الدرس في كتاب الصلاة 84، ألقاها
تناول المقطع مسألة الجمع بين الصلاتين في الحضر لغير عذر واختلاف العلماء حول اشتراط العذر. استدل البعض بحديث ابن عباس على جواز الجمع أحيانًا لغير عذر.
ناقش المقطع حكم قصر الصلاة في السفر ودليل مشروعيته من الكتاب والسنة والإجماع، واختلاف العلماء في حكم القصر بين وجوب وجواز.
عرض المقطع دليل مشروعية قصر الصلاة من القرآن والسنة والإجماع، واختلاف الأفهام واجتهاد الصحابة والأئمة في ذلك.
المقطع يتضمن ذكرا لله تعالى وتسبيحا له مع طلب المغفرة والتوبة، ويعبر عن تواضع العبد واعترافه بذنوبه ورجوعه إلى الله.
بسم الله. من هذه المسائل المتعلقة كذلك بمسائل الجامع بين الصلاتين، هل يشترط العذر للجامع بين الصلاتين؟ اشترط هذا جماعة من أهل العلم، ثم اختلفوا في تعيين هذه الأعذار. فمن قائل: إنها تشرع لعذر المطر ولا تشرع لغيره، ومن قائل: تشرع لعذر الخوف، ومن قائل: تشرع لعذر المرض. وأما إذا انتفت الأعذار، فإنها لا تشرع؛ أي: لا يشرع الجامع. ها طبعًا في استثناء ماذا؟ في استثناء المسافر. المسافر قد تقدم الكلام عليه. الكلام ها هنا على ماذا؟ على غير المسافر. الكلام على غير المسافر: هل له أن يجمع بين الصلاتين أم لا؟ فمن أهل العلم من قال: إن له أن يجمع لعذر كما سمعتم؛ أما مطر، وأما خوف، وأما مرض شديد لا يستطيع معه أن يصلي كل صلاة في وقتها. فقالوا: فمثل هذا يعذر، فله أن يجمع بين الصلاتين. وكذلك القول في المطر، وكذلك القول في الخوف. ومن أهل العلم من ذهب إلى جواز ذلك أحيانًا، ولو لغير عذر. ومعنى أحيانًا: أنه لا يكون ديدنًا له؛ أي: لا يكون عادة له. بمعنى أنه إذا فعل هذا بعد زمن، جمع من غير عذر له ذلك. واستدل على ذلك بحديث ابن عباس في البخاري ومسلم قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ثمانيًا جميعًا، وسبعًا جميعًا. وفي رواية البخاري: صلى بالمدينة سبعًا وثمانيًا: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. وقوله: صلى بالمدينة؛ أي: إنه صلى في الحضر. وقوله: صلى ثمانيًا؛ أي: جمع بين الظهر والعصر أربع ركعات وأربع ركعات، وسبعًا؛ أي: بين المغرب والعشاء ثلاث ركعات وأربع ركعات. وفي رواية لمسلم: جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر. وفي غير خوف ولا مطر؛ هذا هو الشاهد من هذا الحديث. وفي رواية قيل لابن عباس: لم فعل هذا؟ قال: «كي لا يحرج أمته». وإلى هذا ذهب ابن عباس، وابن سيرين، وأشهب صاحب مالك، وشيخنا العلامة الوادعي رحمه الله تعالى. سئل عن هذه المسألة، قال: إن كان نادرًا فلا بأس، لكن لا يكن ديدنًا كما تفعله الشيعة. فإن جعله ديدنًا فهو ماذا؟ فهي بدعة ولا يقوز. واضح هذا. جماعة من أهل العلم إذا وجد العذر، الأمر فيه واضح. إذا وجد العذر، الأمر فيه ماذا؟ فيه أنه إذا كان هناك مطر، لا بأس أن يجمع بين الصلاة والصلاة الأخرى. أو كان هناك مثلًا خوف، إذا كان هناك خوف شديد كذلك. والمرض، والمريض الذي يخشى أن لا يصلي كل صلاة في وقتها؛ مثلًا يفيق ساعة ولا يفيق ساعة، فله أن يجمع بين الصلوات لهذا المعنى. وهذا مستفاد من قول ابن عباس رضي الله عنهما: في غير خوف ولا مطر. فاستدل العلماء على أنه إذا كان في خوف أو مطر، فالأمر فيه ماذا؟ ظاهر. وأنه من الأعذار المعروفة المعتادة. أما إذا كان لغير عذر، فإن كان نادرًا أحيانًا بعد فترات، فهذا لا بأس به لحديث ابن عباس رضي الله عنهما وأرضاهما المذكور. والله أعلى وأعلم. ننتقل إلى الباب الآخر، وهو باب القصر في السفر. قال رحمه الله تعالى: قال إمام أبو محمد عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: باب قصر الصلاة في السفر. وتقدم معنى مرارًا أن معنى الباب: المدخل، وهو يطلق على المدخل الحسي والمعنوي. وقوله: باب قصر الصلاة في السفر؛ أي: مدخل لأحكام ومسائل قصر الصلاة في السفر. ومعنى قصر الصلاة: أي أن الصلاة تصلى ركعتين ولا تتم أربعًا. قال رحمه الله تعالى: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: صحبته رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فكان لا يزيد في السفر على ركعتين. وأبو بكر وعمر وعثمان كذلك. وهذا الحديث كما ترون: ابن عمر رضي الله عنهما يحكي حال النبي صلى الله عليه وسلم في سفره، وأخبر أنه كان لا يزيد في السفر على ركعتين. وهذا الحديث وغيره من أحاديث تدل به من استدل على أن صلاة الركعتين في السفر واجبة. وسوف نتكلم على هذه المسألة بإذن الله عز وجل. وقوله: وأبو بكر وعمر؛ يدل كذلك على أن هذا استدل به بعض أهل العلم أيضًا على أن هذا كان إجماعًا بين الصحابة. قال: فكان النبي صلى الله عليه وسلم وبعده كان كذلك على هذا الحال: كان أبو بكر وعمر وعثمان. وهذا كما سمعتم يستدل به بعض أهل العلم على أن هذا كان إجماعًا بين الصحابة: أنهم كانوا إذا سافروا صلوا ركعتين ركعتين. وقوله: وعثمان؛ وقع إشكال في ذكر عثمان رضي الله عنه وأرضاه: في أنهم كذلك كان؛ أي: كان يقصر الصلاة ركعتين ركعتين. لأنه قد جاء في بعض روايات أنه قال: حتى ماذا؟ حتى ماتوا. أو كما قال. أنه صاحب هذا وصحب هذا وصحب هذا حتى ماذا؟ حتى قضوا. حتى ماتوا مع القصر. فاستشكل هذا مع كون عثمان رضي الله عنه وأرضاه كان قد أتم الصلاة في ميناء. قد أتم الصلاة في ميناء. لذا قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: وفي ذكر عثمان إشكال. قال: لأنه كان في آخر أمره يتم الصلاة. فيحمل على الغالب، أو المراد به أنه كان لا يفعل ذلك في أول أمره. أنه كان لا يفعل ذلك في أول أمره ولا في آخره. وأنه إنما كان يتم إذا كان نازلًا. وأنه إنما كان يتم إذا كان نازلًا. وأما إذا كان سائرًا فيقصر. فلذلك قيده في هذه الرواية بالسفر. وهذا أولى. وهذا أحسن ما قيل في الجواب عن إتمام عثمان رضي الله عنه وأرضاه. هذا الجواب أو هذا القول من الحافظ ابن حجر هو أحسن ما قيل في هذه المسألة. قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى في المغني: قال: الأصل في قصر الصلاة: الكتاب والسنة والإجماع. قال: أما الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. وجاء في صحيح مسلم: قال يعلى بن أمية: قلت لعمر بن الخطاب: ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا. قال عمر: أو قال يعلى بن أمية: قال: وقد أمن الناس. أي: أن هذه الآية كانت في حال الخوف من الكفار. فقال يعلى بن أمية: وقد أمن الناس الآن؛ أي: فما حكم القصر؟ قال عمر: فعجبت مما عجبت منه؛ أي: قد حصل مني هذا التعجب كما حصل منك هذا التعجب. فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته». واضح هذا. يعني معنى هذا: أن هذا كان لأول الأمر من أجل ماذا؟ من أجل الخوف. رخص لهم من أجل الخوف. ثم بعد ذلك ماذا؟ ثم بعد ذلك أقرت الصلاة في السفر ركعتين ركعتين. قال: وأما السنة؛ فقد تواترت الأخبار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقصر في أسفاره حاجًا ومعتمرًا وغازيًا. قال: وأجمع أهل العلم على أن من سافر سفرًا تقنر في مثله الصلاة: في حج أو عمرة أو جهاد؛ أن له أن يقصر الرباعية فيصليها ركعتين. بقي أمر آخر ومسألة أخرى: وهي متى شرعت الركعتان في قصر السفر؟ متى شرعت؟ في حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها: أن النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: «فرضت الصلاة ركعتين، ثم زيدت في الحضر، وبقيت على ما هي عليه في السفر». أو كما قالت رضي الله عنها وأرضاها. أي: بقيت على ما هي عليه في السفر: ركعتين ركعتين. وهذا يفهم منه ماذا؟ أن الركعتين قد أول ما فرضت: ركعتين. السفر فرض ماذا؟ فرض في مكة أول الأمر. لأنها قد فرضت الصلاة ركعتين ركعتين. فأقرت في ماذا؟ في السفر. وزيدت في ماذا؟ في الحضر. فاستفيد من هذا أو استدل به على أن صلاة القصر قد شرعت قبل الهجرة: أن صلاة القصر ركعتين ركعتين شرعت قبل الهجرة. وبعض أهل العلم قالوا: بل الصواب أنها شرعت بعد الهجرة. شرعت بعد الهجرة. واستدل على ذلك بقول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. فقالوا: هذه الآية تدل على أنها كانت بعد ماذا؟ كانت بعد الهجرة. على أن قصر الصلاة كان بعد ماذا؟ بعد الهجرة. قالوا: أما حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وقولها: «فبقيت»؛ أي: بقيت بعد ما شرعها الله عز وجل. بقيت بعد ما شرعها الله بعد إنزال الآية. بقيت على ما هي عليه: ركعتين. وهذا الذي اختاره الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى. وجمع به بين الآية والحديث. وضح هذا. فالآية أو القصر شرع بهذه الآية. ثم بقي على ما هو عليه: ركعتين. فحكت عائشة الأمر على ما هو عليه: أنه ركعتين ركعتين. بقيت السفر على ما كانت: أصل الصلاة. وأما الحضر؛ فزيد فيها ماذا؟ أربعًا في الظهر والعصر والعشاء. وأما الفجر والمغرب؛ فإنها على ما هي عليه: ركعتين وثلاث ركعات. من المسائل أيضًا المتعلقة بهذا الباب: حكم القصر في السفر. حكم القصر في السفر: في خلاف بين العلماء. فذهب كثير، وقال بعضهم: الأكثر من أهل العلم إلى جواز القصر والاتمام. وممن ذهب إلى هذا القول: الأوزاعي، والشافعي، ومالك، وأحمد في المشهور عنهما. وكذلك رواية الاتمام في السفر عن عثمان. وقد ثبت عنه. وكذلك سعد بن أبي وقاص، وعائشة رضي الله عنهم أجمعين. وكذلك رواية عن ابن عباس، وابن عمر. وكذلك رواية عن ابن مسعود، وابن عمر. والمشهور عنهما خلافه. استدل هؤلاء بقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ الآية. قال: ونفي الجناح يدل على الإباحة والتخيير. يدل على الإباحة والتخيير. قال: وانظر ما جاء في حديثي على ابن أمية عن عمر بن الخطاب المتقدم. واضح هذا. قال: لأن قول الله جل وعلا: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾؛ يدل على ماذا؟ على رفع الجناح. ورفع الجناح يدل على ماذا؟ على الإباحة والتخيير. وهذا هو الدليل من هذه الآية. واستدل أيضًا ببعض الأحاديث منها: حديث عائشة: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتم في السفر ويقصر». وهذا الحديث رواه الدارقطني وغيره في سننه. وقال الدارقطني: فيه المغير بن زياد، ليس بالقوي. وكذلك ضعفه العلامة الألباني. فهذا الحديث لا يصح. واستدل أيضًا بما روي عن أنس قال: «كنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نسافر، فيتم بعضنا ويقصر بعضنا، ويصوم بعضنا ويفطر بعضنا. قال: فلا يعيب أحد على أحد». وهذا الأثر لم أقف عليه عن أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه. ويخشى أن يكون ليس عن أنس، وإنما هو عن ابن أبي نجيح المكي. فقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا عبد الرحمن بن خضير، عن ابن أبي نجيح، عن أبي نجيح المكي قال: «استحب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في السير؛ أي: أنه استحب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في السير، فكان بعضهم يتم وبعضهم يقصر، وبعضهم يصوم وبعضهم يفطر، فلا يعيب هؤلاء على هؤلاء، ولا هؤلاء على هؤلاء». وإسناده حسن. فيه أنه صاحب أصحاب رسول الله؛ فكان منهم من يتم، ومنهم من يقصر، ولا أحد ينكر على ماذا؟ على أحد. فدل هذا على ماذا؟ على أن القصر في الصلاة رخصة وليس بعزيمة؛ أي: ليس بواجب. وذهب حماد بن أبي سليمان، والثوري، وأبو حنيفة، وعمر بن عبد العزيز. وكذلك روي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو ظاهر مذهب ابن مسعود، وابن عمر: إلى الوجوب. واستدلوا بأدلة منها: حديث عائشة المذكور: «أن الصلاة الرباعية ركعتين ركعتين، فأقرت في السفر، وأتمت في الحضر». وقوله: «فرضت»؛ قالوا: دل على أنها ماذا؟ على أن الواجب في صلاة السفر: ركعتين ركعتين. وكذلك جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما وأرضاهما نحوهم. وكذلك استدلوا بمداومة النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك. بمداومة النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك؛ فإنه قد نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم الجمع الغفير: أنه كان يقصر في صلاته، ولم ينقل أحد قط عنه صلى الله عليه وسلم أنه أتم صلاته في سفر قط. وهذا فيه إشعار: في أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مداومًا على الركعتين في السفر. والقصر في السفر مداومته مع ما تقدم؛ يدل على ماذا؟ يدل على الوجوب. وأيضًا استدلوا بأن هذا كان إجماعًا قديمًا: كان إجماعًا قديمًا في عهد أبي بكر وعمر، وصدرًا من خلافة عثمان؛ كما حكاه ابن عمر. وكل قول بعد الإجماع؛ فلا عبرة به. فلا عبرة به. وضح هذا. جماعة من هكذا استدل من استدل على القول بالوجوب: على القول بوجوب صلاة القصر ركعتين ركعتين. بقي: كيف الجواب عما استدل به أصحاب القول الأول؟ أجاب عن قول الله عز وجل: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾. قالوا: هذا رفع الجناح لا يدل على الإباحة، ولكن يدل على عدم المنع. ثم الوجوب أو غيره؛ يستدل به من دليل آخر. يستدل به من دليل آخر. وضح هذا. قالوا: هذا كقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطُوفَ بِهِمَا﴾. قالوا: والطواف بين الصفا والمروة من واجبات الحج إجماعًا. واضح هذا. فقالوا: إذن قول الله عز وجل: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾؛ لا يستفاد منه إلا أنه ماذا؟ رفع الجناح. لا يستفاد منه إلا رفع الجناح. ويبقى الأمر على ما كان عليه قبل. ويبقى الأمر على ما كان عليه ماذا؟ قبل. واضح هذا. فاستدل هؤلاء بهذا على هذا. قال: وإذا كان كذلك؛ ضعفت عندنا الأدلة الأخرى الدالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم داوم على هذا الأمر. على أن النبي صلى الله عليه وسلم داوم على هذا الأمر. ولم يأت عنه قط أنه أتم صلاة في سفر قط. وهذا يدل على أن هذا الأمر مقصود؛ أن هذا الأمر مقصود منه صلى الله عليه وسلم. إذ لو لم يكن كذلك، ولو كان الأمر على التخيير؛ لفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولو مرة لبيان الجواز. كما هو حاله صلى الله عليه وسلم: أنه ربما فعل المفضول لأجل بيان الجواز. فلما لم يرد ذلك؛ دل على ماذا؟ دل على أن القصر في الصلاة مقصود لذاته. وأجاب عما جاء في أثر عائشة: بأنه ضعيف. أو في حديث عائشة: بأنه ضعيف. وما جاء في أثر أنس، ونحوهم؛ في كذلك عن أبي نجيح المكي: بأن هذا يحمل على أن هذا فعل بعض الصحابة. أن بعض الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم كان بعضهم يرى أن القصر في الصلاة رخصة وليست بعزيمة: رخصة وليست بعزيمة. والأمر في ذلك كما ترون: الأمر في ذلك في سعة. وما دام قد وقع الخلاف من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، ومن بعدهم من الأئمة رحمهم الله تعالى؛ فالأمر في هذا كما يقال: على السعة. من رأى أن هذا على الجواز والتخيير؛ استدلالًا بالآية، وما جاء في الباب من الأدلة؛ فالأمر ماذا؟ فيه واسع. ومن رأى القول الآخر؛ أي: أن صلاة القصر واجبة؛ فالأمر كذلك ماذا؟ واسع. فهذا الباب من مسائل اجتهاد الذي لا ينكر فيها على المخالف. الذي لا ينكر فيها على المخالف؛ لأن الأفهام تختلف. الأفهام تختلف. وإذا قلنا بالترجيح؛ فالقول الثاني، والله أعلم: هو الأقرب. القول الثاني: القول بوجوب القصر؛ هو الأقرب لما تقدم. والله أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.