شرح الجوهرة الفريدة 66

الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 66، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

وجوب التوبة وأهميتها

التوبة واجبة على كل مسلم بسبب التقصير والتفريط، وهي سبيل الفلاح كما أمر الله عباده المؤمنين بالتوبة.

شروط التوبة الصحيحة والقبول

التوبة لها شروط مثل الإخلاص والإقلاع عن المعصية والندم والعزم على عدم العود، وتقبل قبل حضور الموت أو طلوع الشمس من مغربها.

التوبة الخاصة للمذنبين وتطبيق الحدود

توبة المذنبين بما فيهم السحرة تقبل إذا كانت توبة نصوحا، ولكن يجب إقامة الحدود على من تعدى بسحره على الناس.

ختام البرنامج الديني

المقطع الأخير يمثل خاتمة البرنامج حيث يتم التكبير والشكر للمشاهدين على متابعتهم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه بعد. قال مؤلف رحمه الله تعالى، الشيخ العلامة حافظ الحكمي رحمه الله تعالى، في منظومته الجوهرة الفريدة، باب التوبة وشروطها. قال رحمه الله: وتقبل التوبة اعلم قبل حشرجة الصدور من كل ذنب ناله أحد، شروطها يا أخي الإقلاع مع ندم ولا يعود له بل عنه يبتعد. وإن يكن فيه حق الآدمي فتحلل حيث أمكن، وليعرض له القود. ذكر رحمه الله تعالى في هذا الباب التوبة وشروط التوبة، وبيّن رحمه الله أن التوبة مقبولة إذا كانت في وقتها، وهذا شرط من شروط التوبة أن تكون في الوقت، أي في وقت التوبة كما سيأتي. وذكر بعض شروطها، ومنها الإقلاع عن الذنب، والندم على فعله، والعزم على عدم العود إليه. التوبة واجبة يجب على كل أحد أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى. قال جل وعلا: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، فأمر الله جل وعلا عباده المؤمنين جميعا أن يتوب إليه سبحانه وتعالى. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾. وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام قد بيّن أن التوبة واجبة على كل أحد أن يتوب إلى الله جل وعلا. ثبت عنه عليه الصلاة والسلام، كما عند مسلم من حديث الأغر المزني رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب إلى الله في اليوم مئة مرة». الرسول عليه الصلاة والسلام يتوب إلى الله في اليوم مئة مرة، وهو رسول الله عليه الصلاة والسلام الذي قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. ومع هذا يتوب إلى الله جل وعلا في اليوم مئة مرة. وفي حديث أبي هريرة في البخاري، قال عليه الصلاة والسلام: «إني لا أستغفر الله، والله إني لا أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة». فهذا يدلنا على وجوب التوبة على كل أحد أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى. وهكذا ربنا عز وجل قد رتب على التوبة إليه سبحانه بذكر الفلاح، كما في الآية السابقة: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، فالفلاح للعبد بالتوبة إلى الله جل وعلا، بأن يكثر العبد التوبة إلى الله سبحانه وتعالى. فلا شك أن الإنسان في يومه وليلته تحصل منه زلة، ولسانه والنظرة التي في غير محلها، وغير ذلك. لابد من التقصير، ولابد من التفريط. لابد من أن يقع الإنسان في التقصير وفي التفريط. والعبد إذا تاب إلى الله جل وعلا يستحضر أن توبته إلى الله جل وعلا ليست فقط لأنه إذا فعل كبيرة، إذا قتل أو فعل أو سرق أو كذا وكذا. لا، توبة لله جل وعلا. ويستحضر أن توبة هذه لله سبحانه وتعالى على كل ما وقع منه من خلل أو تفريط أو تقصير في جنب الله جل وعلا. لأنه لا بد من وقوعه، أي من وقوع الخلل والتقصير والتفريط. فإذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام إذا دخل الخلاء ثم خرج منه قال: «غفرانك». وهذا كما قال بعض العلماء بسبب أنه عليه الصلاة والسلام لما دخل الخلاء امتنع عن ذكر الله، امتنع عن ذكر الله في هذه اللحظات والتي قضى فيها حاجته. فلما خرج علم أن هذا من التقصير والتفريط، لأنه عليه الصلاة والسلام كان يذكر الله على كل أحيانه، كما في مسلم عن عائشة. فلذلك يقول: «غفرانك». والمعنى الثاني أنه عليه الصلاة والسلام حين قضى حاجته علم أن هذا من أعظم نعم الله جل وعلا، أن يسر الله جل وعلا بخروج هذا الخارج. فهذا يحتاج إلى الشكر. فلما خرج عليه الصلاة والسلام شكر ربه فقال: «غفرانك»، يطلب المغفرة. وهذا نوع من أنواع الشكر لله عز وجل، وهو أن يستغفر العبد ربه سبحانه وتعالى. فشاهدنا التوبة واجب على كل مسلم أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى، لأنه لا بد منه أن يقع في التقصير والتفريط في جنب الله. إذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام يتوب إلى الله مئة مرة ويستغفر الله جل وعلا، فمن نحن إذن؟ ومن غيره عليه الصلاة والسلام؟ ولذلك رغب نبينا عليه الصلاة والسلام في التوبة، كما جاء في حديث أنس عند مسلم في قصة ذلك الرجل الذي كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت عليه طعامه وشرابه، فانفلتت منه حتى أيس منها. فاضطجع تحت ظل شجر ينتظر الموت. وبينما هو كذلك، فإذا براحلته أمامه وعليها طعامه وشرابه. ففرح بذلك فرحا عظيما، حتى أنه من شدة الفرح أخطأ، قال: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك». قال عليه الصلاة والسلام: «أخطأ من شدة الفرح». فالله جل وعلا أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه، من فرح هذا الرجل الذي قد أيس من راحلته وانتظر الموت، ثم وجد هذه الراحلة. والنصوص كثيرة في الأمر بالتوبة والترغيب فيها. فعلينا أن يكون دائما التوبة والأوبة لله سبحانه وتعالى. فهذا الذي كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام والصحابة رضوان الله عليهم. واتبعوا لهم بإحسان. قال رحمه الله تعالى: وتقبل التوبة اعلم قبل حشرجة الصدور من كل ذنب ناله أحد. شروط التوبة ذكر الناظم رحمه الله تعالى في باب التوبة أن التوبة لها ثلاثة شروط. الشرط الأول: الإقلاع عن المعصية. الشرط الثاني: الندم على فعلها. الشرط الثالث: العزم على عدم العود إليها. هذا إذا كانت فيما بينه وبين الله. أما إذا تعلقت بحقوق آدميين، فشرط رابع: أن يتحلل وأن يرد الحقوق إلى أهلها. ومن أهل العلم من زاد شرطا آخر، شرطا خامسا قبل هذه الشروط، وهو أولا الإخلاص. الإخلاص في التوبة أن يتوب مخلصا، لا يتوب لأجل غرض دنيوي، ولا يتوب لأجل كذا وكذا. وإنما تكون التوبة خالصة لله جل وعلا. يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا، توبة نصوحا فيها الإخلاص لله سبحانه وتعالى. فلابد من الإخلاص، فالعمل لا يقبل إلا بالإخلاص لله جل وعلا فيه. والتوبة عبادة تقرب بها إلى الله جل وعلا، فلابد فيها من الإخلاص لله سبحانه وتعالى. والشروط الأخرى كما ذكرها العلماء كما سمعتم. وإذا كانت تعلقت بحق آدميين، ترد الحقوق إلى أهلها. ومن قتلته سلم نفسك لأولياء المقتول إذا قتلت. فلا تقول: أنا تبت خلاص، تبت. نعم، بينك وبين الله إذا صدقت في توبتك وأخلصت فيها، فهذا بينك وبين الله. لكن حقوق الأولياء، أولياء المقتول الذي قتلته أنت إذا قتلت، ترتب على قتلك أمور. الأمر الأول: حق الله. الأمر الثاني: حق المقتول الذي قتلته. والحق الثالث: حق أولياء المقتول. فهي ثلاثة أمور تترتب حين يقع الإنسان في القتل. حق الله يزول هذا الحق وتبرأ منه بالتوبة الصادقة، تخلص في توبتك إلى الله جل وعلا، فتندم على فعل هذا الذنب وتعزم على عدم العود إليه. هذا بينك وبين الله. الحق الثاني للمقتول الذي قتلته، المقتول الذي قتلته له حق. كيف تتحلل منه؟ قد مات، فهذا يوم القيامة، يفصل ربنا جل وعلا بينك وبينه يوم القيامة. الحق الثالث: حق أولياء المقتول. فإذا أرادوا القصاص فلهم، وإذا أرادوا الدية فلهم ذلك. وإذا عفوا الأمر لهم. فإذا التوبة إذا تعلقت بحق الناس، لابد مع الإخلاص فيها والندم والعزم على عدم العود، لابد من إرجاع الحقوق. إلا إذا ترتبت مفسدة فيما يتعلق بالغيبة والنميمة مثلا. أما حق أولياء المقتول هذا لابد منه. لكن مثلا اغتبت إنسانا، اغتبت شخصا، تبت إلى الله جل وعلا. وقد اغتبت شخصا، تحلل الآن من ذلك الذي اغتبته. تذهب إليه وتقول: يا فلان، والله أنا اغتبتك وقلت فيك كذا وكذا، فسامحني. لكن إذا كانت ترتب على ذلك مفسدة من تذهب إليه وتقول له: اغتبتك. نعم، قاطعك، وربما فعل وفعل. فمثل ذلك لا تذهب إليه، يكفي أنك تصدق في توبتك وتدعو له. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وتقبل التوبة اعلم قبل حشرجة الصدور، يعني قبل الغرغرة. التوبة لا تقبل بعد الغرغرة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما عند الترمذي وغيره من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله جل وعلا يقبل توبة العبد ما لم يغرغر». ما لم يغرغر، يعني قبل أن يحضره الموت. وهذا قد ذكر في كتاب الله جل وعلا: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾، إذا حضر الموت فلا تنفع التوبة. وهذا هو حال الغرغرة. فلابد أن تكون التوبة قبل حضور الموت، قبل تيقن الموت. وقد يقول قائل: كيف دخل النبي عليه الصلاة والسلام على عمه أبي طالب وهو في سياق الموت، كما في الصحيحين، وقال له: «يا عمه قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله». قال العلماء هنا: لم يحضر أبا طالب الوفاة، لم يغرغر بعد. وإنما هذا كان قبل ذلك، قبل الغرغرة، قبل أن يصل إلى حال حضور الموت. وهكذا قبل طلوع الشمس من مغربها، كما جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: «من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها، تاب الله عليه». من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها، تاب الله عليه. والمعنى أنه إذا تاب بعد طلوع الشمس من مغربها فلا توبة له. وكما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾. وفسر قوله جل وعلا: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ بطلوع الشمس من مغربها. فسر قوله جل وعلا: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ بطلوع الشمس من مغربها. لأن الشمس إذا طلعت من مغربها لا تقبل التوبة، كما في هذا النص القرآني، وكما جاء في أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام. إذن التوبة لها وقت لا بد أن تكون فيه. وهذا معنى قول المؤلف الناظم رحمه الله تعالى: وتقبل التوبة اعلم قبل حشرجة الصدور من كل ذنب ناله أحد. من كل ذنب التوبة يتوب العبد فيها من كل ذنب، وهي مقبولة. تقبل توبة المشرك، المشرك إذا تاب توبة النصوح قبلت منه. ما دام أنه في وقت قبل التوبة، التوبة تصح منه وتقبل. توبة الساحر، مع أن فيه خلاف بين أهل العلم، لكن الصحيح قبول توبة السحرة. وإلا في مذهب الإمام أحمد في رواية أن الساحر لا تقبل توبته، ولو تاب. وهذه رواية في مذهب الإمام أحمد. وكذلك مذهب مالك، استدلوا بما جاء عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم، كما جاء عن عمر أنه أمر بقتل كل ساحر وساحرة. وأيضا عن حفصة أنها أمرت بقتل جارية سحرتها. وقالوا: الصحابة أمروا بقتل السحرة، وظاهروا ذلك أنهم لم يستتيبوهم، يعني لم يطلبوا منهم أن يتوبوا. ولذلك كان في مذهب أحمد رحمه الله تعالى والمشهور في مذهبه أن الساحر لا تقبل توبته. لكن الصحيح والله أعلم أن الساحر تقبل توبته. ولذلك صحت توبة سحرة فرعون، سحرة فرعون تابوا وقبلت توبتهم. فدل على أن الساحر إذا تاب توبة النصوح، تاب الله عز وجل عليه. لكن إذا تعدى بسحره على الآخرين، فلابد من إقامة الحدود الشرعية. الساحر هذا قتل من الناس كذا وكذا، فلابد من أن يقتل. كذلك أفسد فيعاقب على فساده. إلا إذا رأى الحاكم المصلحة في عدم استتاب السحرة إذا انتشر خطرهم وشرهم، فجاز له أن يقتلهم من غير أن يستتيبهم. وفي هذه الأزمنة عظم شر السحرة، عظم شر السحرة وكثر البلاء بهم. فالذي نرى من الحاكم أنه يقتلهم زجرا لغيرهم، زجرا لغيرهم. لأن البلاء إذا انتشر، فمن قبض عليه قال: خلاص تبت، اذهب. جاء عند الآخر: أنت ساحر قبضنا عليك، ألا خلاص تبت لله. لا فرق بين أن يتوب الساحر قبل القدرة عليه وبعد القدرة. التوبة الصادقة التي يصدق فيها صاحبها تكون مقبولة. فعلى السحر ثم تاب وندم، جاء بنفسه معترفا نادما تائبا: كنت أفعل وأفعل، أتوب إلى الله سبحانه وتعالى. هذا الذي ينظر الحاكم في حاله، يرى المصلحة فيه. لعله يترك تشجيعا لغيره من السحرة. لأن السحرة إذا علموا أن كل من أراد أن يتوب وجاء إلى الحاكم وقال: تبت، فإنه سيقتله. لن يتشجع السحرة على التوبة إذا علموا أنه إذا تاب منهم أحد لابد أن يقتل. لكن إذا علموا أنهم إذا تابوا قبل القدرة عليهم، فإن الحاكم سيتركه ولا يعاقبه تشجيعا له على توبته. إلا إذا اعتدى على الآخرين، فالحق لابد أن يرد إلى أهلها. والكلام في السحراء والسحرة يطول فيه. قد انتهى الوقت إن شاء الله في درسنا اللاحق. صلى الله عليه وسلم وبرك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الله أكبر، الله أكبر، الله شكرا للمشاهدين.