم في تفسير هذا الحديث، أي في هذا التحويل: هل هو حقيقي أم أنه معنوي؟ فقال بعض أهل العلم: إنه حقيقي، بأن يحول الله رأسه رأس حمار حقيقة. وقد ذكر بعضهم عن بعض من أدرك أن رجلًا سمع بهذا الحديث من المحدثين، سمع بهذا الحديث، فقال: سأجرب هذا، فرفع رأسه قبل الإمام، فحول الله رأسه رأس حمار. حكى هذا الإمام النووي رحمه الله تعالى عن بعضهم، أو عن بعض من أدركه أنه شاهد ذلك الرجل، فكان يحدث من وراء حجاب، فكان يحدث ذلك المحدث بعد ذلك من وراء حجاب، أي لا يظهر على الناس بوجهه الممسوخ. وهذا إن صحت هذه القصة، تدل على أن هذا الوعيد حقيقي. أو المعنى الثاني: أن يذكروا في تأويل هذا الحديث، قالوا: «أن يحول الله رأسه رأس حمار، أو يجعل صورته صورة حمار»، قالوا: أي من حيث البلادة؛ قالوا: فإن الحمار معروف أنه من أبلد الحيوانات وأجهلها، وبه يضرب المثل في الجهل؛ قالوا: فكذلك المتعبد بالجهل يشبه الحمار، فيحصل له من التبليد ما يحصل، فيكون الأمر معنويًا. ولا مانع من أن يكون هذا تارة، وهذا تارة، فيحمل الحديث عليها جميعًا: أن منهم من يتبلد، ومنهم من يتحول رأسه رأس حمار. ذكر الحافظ رحمه الله تعالى لطيفة عند هذا الحديث، فقال: لطيفة، قال صاحب القبس: «ليس للتقدم قبل الإمام سبب إلا طلب الاستعجال»، قال: «وداؤه، أو قال: ودواؤه، أن يستحضر أنه لا يسلم قبل الإمام، فلا يستعجل في هذه الأفعال». واضح هذا الأمر أم لا؟ لماذا إنسان يستعجل: يرفع قبل الإمام، ويسكت قبل الإمام، إيش المطلوب؟ يريد أن يخلص سريعًا، استعجل سريعًا، يتم الصلاة سريعًا. لكن هل سيسلم قبل الإمام؟ الجواب: ما هو. لا، إذا ما في فائدة من كونه يرفع قبل الإمام، ويخفض قبل الإمام. واضح؟ وهذا كما ذكر من ذكر من أهل العلم، يدل على بلادة عقل من فعل هذا، يدل على بلادة عقل من فعل هذا. قيل: ولهذا شبه «أن يحول رأسه رأس حمار»؛ لأن هذه من البلادة بمكان. كيف يستعجل في الركوع والقيام والخفض والرفع، وفي آخر الأمر لا ينفصل عن الإمام إلا بتسليمة الإمام؟ واضح هذا. جماعة الإمام، ما يكره. رواية الثلاثة: الرواية الأولى كقول الجمهور، الرواية الثانية: أنه يستحب أن يقارن الإمام، أي يكون تكبيره مع تكبير الإمام، وركوعه مع ركوعه، وسجوده مع سجوده، ورفعه مع رفعه، وهكذا، إلا في تكبيرة الإحرام، وفي التسليم؛ فإنه يكون بعد الإمام. قال رحمه الله تعالى: عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون». قوله: «إنما جعل الإمام ليؤتم به»، «إنما» صيغة من صيغ الحصر، فيدل على أن الإمام جعل إمامًا لأجل هذا المعنى؛ لأجل أن يأتم به من كان وراءه وخلفه. وحقيقة الإتمام: أن لا يسابق الإمام، أن لا يسابق الإمام في شيء من الصلاة، بل يكون تابعًا، بل يكون تابعًا. ومن المتابعة: أن لا يسبقه، ولا يقارنه، لا يسبقه ولا يقارنه، لا في تكبير، ولا في خفض، ولا في رفع. لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فلا تختلفوا عليه»، أي: فلا تختلفوا عليه، فلا تسابقوا عليه. أحدكم يكبر قبله، والآخر بعده، فلا تختلفوا عليه، بل ينبغي، بل يجب عليكم أن ماذا؟ أن تقتدوا به. فماذا قال؟ «فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا». وفاء تفيد التعقيب، وفاء تفيد التعقيب، والتعقيب يفيد ماذا؟ يفيد أن المأموم تكون هذه الأشياء -الأقوال والأفعال- منه صادرة بعد أن تصدر من الإمام من الأقوال والأفعال. وأيضًا يستفاد منها أنها تكون مباشرة بعد فعل الإمام، ولا يتأخر، بمعنى: لا أنه يسرع قبل الإمام، ولا أنه يعاجل الإمام؛ لأنه يقول الله مع الإمام، ولا أنه يكبر قبل الإمام، ولا أنه يركع قبل الإمام، ولا أنه كذلك يبطئ، بمعنى أن الإمام مثلًا يقول: الله أكبر، تكبيرة الإحرام، وخلف الإمام يبقى مثلًا: أنه يستاك، يستعجل حتى يرى نفسه أنه ماذا؟ تجهز، كبر إذا قال إمام: الله أكبر، ركع، يبقى ماذا؟ مستمر في القراءة أو ما شابه ذلك. ثم يكبر إذا قال إمام: سمع الله لمن حمده، يبقى ماذا؟ راكعًا ما شاء الله، ثم يرفع رأسه. لا ينبغي أن يكون ماذا؟ أن يكون بعد الإمام إذا رفع فارفعوا. والفاء كما سمعنا تفيد ماذا؟ التعقيب، والتعقيب تفيد ماذا؟ تفيد أنه يفعل ذلك بعد الإمام مباشرة، دون إبطاء. واضح هذا الأمر أم لا؟ فلا إفراط ولا تفريط. فقوله: «وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمد، فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون». طيب. قال: وعن عائشة رضي الله عنها، قال: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته وهو شاكٍ -أي مريض- فصلَّ جالسًا، وصلَّ وراءه قوم قيامًا، فأشار إليهم أن يجلسوا، فلما انصرف قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمد، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون». طيب. في هذه الأحاديث جملة من المسائل في الإمامة، نذكر في هذا الدرس ما يتيسر، ونؤجل بعضها إلى الدروس القادمة بإذن الله عز وجل. طيب. أولى هذه المسائل: أن الأفضل للمأموم أن يتابع الإمام، فيركع ويرفع ويسجد بعد الإمام في ذلك. وهذا قول أكثر أهل العلم. وذهب مالك إلى أنه يستحب له أن يكون عمله بعد عمل الإمام، ركوعه وسجوده ورفعه، ما خلا الإحرام والتسليم؛ فإنه لا يأتي بهما إلا بعد تكبيرة الإمام وسلامه. وهذه رواية عن الإمام مالك. وله روايتان غيرها. الثانية من الرواية: أنه يستحب أن يكون عمله بعد عمل الإمام معاقبًا له، كقول الشافعي وأحمد، أي كقول الجمهور. والثالثة: كالقول الأول، وزيادة أنه أن يقارن الإمام إلا في ثلاثة أشياء: في تكبيرة الإحرام، والتسليم، والقيام من الثنتين؛ فإنه يكون بعده. واضح؟ جماعة الإمام، ما يكره. والصحيح الأول، لعموم الأدلة الماضية، أو لمذكورة الآن في الباب. طيب. مسألة أخرى: قلنا الأول هو الأفضل، والصحيح أنه الواجب، والصحيح أنه ماذا؟ أنه الواجب؛ أن الواجب أن لا يسابق الإمام في شيء من ذلك. ومن المسابقة: إما أن يفعل أو يقول، إما أن يكبر قبله، وإما أن يرفع أو يخفض قبله، وإما أن يكبر معه أو يخفض أو يرفع معه. هذا كله من المسابقة. وينبغي، لا بل يجب عليه أن ماذا؟ أن يكون كل ذلك عقب الإمام، يكون بعد الإمام، ولا يكون معه ولا قبله. واضح هذا الأمر يا جماعة؟ هذا والصحيح لدواهر الأدلة الذي مضت: «فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا». وأيضًا الحديث الآخر: «أما يخشى أحدكم -أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام- أن يحول الله رأسه رأس حمار». وهذا كما سمعتم: كبير من الكبائر، وهذه كبيرة من الكبائر. طيب. مسألة أخرى: من سبق الإمام في الركوع أو السجود أو في الرفع من الركوع أو السجود، عامدًا عالما، هل تفسد صلاته؟ في خلاف. ذهب الجمهور: أن صلاته صحيحة مع الإثم، أن صلاته صحيحة مع الإثم. طيب. قبل أن نذكر قول الثاني: إذا قال قائل: كيف ذكرتم قبل قليل في المسألة الأولى أن أكثر أهل العلم -ويشمل قول الجمهور- أنهم يقولون: أن الأفضل، فكيف الآن تقول: أن قولهم هو الواجب؟ أن من ترك ذلك كان آثمًا. واضح السؤال يا جماعة؟ فما الجواب؟ لا يعني: نقلنا أن الجمهور يقول: الأفضل أن يتابع الإمام، فلا يسبقه بتكبير ولا برفع ولا بخفض. صح؟ والآن يقول: من ترك الرفع أو الخفض أو كذا، آثمًا، فدل على أنهم يقولون بوجوب ذلك، أي بوجوب متابعة الإمام، وعدم المسابقة. هكذا. فكيف قلنا: سلف؟ ننقل عنه أنه الأفضل، والأفضل يعني معناه ماذا؟ أنه مستحب. والآن ننقل عنه أنه ماذا؟ بأنه واجب. واضح المسألة؟ فما الجواب؟ ومرة معنا قريبة: أحسن أن نقل الاستحباب في مسألة ما عن قوم، أو إجماع في مسألة، إذا نقل فيها الاستحباب، ورأينا قولًا آخر يقوم بالوجوب، الوجوب لا ينافي ماذا؟ لا ينافي الاستحباب، بل يدل على أنهم -على أنهم اتفقوا على مشروعية ذلك العمل، أو على استحبابه- وأن منهم من زاد على ذلك، بل قال: فقال بماذا؟ فقال بوجوبه. واضح هذا الأمر أم لا؟ وهذا من هذا الباب. طيب. قلنا: قول أول، قول جمهور: أن صلاته صحيحة، صحيحة مع الإثم. القول الثاني: قول ابن عمر رضي الله عنهما، ورواية عن أحمد، وهو قول أهل الظاهر: أنها تفسد، أنها تفسد؛ بناء على أن النهي يقتضي فساد. قال العلامة العثيمين رحمه الله تعالى: إنه إذا ركع أو سجد قبل إمامه عامدًا، فصلاته باطلة، سواء رجع فأتى به بعد الإمام أم لا؛ لأنه فعل محظورًا في الصلاة، والقاعدة: أن فعل المحظور عمدًا في العبادة يوجب بطلانها. وهذا هو القول الصحيح. طيب. مسألة أخرى: من سبق الإمام في تكبيرة الإحرام، الصورة الأولى في الرفع وماذا؟ في الركوع والسجود، في الرفع منهما. هذه المسألة فيمن سبق الإمام في تكبيرة الإحرام، فيه خلاف أيضًا. القول الأول: أن صلاته لم تنعقد مع الإمام، أن صلاته لم تنعقد مع الإمام أصلا. وهذا قول ابن المبارك، والشافعي، وأحمد، ومالك، وأبي حنيفة. ومن الحنفية من جعلها شرطًا للصلاة كالطهارة والسترة. ولم يجعلها منها. وقال أبو حنيفة، والثوري، والعنبر، ومحمد بن الحسن، وزفر: تنعقد صلاته بذلك، تنعقد صلاته بذلك. والأول هو الصحيح، الصحيح: أن من كبر مع إمامه أو قبل إمامه، فلا تنعقد صلاته، فيلزمه أن يكبر بعد تكبيره، بعد تكبيرة إمامه، فيلزمه أن يكبر بعد تكبيرة إمامه، فإن لم يفعل، فعليه إعادة الصلاة. قاله العلامة العثيمين. مسألة أخرى أيضًا: من سلم قبل الإمام عالما عامدًا، الصحيح كذلك: أن صلاته غير صحيحة، عامدًا عالما، إن سلم قبل الإمام عامدًا عالما. طيب. قلنا: صحيح أن صلاته غير صحيحة، أن صلاته كذلك غير صحيحة. طيب. فإن فعل شيئًا مما تقدم ناسيًا أو جاه، رجع فتابع الإمام، فإن فاته، فإن فاتته، فإن فاتته المتابعة، بطلت عليه تلك الركعة بعينها، فعليه أن يأتي بغيرها، وبقية صلاته صحيحة، إلا تكبيرة الإحرام؛ فقد تقدم أنه لا بد أن يكبر بعد الإمام. طيب. هذه المسائل اليوم نذكرها، وغدًا إن شاء الله نذكر أيضًا بعض المسائل المتعلقة في هذا الباب. والله أعلى وأعلم. وبه هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.