كتاب الصلاة 82

الدرس في كتاب الصلاة 82، ألقاها

حكم الأذكار والدعاء بعد الصلاة

اختلف العلماء في حكم قول الأذكار والدعاء بعد الصلاة، والأمر واسع ولا مانع من الدعاء قبل التسليم أو بعده. يبين المقطع آراء العلماء المختلفة حول هذا الموضوع.

فضل التسبيح والتكبير والتحميد بعد الصلاة

يشرح حديث أبي هريرة الذي يبين فضل التسبيح والتكبير والتحميد بعد كل صلاة، واستجابة النبي صلى الله عليه وسلم لفقراء المهاجرين بتعليمهم هذه الأذكار. يبين أهمية هذا الحديث في التنافس في الخيرات.

الصلاة في ثوب يحتوي على أعلام ودلالاته

يشرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول الصلاة في ثوب به أعلام، ويستدل به على جواز الكلام بعد الصلاة وعدم وجوب الأذكار بعدها. يبين المقطع دلالة هذا الحديث على بعض الأحكام الفقهية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فقد تقدّم معنا بعض المسائل المتعلقة بباب الذكر عقب الصلاة. ومن المسائل التي تُذكر في هذا الباب: هل الأدعية والأذكار تقال قبل التسليم أم بعد التسليم؟ الجواب: أن أكثر أهل العلم ذهبوا إلى أنها تقال عقب الصلاة وبعد التسليم، استدلالًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من قال دبر كل صلاة...» وفي الأدعية قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: «يا معاذ، لا تدعن أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». وما جاء في معناها من الأدعية والأذكار. وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، والعثيمين -رحمهم الله- إلى التفريق بين الأدعية والأذكار. فقالوا: إن الأدعية تقال قبل التسليم، وأما الأذكار من التكبير والتسبيح والاستغفار ونحوه، فإنها تقال بعد الصلاة. وعللوا ذلك بأن موطن الدعاء يكون في الصلاة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ثم ليتخير من الدعاء ما شاء»، أي بعد التشهد. وأما الأذكار من تكبير ونحوه، فإنها تكون بعد ذلك، كما جاءت به الأدلة الدالة على أن النبي صلى الله عليه، إذا انصرف من صلاته، كبر واستغفر وذكر الأذكار من تسبيح ونحوه بعد أن يسلم. وقالوا: إن الصلاة من المواطن التي يرجى فيها استجابة الدعاء، لأن العبد أقرب ما يكون إلى ربه وهو في صلاته، متلبسًا بهذه العبادة العظيمة. فإذا دعا الله عز وجل كان أرجى له في الإجابة. والأمر في ذلك على الاحتمال، فلا مانع من أن يقول الإنسان هذه الأدعية قبل التسليم أو بعد التسليم. وأما مطلق الأدعية، فإنها تكون في الصلاة، لأن الصلاة هي موطن الدعاء. قال رحمه الله تعالى: عن سمين مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وهو من ثقات أتباع التابعين -رحمه الله تعالى- قال: عن أبي صالح السمان، وأبو صالح السمان إمام حافظ مشهور -رحمه الله تعالى- يقال له السمان، ويقال له الزيات، واسمه عبد الله بن ذكوان، وهو من أصحاب أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالدرجات العلا والنعيم المقيم. قال: «وماذاك؟» قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفلا أعلمكم شيئًا تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين مرة». قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء». قال سمين: فحدثت بعض أهلي بهذا الحديث، فقالوا: وهمت، إنما قال: «تسبح الله ثلاثًا وثلاثين، وتحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وتكبر الله ثلاثًا وثلاثين». قال: فرجعت إلى أبي صالح، فذكرت له ذلك، فأخذ بيدي، فقال: «قل: الله أكبر، سبحان الله، والحمد لله، الله أكبر، سبحان الله، والحمد لله... حتى تبلغ من جميعهن ثلاثًا وثلاثين». حديث أبي هريرة هذا فيه فوائد ومسائل جليلة وعظيمة. منها: أن أبا هريرة -رضي الله عنه- أخبر عن حال فقراء المهاجرين. وجاء في بعض رواية: أنه قال: «فقراء المسلمين»، وتقيدوا بالمهاجرين؛ لأن المهاجرين كانوا أكثر فاقة وحاجة؛ لأنهم هاجروا إلى الله ورسوله، وتركوا ما يملكون. وقوله: أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور -أي أهل الأموال وأهل الغنى- بالدرجات العلا والنعيم المقيم. وفي هذا إشارة إلى ما كان عليه الصحابة -رضي الله عنهم- من التنافس في الدرجات العلا. قال رحمه الله: فقال: «وماذاك؟» وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وماذاك؟» إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم ما في الضمائر، لا كما يدعيه أهل التصوف ونحوهم من أن أشياخهم يعلمون ما في الضمائر. قالوا: «يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق». وفي هذا إشارة إلى منافسة هؤلاء الفقراء لغيرهم أو لإخوانهم من الأغنياء. وفيه إشارة إلى ما كان عليه أغنياء الصحابة من الخير والمسارعة في أبواب الخيرات. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفلا أعلمكم شيئًا تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟» وفي هذه الكلمات من رسول الله صلى الله عليه وسلم تشويق وترغيب في الأمر الذي سيذكره. قال: «تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين مرة». هل المراد بقوله: «تسبحون وتكبرون وتحمدون» الترتيب أم لا؟ الأمر في ذلك على التخيير؛ لأن الأصل في العطف أنه يقتضي العطف ولا يقتضي الترتيب. والأولى والأفضل في ذلك: أن يبدأ بالتسبيح؛ لأن فيه معنى تنزيه الله جل وعلا عن كل نقص وعيب. ثم يكون بعد ذلك التحميد؛ لأنه المستحق للحمد المطلق. ثم يكون بعد ذلك التكبير؛ لأنه فيه معنى التنزيه والثناء على الله عز وجل. قال سمين: فحدثت بعض أهلي بهذا الحديث، فقالوا: وهمت... قال: فرجعت إلى أبي صالح، فذكرت له ذلك، فأخذ بيدي، فقال: «قل: الله أكبر، سبحان الله، والحمد لله... حتى تبلغ من جميعهن ثلاثًا وثلاثين». وهذه هيئة من الهيئات في التسبيح. قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: وهذا لعله أفضل؛ لأنه يكرر التسبيح في الأعضاء على هذا النسق ثلاثًا وثلاثين في التسبيح، وثلاثًا وثلاثين في التحميد، وثلاثًا وثلاثين في التكبير. وقد جاءت صفات وهيئات أخرى في التسبيح، منها: أنه يسبح خمسًا وعشرين، ويكبر خمسًا وعشرين، ويحمد خمسًا وعشرين، ويهلل خمسًا وعشرين. وهذا التسبيح من الأدعية التي تقال سرًا دبر كل صلاة، ولا تقال جهرًا. قال رحمه الله تعالى: عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة. فلما انصرف، قال: «اذهبوا بخميصة هذه إلى أبي جهم، وأتوني بإنبجانية أبي جهم؛ فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي». قوله صلى الله عليه وسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في خميصة لها أعلام، والخميصة نوع من الثياب، صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد ذكرت عائشة أن فيها أعلامًا، أي فيها نوع من التصاوير، سواء كانت من أشجار أو نحوها، مما لا يكون من ذوات الأرواح. وقوله: فنظر إلى أعلامها نظرة، وفيه إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدم النظر عليها، بل نظر إليها هكذا نظرة سرعان ما وقع له من الشغل ما وقع بذلك. وفيه إشارة إلى ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإقبال على ربه عز وجل في صلاته. فقال: «اذهبوا بخميصة هذه إلى أبي جهم، وأتوني بإنبجانية أبي جهم؛ فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي». قوله: «ألهتني آنفًا عن صلاتي»، تعليل لقوله: «اذهبوا بخميصة هذه»، أي التي فيها أعلام، وأتوني بإنبجانية أبي جهم؛ لأنها ليست فيها أعلام. وسبب إيراد الإمام عبد الغني -رحمه الله تعالى- لهذا الحديث في هذا الباب، إشارة إلى أن المصل إذا تكلم بعض الصلاة بكلام من غير الذكر، فإن ذلك لا شيء عليه. وفيه إشارة إلى أن الأذكار عقب الصلاة ليست بواجبة. وفيه إشارة إلى أنه لو قطعها المصل بكلام بين الصلاة وبين الأذكار، كذلك لا شيء عليه، ولا بأس أن يأتي بها بعد ذلك. فالنبي صلى الله عليه وسلم لما انصرف من صلاته، قال: «اذهبوا بخميصة هذه إلى أبي جهم، وأتوني بإنبجانية أبي جهم؛ فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي». وفي الحديث أيضًا من المسائل والفوائد: جواز لبس الخميصة التي فيها أعلام إذا لم يكن الإنسان في صلاة. أما إذا كان في صلاة، فلا ينبغي له أن يلبسها؛ لأن فيها مشغلة له أو لغيره من المصلين. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن في الصلاة لشغلًا»، فيه تعليل للأحكام الشرعية. فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي»، فيه تعليل لهذا الحكم. وأن كل شيء يلهي عن الصلاة، فإنه داخل في هذا المعنى. قال رحمه الله تعالى: ها هنا الخميصة كساء مربع له أعلام، والإنبجانية كساء غليظ.

شاركنا على