الدرس في كتاب الصلاة 96، ألقاها
شرح حديث أبي هريرة عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم سورتين في صلاة الفجر يوم الجمعة. يبين المقطع معاني الحديث وفوائده والحكمة من قراءة السجدة وهل أتى على الإنسان.
تناول آراء الفقهاء حول استحباب أو كراهة قراءة سورتي السجدة وهل أتى في صلاة الفجر يوم الجمعة. الراجح هو استحباب القراءة بهما لورود أدلة في السنة.
دعاء يتضمن الثناء على الله والاعتراف بوحدانيته وطلب المغفرة والتوبة. يبدأ بتمجيد الله ويتضمن طلب الغفران والعودة إلى الله.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الإمام عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى في كتاب عمدة الأحكام: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة ﴿الم ﴾ تنزيل السجدة، وهل أتى على الإنسان. قوله رحمه الله تعالى: عن أبي هريرة رضي الله عنه تقدّم معنا مرارا وتكرارا. الكلام على أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، وهو من المفسرين، بل هو رأس الحفاظ المكثرين على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة ألف لام تنزيل السجدة وهل أتى على الإنسان». وقوله «كان» يدل على المداومة، يدل على المداومة والاستمرار، وهذا هو الأصل في «كان»، وهذا هو الأصل في «كان» إذا أطلقت، فإنها تفيد هذا المعنى. وقوله: «يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة ألف لام تنزيل السجدة وهل أتى على الإنسان» معناه أنه يقرأ في الركعة الأولى ﴿الم﴾ تنزيل السجدة، وفي الركعة الثانية «هل أتى على الإنسان». وليس معناه أنه يقرأها في كل الصلاة أو في كل ركعة، ولكن يقرأ بالأولى ﴿الم﴾ تنزيل السجدة، وفي الثانية «هل أتى على الإنسان»، كما جاء ذلك مصرحا به في بعض الروايات. وذكر العلماء رحمهم الله تعالى لذلك فوائد وحكم، فقالوا: من هذه الفوائد والحكم التي لأجلها كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بهاتين السورتين ويداوم عليهما، قالوا: لأن فيها الإخبار عن مبدأ الإنسان، فيها الإخبار عن مبدأ الإنسان وتطور الإنسان. «هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا» إلى آخر الآيات. وفي السورة الأخرى كذلك فيها معاني من معاني في السورتين هذا المعنى: معنى بدء الإنسان، ولشأن الإنسان أنه كان يوم الجمعة؛ لأن آدم عليه السلام ولد أو نفخ فيه الروح يوم الجمعة. وفيه أيضا إشارات لطيفة إلى ما يكون أو إلى ما سيكون يوم القيامة من أمور المعاد والقيامة ومآل هذا العالم ونهاية الناس إما إلى جنة وإما إلى نار، وذلك فيه إشارة إلى أن القيامة تقوم يوم الجمعة. فكما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى: فيه تذكير للناس من صبيحة يوم الجمعة بما سيحصل للناس في هذا اليوم، وما حصل كذلك من بدء نشأة الإنسان وخلق الإنسان وغير ذلك من الأمور التي ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى. ففيه التذكير بأمور المعاد والقيامة ونحوها. وقوله: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة الفجر» يدل على أن هذه القراءة إنما تكون في صلاة الفجر، بمعنى أنه لا يقرأ فيها بغير صلاة الفجر، أي أن يجمع بين هاتين السورتين في صلاة غير صلاة الفجر، مثلا يقرأ فيها بالظهر أو العصر أو المغرب أو ما شابه ذلك. وهل معنى هذا أنها لا تشرع بأن تقرأ هاتين السورتين مجتمعتين أو متفرقتين في غير صبيحة يوم الجمعة؟ الجواب: لا. الجواب: لا، بل يشرع أن تقرأ هاتين السورتين مجتمعتين في أي صلاة كانت جهرية أو سرية، سواء كانت مجتمعتين، أي قرأ الأولى بالسجدة والثانية بهل أتى، أو العكس قدم هل أتى على الإنسان على السجدة، أو قرأ بإحدى هاتين السورتين في صلاة وقرأ بالسورة الأخرى في صلاة أخرى أو ما شابه ذلك، كل ذلك مشروع وجائز. أما المداومة على ذلك فإنها لم تكن إلا في صلاة الجمعة، في صلاة الفجر من يوم الجمعة. والمداومة عليها كما سمعتم: يستفاد من قول أبي هريرة: «كان». وقد جاء في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يداوم على قراءة السجدة ﴿الم﴾ السجدة تنزيل السجدة وهل أتى». ولكن الحديث كما قال الحافظ رحمه الله تعالى: رواه الطبراني، ورجح أبو حاتم الإرسال، إذن هو من قسم الضعيف؛ لأن الراجح فيه أنه مرسل. وفي هذا الحديث عدة مسائل نذكر منها في هذا الدرس ما تيسر بإذن الله جل وعلا. المسألة الأولى: حكم قراءة ﴿الم﴾ السجدة وهل أتى على الإنسان في صلاة الجمعة في صلاة الفجر من يوم الجمعة. ذهبت طائفة إلى استحبابه، وممن ذهب إليه الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن أبي شيبة وسليمان بن داود الهاشمي والجوزجاني وغيرهم من فقهاء الحديث، مستدلين بحديث الباب وما جاء في معناه من حديث ابن عباس؛ جاء أيضا في حديث ابن عباس عند الإمام مسلم رحمه الله تعالى بنحوه. وهذا القول مروي عن علي وابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين، أي أنهم صلوا بهذه السورتين في صلاة الفجر من يوم الجمعة. وذهبت طائفة إلى كراهة قراءة هاتين السورتين في صلاة الفجر يوم الجمعة، وممن ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله، وحكي عن أبي حنيفة أيضا. وقد اعتذر عن مالك رحمه الله تعالى بأنه لم تصلهم هذه السنة أو لم تثبت عنده هذه السنة. فالراجح والقول الأول: لما تقدم من أدلة الباب واضح. المسألة الثانية: هل يستحب المداومة على ذلك كل جمعة؟ المداومة على هاتين السورتين هل يستحب أن تكون في كل جمعة؟ قال بعضهم: لا يستحب ذلك، بل يستحب فعله أحيانا، وهو قول الثوري وأحمد في المشهور عنه، وكذلك روي عن إسحاق. وعللوا ذلك بأنه يخشى من المداومة عليه اعتقاد الجهال وجوبه، وأن صلاة الفجر يوم الجمعة فيها زيادة سجدة أو أنها ثلاث ركعات ونحو ذلك مما يتخيله بعض من هو مفرط في الجهل. وذهب الأكثرون إلى استحباب المداومة عليه، وهذا قول الشافعي وسائر من سمي قوله في المسألة الأولى، ورواية عن أحمد وإسحاق. قال الحافظ ابن رجب رحمه الله بعد أن ذكر أنها رواية عن أحمد: ورجحه بعض أصحابنا، قال: وهو الأظهر. وكان السلف يداومون عليه. قال الأعرج: «كان مروان وأبو هريرة يقرآن في صلاة الصبح بألف لام سورة السجدة وهل أتى على الإنسان». وقوله: «كان» كذلك يفيد المداومة. وقال الشعبي: «ما شهدت ابن عباس إلا يصلي بهذه الصلاة». خرجه ابن أبي شيبة، وهذا يدل كذلك على المداومة؛ لأنه يقول: «ما شهدته إلا». يصلي بهذه الصلاة. قال الحافظ ابن رجب: واعتقاد فريضة ذلك بعيد جدا، فلا يترك لأجله السنة الصحيحة واتباع عمل الصحابة. قال الحافظ ابن حجر: وفيه دليل على استحباب قراءة هاتين السورتين في هذه الصلاة من هذا اليوم. قال: لما تشعر به الصيغة من مغايرة صلى الله عليه وسلم على ذلك وإكثاره منه. بل ورد من حديث ابن مسعود تصريح بالمداومة صلى الله عليه وسلم على ذلك، أخرجه الطبراني، ونصه: «يداوم ذلك». قال: وأصله في «البلوغ» بدون هذه الزيادة، ورجاله ثقات، لكن صوب أبو حاتم إرساله. فالحاصل أن الراجح من هذه الأقوال القول الثاني: الراجح من هذين القولين القول الثاني لما ذكر. لكن إن حصل كما ذكر الأئمة وعلل الأئمة كالإمام أحمد رحمه الله وغيره: أن ناسا لفرط جهلهم كانوا يعتقدون أن هذا فرضا واجبا، وهذا يعلم بماذا؟ يعلم بأنهم لو لم يصلوا بهذه الصلاة لأنكروا ذلك على من لم يصل بهم بتلك الصلاة. فإذا كان الأمر كذلك فلا بأس من ترك القراءة بهاتين السورتين أحيانا؛ حتى يعلم الجاهل أن هذا ليس بواجب. المسألة التي تليها: من قرأ في الفجر يوم الجمعة فقسم ﴿الم﴾ السجدة فصل بها في الركعتين لم يصب السنة. وقد صرح جماعة من العلماء بكراهة ذلك. والتي تليها: من لم يقرأ ﴿الم﴾ تنزيل السجدة في يوم الجمعة، فهل للإمام أن يقرأ بدلها أو بدلا عنها سورة أخرى فيها سجدة فيسجد فيها أو يمتنع عن ذلك؟ ذهب طائفة من السلف إلى جواز قراءة سورة فيها سجدة مكان سورة ﴿الم﴾ تنزيل السجدة. روي ذلك عن ابن عباس. وقال النخعي: «كان يستحب أن يقرأ يوم الجمعة بسورة فيها سجدة». وقال ابن سيرين: «لا أعلم به بأسا». وهذا يدل على أن هذا كان معروفا مشهورا. لذا قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وهذا كان قد عمل به بعض المتقدمين من علماء الكوفة والبصرة. وذكر نحو ما ذكر هاهنا عن هؤلاء إلخ رحمهم الله. وقال النووي رحمه الله تعالى: وفي كراهته خلاف بين السلف. وذكر في «الروضة» أنه قال: لم أجد كلاما لأصحابنا فيه. قال: وقال ينبغي أن يكون المذهب أو كما قال: أن يكون مكروها، أي هذا الفعل مكروها. وأفتى الشيخ ابن عبد السلام -أي العز ابن عبد السلام- بالمنع من ذلك وبطلان الصلاة به، بمعنى أنه قال: من صلى يوم الجمعة الفجر فقرأ بسورة فيها سجدة -ما كانت سورة السجدة مثلا قرأ «اقرأ باسم ربك الذي خلق» وفيها سجدة فسجد فيها- يقول: هذا الفعل باطل والصلاة باطلة؛ لماذا باطلة؟ قال: لأنه زاد في الصلاة سجدة ليست منها. والأقرب والله أعلم: أن هذا لا يفعل. وإن فعل به بعض العلماء وبعض السلف رحمهم الله تعالى ورضي الله عنهم، فالعبرة بالثابت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فلم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صلى مكان ﴿الم﴾ من السجدة بسورة أخرى فيها السجدة فسجد فيها. بل أحاديث دلت على أنه كان يداوم على هذه السورة، وأنه يداوم على هذه السورة والسورة التي تليها. فإن لم يقرأ بهذه السورة ولا بالسورة التي تليها، فلا ينبغي له أن يتعمد أن يقرأ سورة فيها سجدة لأجل السجود. بل يقرأ ما تيسر من القرآن. وخير الهدي هديه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فمن فعل ذلك معتمدا على هذه الآثار المروية عن السلف، فيقال له: الأمر كما يقال فيه: في الإسعاف. والأولى والأحرى والأحوط لدى الدين المرء أن يكون متبعا لهديه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ولا يلتفت إلى قول أحد ما دام أنه صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك. وهذه من العبادات، والأصل في العبادات: التوقيف. المسألة التي تليها: هل يسجد في آية السجدة في صلاة الفجر يوم الجمعة؟ بمعنى أن الإنسان إذا صلى صلاة الفجر فقرأ بسورة السجدة فأتى على آية السجدة، فهل له أن يسجد أم لا؟ أما من حيث الوجوب فلا تجب باتفاق العلماء، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. وأما من حيث المشروعية وعدمها، فالعلماء في ذلك على قولين: منهم من يستحب ذلك، وهذا قول الشافعي وأحمد. ومنهم من يكره ذلك. وقد ذكر هذا عن التابعين، من قول التابعين، من قول أبي مجلز: أنه كره ذلك. وهو قول مالك، وهو قول الإمام مالك وغيره. قال الحافظ ابن حجر في «الفتح»: لم أر في شيء من الطرق التصريح بأنه صلى الله عليه وسلم سجد لما قرأ ﴿الم﴾ تنزيل السجدة في هذا المحل. قال: إلا في كتاب «الشريعة» لابن أبي داود، من طريق أخرى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: «غدوت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة في صلاة الفجر فقرأ سورة فيها سجدة فسجد». الحديث. وفي إسناده قال الحافظ: من ينظر في حاله. ولالطبراني في «الصغير» من حديث علي: «أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في صلاة الصبح في تنزيل السجدة». قال: لكن في إسناده ضعف. والحاصل أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سجد في يوم الجمعة عند قراءته لسورة السجدة. فإذا كان الأمر كذلك فلا يسجد لها؛ لأن باب العبادة توقيفي. وما دام أنه لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يفعله الإنسان؛ لأن خير الهدي هديه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وإن كان قال به بعض العلماء، وكذلك نقلوه عن بعض الأئمة وبعض السلف. بل ذكره بعضهم عن عمر بن الخطاب وعن عثمان بن عفان وعن ابن مسعود. ولكن يحتاج أولا أن ينظر في أسانيد هذه الأقوال: هل هي ثابتة عنهم أم لا؟ ثم بعد ذلك إذا ثبتت يكون الأمر باعتبار آخر: باعتبار أنه قد فعلوا بعض السلف، فإنهم من الأمر المشروع. ولكن الأفضل والأولى ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. هذا إذا ثبت عنهم. فالحاصل أن سجود السجدة يوم الجمعة في صلاة الفجر لم يثبت عن نبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وخير الهدي هديه، والله أعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. شكرا.