الدرس في كتاب الصلاة 67، ألقاها
يشرح المقطع حديث أنس بن مالك وأبي هريرة حول الصلاة في الثوب الواحد، مع التركيز على شروط وأحكام الصلاة في شدة الحر وستر العاتق. يُفصّل الشرح معاني الحديثين وأحكام الصلاة ذات الصلة.
يناقش آراء أهل العلم في حكم صلاة الرجل في الثوب الواحد بدون ستر العاتق، حيث اختلفوا بين القول بصحة الصلاة والقول بوجوب ستر العاتق. الراجح هو القول بالوجوب.
يتناول حكم كشف المنكبين في الصلاة واستدلال العلماء بحديث جابر على وجوب سترهما، مع مناقشة آراء الجمهور والشوكاني حول هذا الموضوع.
يعبر عن خاتمة للكلام السابق مع التأكيد على أن الله أعلى وأعلم، ويتضمن تسبيحاً لله وطلباً للمغفرة والتوبة، مؤكداً على أهمية أحكام الصلاة المذكورة.
بسم الله قال الإمام أبو محمد عبدالغَير المقدسي رحمه الله تعالى: قال أنس بن مالك رضي الله عنه: كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه. المعنى الإجمالي من هذا الحديث أن أنسًا رضي الله عنه وأرضاه يحكي حال الصحابة رضي الله عنهم في صلاتهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شدة الحر، وأن الرجل ربما لم يستطع أن يضع جبهته على الأرض من شدة الحر، فيضع ثوبه على الأرض ليسجد عليه. وفي الحديث -كما هو ظاهر- جواز الصلاة بحائل، وإن كان بين موضع السجود وبين الأرض حائل، سواء كان هذا الحائل متصلًا أو كان منفصلًا على الصحيح. وقد تقدم الكلام على هذه المسألة في أبواب صفة صلاة النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عند حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم». تقدم الكلام على هذه المسألة وذكر الخلاف مع ما تعلق به من أدلة، والقول الراجح. والقول الراجح هو ما جاء به هنا في حديث أنس من جواز الصلاة في ذلك، سواء كان بحائل أو لم يكن بحائل، سواء كان السجود للجبهة أو كانت اليدين أو كان السجود لليدين أو كان للرقبتين أو كان لأطراف القدمين. فإذا فصل فاصل متصل أو منفصل بين موضع السجود وبين الأرض فإن الصلاة صحيحة؛ لأن المطلوب هو السجود. قال رحمه الله تعالى: نأخذ الحديث الذي يليه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء». هذا الحديث أولًا نتكلم على الغريب، فقوله: «على عاتقه» العاتق هو ما بين المنكب والعنق، والجمع العواتق. ويقال العاتق يذكر ويؤنث، فهو ما بين المنكب والعنق. والمعنى الإجمالي من الحديث هو أو فيه أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لبيان الصلاة في الثوب الواحد، فيه بيان النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لجواز الصلاة بثوب واحد، وأن من صلى بثوب واحد فعليه أن يغطي عاتقه منه بشيء. قال النووي رحمه الله تعالى في الشرح -أي في شرح صحيح مسلم- قال: قال العلماء حكمته أنه إذا اتزر به ولم يكن على عاتقه منه شيء لم يؤمن أن تنكشف عورته، بخلاف ما إذا جعل بعضه على عاتقه. ولأنه قد يحتاج إلى إمساكه بيده أو يديه فيشغل بذلك، وتفوته سنة وضع اليد اليمنى على اليسرى تحت صدره، وغير ذلك؛ لأن فيه ترك ستر أعلى البدن، وموضع الزينة. وقد قال الله تعالى: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾. وحديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه تحته مسائل، نأخذ من هذه المسائل مسألة، وهي في صلاة الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء. أي ما حكم صلاة الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء؟ ومسألة وضع شيء على العاتق مجمع عليه، مجمع على استحبابه. قد قال جماعة من أهل العلم أو نقل جماعة من أهل العلم الإجماع على استحباب ذلك، على أن من صلى في ثوب واحد أن يخالف بين طرفيه ويضعهما على عاتقه. بقي من صلى في ثوب ليس على عاتقه منه شيء، فما حكم صلاته؟ في خلاف بين أهل العلم، فذهب أكثر العلماء إلى صحة صلاته وأنه لا شيء عليه. ومعنى لا شيء عليه أي لا إثم عليه في ذلك الترك. وهذا قول جمهور أهل العلم، وهو رواية عن أحمد. والقول الثاني في المسألة: أن من ترك ستر العاتق ولو بشيء فإنه مرتكب للنهي، فهو آثم وعليه الإعادة، أي تبطل صلاته بذلك. وهذا مذهب أحمد رحمه الله، ثم عن أحمد روايتان في التفريق بين الفرض والنفل، بمعنى أنه توسع في النفل ما لم يتوسع في الفرض. وهذا قول كذلك أبي حنيفة، وهذا قول ابن حزم من الظاهرية. وذهب إليه جماعة من أهل العلم الآخرين من أهل التحقيق. وقول ثالث في المسألة: أنه واجب، ومن تركه كان آثمًا وصلاته صحيحة. وهذا كذلك حكي رواية عن أحمد، وقيل إن الشافعي قد نص على وجوبه كذلك. والراجح في هذا والله أعلم: أن القول بالوجوب أظهر وأحوط كذلك؛ لأن القائلين بأنه ليس بواجب استدلوا كذلك على قولهم بأدلة. فمن تلكم الأدلة ما جاء في صحيح مسلم، وأصله في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه وأرضاهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الإزار فيمن صلى في إزار واحد قال: «إن كان ضيقًا فاتزر به، وإن كان واسعًا فالتحف به». فاستدل الجمهور بهذه الرواية أو بهذا الحديث على أن ستر العاتق ليس بواجب؛ إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا كان ضيقًا فاتزر به، وإذا كان واسعًا فالتحف به. واستدل الموجبون بحديث الباب، واستدل القائلون بالإيجاب وكذلك القائلون بأنه شرط لصحة الصلاة بحديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: «لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء». وهو ظاهر في النهي عن ذلك، والأصل في النهي يقتضي التحريم. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وما يستر المنكبين داخل في مسمى الزينة شرعًا وعرفًا، أي في قول الله عز وجل: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾. وهنا لفظ الأمر، قال: فإنه يفهم من ذلك ألا يكون عريانًا، وإنما يزول التعري بستر المنكبين. لما روى أبو هريرة رضي الله عنه كما في الحديث -حديث الباب- وكذلك قال: وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي في لحاف لا يتوشح به». رواه أبو داود. قال: وهذا يدل على تحريم تجريد المنكبين في الصلاة وفساد الصلاة معه. وعن سهل بن سعد قال: «كان رجال يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم عاقدي أزرهم على أكتافهم كهيئة الصبيان». متفق عليه. وعن جابر، أبي سعيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا معشر النساء، إذا سجد الرجال فاغضضن أبصاركن، لا ترين عورات الرجال من ضيق الأزر». رواه أحمد. قال: ولولا أن ستر المنكب واجب لم يكونوا يحافظون عليه مع ضيق الأزر وخوف بروز العورة، ولا وجب تكميل ستر العورة حتى يؤمن النظر إليها؛ ولأن المقصود من الاستتار في الصلاة التزين لله. وقال الشوكاني رحمه الله: إذا تقرر لك عدم صحة الإجماع الذي جعله الكرماني صرفًا للنهي، فالواجب الجزم بمعنى الحقيقي: ما هو المعنى الحقيقي في النهي؟ يقتضي التحريم. قال: وهو تحريم ترك جعل طرف الثوب الواحد حال الصلاة على العاتق، والجزم بوجوبه مع المخالفة بين طرفيه، بالحديث الآتي حتى ينتهض دليل يصلح للصرف. ولكن هذا في الثوب إذا كان واسعًا، جمعًا بين الأحاديث كما سيأتي التصريح في حديث جابر أي المشار إليه. وفي كلام الشوكاني رحمه الله تعالى المذكور جواب عن الجمهور؛ إذ أن الجمهور يستدل على الوجوب بماذا؟ بحديث جابر. وحديث جابر فيه ماذا؟ «إذا كان ضيقًا فاتزر به، وإذا كان واسعًا فالتحف به». فيه أمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالالتحاف بالثوب إذا كان واسعًا. أما إذا كان الثوب ضيقًا وكان المعروف من حال الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم أنهم كانوا في فاقة شديدة، ولم يكن للرجل منهم إلا الثوب الواحد، كما جاء في حديث جابر، وكذلك جاء في أحاديث أخرى: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: «أيصلي أحدنا في الثوب الواحد؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو ليس كلّكم ثوبان؟» وهذا يدل على أنهم لا يجدون إلا الثوب الواحد، فإذا لم يجد أحدهم إلا الثوب الواحد، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد دله -كما في حديث جابر- أنه إذا كان ضيقًا فماذا يصنع به؟ يأتزر به؛ لماذا؟ لأنه إذا لم يأتزر به ربما بدت عورته. والمقصود في الصلاة تغطية العورة. وإذا كان واسعًا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ماذا؟ «فالتحف به». فهذا هو الجواب عن حديث جابر المذكور. والله أعلى وأعلم. إلهنا سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.