كتاب الصلاة 66

الدرس في كتاب الصلاة 66، ألقاها

حكم صلاة المفترض خلف المتنفل والعكس وآراء أهل العلم

يناقش جواز صلاة المفترض خلف المتنفل والعكس مع عرض آراء الفقهاء واستدلالاتهم من الأحاديث النبوية. يُظهر اختلاف العلماء في هذه المسألة.

الاستدلال وردود الفعل حول عدم جواز صلاة المتنفل خلف المفترض

يستعرض الاستدلالات حول عدم جواز صلاة المتنفل خلف المفترض والردود عليها، مع التركيز على الأحاديث النبوية وآراء الفقهاء.

توجيهات حول اختلاف النية في الصلاة بين الإمام والمأموم

يناقش توجيهات حول صحة صلاة معاذ خلف النبي صلى الله عليه وسلم بنية مختلفة، مع استعراض آراء الفقهاء في هذه المسألة.

ختام الكلام حول جواز الصلاة خلف الإمام ذي النية المختلفة

يختتم الكلام ببيان جواز صلاة المفترض خلف المتنفل والعكس، مع التذكير بالأذكار الشرعية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام عبدالغاني المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه عمدة الأحكام في باب الجامع، قال: عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه: «ما أن معاذ بن جبل رضي الله عنه كان يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة». المعنى الإجمالي لهذا الحديث فيه أن معاذًا رضي الله عنه وأرضاه كان عليه من الخير والعلم، فإنه كان حريصًا على الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في المسجد النبوي مع الصحابة، مع كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار، وتعلم الصلاة والقرآن من صلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك تعلم القرآن من سماع تلاوة القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم ذهابه إلى قومه للصلاة بهم وإمامته لقومه وهو شاب، دال على مكانته العلمية عند قومه، ومنزلة العالم عند قومه، ورفعة الله لأهل العلم وإن صغر سنهم، ﴿إن الله ليرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين﴾. قال رحمه الله: في هذا الحديث مسألة من مسائل العلم المشهورة في هذا الباب، وهي مسألة: هل يجوز صلاة المفترض خلف المتنفل والعكس، واختلاف نية الإمام والمأموم؟ فيه خلاف بين أهل العلم. فذهب إلى جواز ذلك طاووس وعطاء، وقال: «لم نزل نسمع بذلك». عطاء رحمه الله تعالى يقول بالجواز، أي بجواز صلاة المفترض خلف المتنفل، وكذلك العكس، وأن النية لا تؤثر، وأن اختلاف النية لا تؤثر. بل قال: «لم نزل نسمع بذلك» أي نسمع بذلك من الصحابة، ونسمع بذلك ممن أدركنا من كبار التابعين، فهذا يدل على أنه كان أمرًا معلومًا في مكة. وعطاء بن أبي رباح كما هو معلوم كان من أئمة الحجاز، بل انتهى إليه إمامة الحجاز في زمنه رحمه الله تعالى. قال رحمه الله: وهذا القول هو قول الأوزاعي والشافعي وأحمد في رواية، وإسحاق وأبي خيثمة وأبي بكر بن أبي شيبة وأبي ثور وابن المنذر، في آخرين. وروي هذا القول أيضًا عن أبي الدرجاء والحكم بن عمر الغفاري وغيرهما من الصحابة. ما يشهد له. واستدل هؤلاء بحديث الباب على جواز ذلك، وهو ظاهر الدلالة في المسألة. فإن فيه أن معاذًا رضي الله عنه وأرضاه كان يصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الفريضة، ثم يذهب إلى قومه فيصلي بهم وهو متنفل، وقومه يصلون وراءه وهم أصحاب فريضة. وذهب آخرون إلى المنع، وأن المفترض إذا اقتدى بمتنفل لم تصح صلاته. حكاهم ابن المنذر عن الزهري وربيعة ويحيى الأنصاري ومالك وأبي حنيفة. هكذا حكاهم ابن المنذر، وذكر غيره أنه رواية عن الحسن وأبي قلابة وابن المسيب ووهب بن المنبه وابن سيرين والنخعي، وهو قول الثوري والحسن بن حي والليث بن سعد، وهو المشهور عن أحمد. ونقل عنه أنه رجع عن القول بخلافه. ومعنى هذا أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى كان يقول بالقول الأول، ثم رجع عن القول الأول إلى القول الثاني، إلى القول بالمنع. استدل هؤلاء أي المانعون بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلف عليه». قالوا: مخالفته في النية اختلاف عليه. واضح. وجه الاستدلال: قالوا مخالفته في النية اختلاف عليه، فإذا كان اختلافًا عليه إذن لا تصح الصلاة، لا تصح الصلاة لاختلاف النية بين الإمام وبين المأموم. وأجابوا عن حديث معاذ رضي الله عنه وأرضاه بأن قالوا: أن حديث جابر في قصة صلاة معاذ مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم صلاته بقومه، أنه لا يصح. أن الحديث لا يصح، بل هو وهم من ابن عيينة. بل هو وهم من سفيان بن عيينة راوي الحديث عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما. قالوا: هذا تفرد به سفيان بن عيينة، وقد خالف غيره، فلم يذكروا أن معاذًا كان يصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم. ورد هذا بأن ابن عيينة لم ينفرد به، بل قد تابعه ابن عجلان، محمد بن عجلان عن عبيد الله بن مقسم عن جابر به. والحديث كما تعلمون متفق عليه، وكفى به رفعًا في الصحة. الثاني: أنهم قالوا: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم بهذا الفعل من معاذ. قالوا: الحديث صحيح، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم بهذا الفعل من معاذ رضي الله عنه وأرضاه، فكان فعلًا من معاذ مخالفًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلف عليه». وهذا الجواب كما هو ظاهر فيه نظر، لا يخفى. إذ أن هذا الفعل وشيوع هذا الفعل يدل على أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قد علمه، وقد أقره. ويدل كذلك على أن هذا الأمر كان معلومًا مشروعًا. وأيضًا كيف يقال في حق معاذ رضي الله عنه وأرضاه، وهو معاذ من أكابر علماء الصحابة، أن هذه المسألة تخفى عليه، وهو عدم جواز صلاة المفترض خلف المتنفل، وأن هذا يؤدي إلى بطلان صلاة المتنفلين أو إلى صلاة المفترضين خلافه. ويستمر على هذا الفعل معاذ رضي الله عنه وأرضاه وأصحابه، وهم في المدينة، في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنده أصحابه، وعنده من علماء الصحابة، ثم لا ينكر عليه منكر. وأيضًا لا يعلمه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وهذا كما هو ظاهر بعيد كل البعد. فإن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم كانوا في الأمور التي هي أمور خفية كانوا يستدلون بجوازها على عدم نزول الوحي على منعها، كما قال أبو سعيد، وكذلك جابر في أمر العزل. كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان مما ينهى عنه لنزل الوحي بذلك. وهذا مما يخفى، العزل مما يخفى، فكيف بهذا الأمر الذي هو ظاهر جلي، وهو إمامة معاذ رضي الله عنه وأرضاه بقومه أجمع؟ فهل مثل هذا يخفى؟ الجواب: أنه لا يخفى. وكذلك مكانة الصحابة وعلم الصحابة وعلم معاذ يبعد هذا تمامًا عن أن يكون مما فعله معاذ مخالفًا. الأمر الثالث أو التوجيه الثالث: قالوا: أن حديث معاذ كان على جهة التعليم لقومه. كان على جهة التعليم لقومه. وهذا القول: أنه إذا كان على سبيل التعليم، هذا حقيقة يصحح القول الأول، هذا حقيقة يصحح القول الأول من جواز اختلاف النية بين الإمام والمأموم، لكن بشرط التعليم. وإذا صح اختلاف نية الإمام عن المأموم بقي التعليم، صحة في غيره. صحة في غيره. فكان هذا التوجيه فيه تقوية القول الأول. الأمر الرابع: قالوا: أن هذا كان في أول أمر، وكان من يقرأ القرآن قليلًا، فكان يرخص لهم في ذلك توسعة عليهم، فلما كثر القرآن انتسخ ذلك. أي ذهب هؤلاء إلى النسخ. وهذا جواب كما هو ظاهر أيضًا فيه نظر. لماذا؟ فيه نظر، إذ أن النسخ لا يصار إليه إلا عند التعارض، وعند عدم إمكانية الجمع. وها هنا لا تعارض أصلا. فحديث معاذ حديث واضح بجملته محكم، وحديث «إنما جعل الإمام ليؤتم به» لا يعارضه. وعلى فرض أن فيه معارضة، أو أن ظاهره المعارضة لحديث معاذ، فالجمع ممكن. فالجمع هو أن يقال: إن هذه الصورة ليست داخلة في عموم ذلك الحديث، أو يقال: إنها داخلة ولكنها مستثنى. يقال: إنها مستثنى من ذلك الأمر، فيكون «فلا تختلف عليه» بماذا؟ بالتكبير أو بالركوع أو بالسجود، أما النية فلا. يدل عليه حديث معاذ رضي الله عنه وأرضاه. فيكون «فلا تختلف عليه» أي في الأفعال والأقوال، لا بالنيات، لا بالنيات. والله أعلم. وأيضًا مما يضعف هذا القول: أن جمهور المانعين يجيزون اقتداء المتنفل بالمفترض، ولم يجعلوا اختلافًا عليه. ذهب من المانعين إلى جواز أن يصلي المتنفل خلف المفترض، أما أن يصلي المفترض خلف المتنفل فلا. المفترض خلف مفترض آخر بنية أخرى أيضًا لا. المفترض وصل خلفه المتنفل، قالوا: يجوز. فجوز هؤلاء صلاة المتنفل خلف المفترض، وهذا اختلاف في النية. فإذا جاز هذا، جاز كذلك الثاني. وممن قال بهذا القول، أي ممن قال بجواز صلاة المتنفل خلف المفترض: الثوري وأبو حنيفة ومالك في رواية، وغيرهم. فالحاصل في هذه المسألة كما قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في الفتح: قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه علم به وأقره عليه. علم به أي علم بفعل معاذ، وأقره عليه. قال: ولم يظهر عنه جواب قوي. أي لم يظهر من القائلين بالمنع جواب يرد حديث معاذ، أي يوجه حديث معاذ بتوجيه قوي. قال: فالأقوى جوازه المفترض بالمتنفل. جوازه صلاة المفترض بالمتنفل. وقد رجح ذلك صاحب المغني وغيره من أصحابنا. والله أعلم. وهذا هو الصحيح، جوازه صلاة المفترض خلف المتنفل والعكس. والله أعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على