شرح الجوهرة الفريدة 50

الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 50، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

مقدمة في مرتبة الخلق

الدرس يبدأ بالحديث عن مرتبة الخلق، وهي الإيمان بأن الله خالق كل شيء. يستدل على ذلك بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية.

الإرادة الكونية والشرعية

الإرادة الكونية تشمل كل ما يحدث في الكون، بينما الإرادة الشرعية تتعلق بما يحبه الله. يوضح المقطع الفرق بينهما وكيف يفهمهما أهل السنة والجماعة.

تطبيق فهم الإرادة في الإسلام

يشرح المقطع كيف أن الأشياء المكروهة قد تكون محبوبة من وجه آخر، ويوضح كيف جمع أهل السنة بين النصوص الشرعية والكونية لفهم صحيح للإرادة الإلهية.

ختام الدرس والتمهيد للدرس التالي

تم الإعلان عن انتهاء الدرس واستكمال الموضوع في الدرس التالي مع ختم الدرس بالصلاة على النبي محمد.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاهم. بعد ذكرنا في الدرس الماضي المرتبة الثالثة من مراتب القدر، وهي مرتبة المشيئة، والمرتبة الرابعة هي مرتبة الخلق. ومعنى الإيمان بمرتبة الخلق الإيمان بأن الله جل وعلا خالق كل شيء، خالق العباد وأفعال العباد، وما من شيء يحدث في ملكوت الله جل وعلا إلا والله جل وعلا خالقه. فكل شيء يحدث في ملكوت الله جل وعلا، في سماواته أو في أرضه أو في أي موضع، فالله جل وعلا خالقه سبحانه وتعالى. وأدلة الإيمان بمرتبة الخلق كثيرة في كتاب الله، في سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إن كل شيء خلقناه بقدر﴾، وقال جل وعلا: ﴿الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل﴾، وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وخلق كل شيء فقدره تقديرا﴾، وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنها تخلق كل شيء فقدره تقديرا﴾، وقال جل وعلا: ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾، وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون﴾، وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين﴾، وقال جل وعلا: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾، وقال جل وعلا: ﴿وهو الخلاق العليم﴾. والآيات كثيرة في كتاب الله جل وعلا، فيها بيان أن الله جل وعلا هو خالق كل شيء سبحانه وتعالى. وأما في السنة، فقد جاء عند البخاري في «خلق أفعال العباد»، والبيهقي في «الأسماء والصفات»، وغيرهما، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «إن الله يصنع كل صانع وصنعته». وجاء في حديث علي في الصحيحين بقول عليه الصلاة والسلام: «اعملوا كل ميسر لما خلق له». وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله جل وعلا يقول: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي». وقال عليه الصلاة والسلام في الصحيحين أيضا: «شد الناس عذابا يوم القيامة المصورون الذين يضاهون خلق الله». فيقول الله جل وعلا لهم: «أحيوا ما خلقتم». فهذه النصوص فيها بيان أن الخلق إنما هو لله جل وعلا. وهاتان المرتبتان، مرتبة المشيئة ومرتبة الخلق، ضل فيهما القدرية والمعتزلة. فأما في المشيئة، قالوا: العبد مستقل بمشيئته، وأن مشيئته مستقلة. سبب ذلك قالوا: لأننا إذا قلنا إن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله جل وعلا، فإذا شاء العبد المعاصي، معنى ذلك أن الله جل وعلا شاءها. فننزه الرب جل وعلا عن ذلك، فنجعل مشيئة العبد مستقلة غير تابعة لمشيئة الله جل وعلا. فعطلوا الله جل وعلا عن عموم مشيئته. وسبب قولهم هذا، أو وقوعهم في هذا الفهم الخاطئ، حيث ظنوا أن الإرادة الكونية، وهي المشيئة، يلزم منها المحبة والرضا. يلزم من إرادة الله جل وعلا الكونية، التي هي بمعنى مشيئة، يلزم منها المحبة والرضا. وهذا باطل. له أنهم فهموا أن الإرادة الكونية والمشيئة لا يلزم منها المحبة والرضا، لما وقعوا فيما وقعوا فيه. فأهل السنة والجماعة يقولون: الإرادة الكونية التي هي بمعنى مشيئة الله جل وعلا لا يلزم منها المحبة والرضا. يعني الله جل وعلا إذا أراد شيئا كونا أن يكون، وشاءه، لا يلزم من إرادته أن يكون قد أحبه. فإبليس مثلا شاءه الله جل وعلا كونا وقدرا، هل معناه يحبه؟ الجواب: لا. وهكذا المعاصي، شاءها الله جل وعلا بمعنى قدرها وأرادها كونا، لكن ليس معنى ذلك أن الله جل وعلا يحبها، بل ربنا جل وعلا يكره المعاصي ولا يحبها. فإذا الإرادة الكونية لا يستلزم منها المحبة والرضا، وإنما الإرادة الشرعية. عندنا إرادة كونية، وعندنا إرادة شرعية. الإرادة الكونية شاملة لكل ما أراده جل وعلا أن يكون في ملكوته، شامل للخير والشر، وللطاعة والمعصية، والمعروف والمنكر، والاجتماع والفرقة، وكذلك الخير والفساد إلى آخر ذلك. كل ما أراد الله جل وعلا أن يكون في ملكوته، فهو من الإرادة الكونية. يدخل فيه ما يحبه الخير، طاعة، الإسلام إلى آخر ذلك، ويدخل فيه ما لا يحبه، كإبليس والكفر والمعاصي وغير ذلك. يأتي هنا السؤال: إذن لماذا يقدر الرب جل وعلا أمورا وأشياء لا يحبها؟ إذا كان لا يحب إبليس، لماذا قدره كونا؟ إذا كان لا يحب المعاصي، لماذا أرادها كونا وأن تكون في ملكوته؟ إذا كان لا يحب الفساد، فلماذا أراده كونا أن يكون في ملكوته وأن يظهر الفساد؟ الجواب على هذا أن ما قدره الله جل وعلا، وهو مكروه، ليس هو مكروها مطلقا، وإنما هو محبوب من وجه آخر. فالأشياء إما أن تكون محبوبة لذاتها، وإما أن تكون مكروها لذاتها كراهة مطلقة، وإما أن تكون محبوبة من وجه، مكروها من وجه آخر. محبوبة من وجه، مكروها من وجه آخر. فالذي قضاه جل وعلا وأراده كونا، كالشر وإبليس والنار والفساد، هو من الأشياء التي هي مكروها في ذاتها، محبوبة من وجه آخر. مكروها في ذاتها، محبوبة من وجه آخر. مثال الفساد في الأرض، أمر أراده جل وعلا كونا وقدر، هل يلزم أنه يحبه؟ الجواب: لا. لماذا قدرها إذن؟ الجواب: لأنه إن كان مكروها لذاته، أي الفساد، فهو محبوب من وجه آخر. كيف محبوب من وجه آخر؟ نعم، إذا ظهر الفساد، رجع الناس إلى رب العالمين جل وعلا. ورجوع الناس إلى رب العالمين جل وعلا أمر محبوب إلى الله سبحانه وتعالى. ولذلك هذا مبين في قوله جل وعلا: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾. إذن إذا ظهر الفساد رجع الناس. رجوع الناس محبوب إلى الله جل وعلا. ترتب على ظهور الفساد إبليس، أراده الله جل وعلا كونا وقدر، هل يحبه؟ الجواب: لا. لماذا إذن أراده كونا وقدر؟ الجواب: لأنه محبوب من وجه آخر. ما هو الوجه المحبوب منه؟ أن الناس يعصونه ويلعنونه. فالناس يعصون إبليس، لا يطيعونه، ويلعنونه، هذا منهم لإبليس، من عدم طاعته وعصيانه، أمر محبوب إلى الله جل وعلا. فإذن هذه المحبوبات تترتب على قضاء تلك الأمور، وإن كانت مكروهة لذاتها، إلا لأنها ترتب عليها هذه الأمور المحبوبة، قضاها الله سبحانه وتعالى، وهو الحكيم الخبير جل وعلا. وعلى سبيل المثال، الإنسان يتعاطى الدواء، ولو كان مرا. الدواء الآن ربما يكون مرا، مرارة شديدة، ومع هذا يشربه. إذا قيل له: كيف أنت تشرب هذا الدواء وهو مر؟ أنت تكرهه، يقول: أكرهه لذاته، أحبه من وجه آخر. ما هو الوجه الآخر الذي يحبه؟ يريد الشفاء. الدواء سبب للشفاء، فإذن هو يكره الدواء لمرارته، ويحبه من وجه آخر، لما يترتب عليه من حصول الشفاء. إذا ذهبت بابنك إلى رجل، نعم به مرض قد عالجته، فقيل لك: آخر العلاج الكي. فذهبت إلى من يكوي، أتيت بابنك، تقول لهذا الطبيب، لهذا المعالج: ابني قد جربت فيه كذا وكذا من الدواء، فقيل لي: آخر العلاج الكي. فأريدك أن تكويه. فيقول: تمام. شفت هذه الحديدة، هذه الحديدة أخذها ووضعها في النار، يجعلها تحمى. فتأخذ أنت الحديدة وتضعها في النار، وأنت تعلم من الذي سيكوى بها ابنك. هذا الأمر مكروه لذاتي عندك، أن تضع الحديدة في النار وأنت تعلم أنها ستحمى، ثم سيأخذها هذا ويكوي ابنك، أو يكويك أنت. أنت تكره هذا لذاتي، لكن تحبه لماذا؟ لأنك تريد الشفاء، ولعل هذا من أسباب الشفاء. ولله المثل الأعلى. ولله المثل الأعلى ما أراده جل وعلا كونا وقدرا من أمور هي مكروهة لذاتها، قضاها وأرادها لأنها محبوبة من وجه آخر. تأمل كل شيء، حتى إبليس هذا الذي هو إبليس، نعم، شر الخلق. إذا تأملت في قضاء الله جل وعلا له، وتأملت المصالح المترتبة، نعم، والمحبوبات الكثيرة من جراء قضاء إبليس، تجد الحكمة في خلق إبليس. النار كذلك، إذا تأملت فيما يترتب عليها، النار شر، لكن الناس يخافون من النار، من عذاب جهنم. ماذا يترتب من قضاء جهنم؟ نعم، يترتب منه خوف الناس، فيفرون إلى الله جل وعلا، ويتقربون إلى الله جل وعلا بالطاعات وبالعبادات، وبالرغب والرهب. إذن كم سنعدد من العبادات التي تقع عند المسلم حين يعلم أنه إذا عصى الله جل وعلا دخل تلك النار؟ فهذا هو الذي قضاه جل وعلا في كونه كونا وقدرا، من هذه الأمور التي يكرهها الناس ولا يحبونها، لكن هي بالنسبة لفعل الله جل وعلا وقضائه لها، لما يترتب عليها من محبوبات عظيمة يحبها الله جل وعلا. لكن القدرية المعتزلة، لأنهم لم يفهموا هذا الفهم، فظنوا أن ما أراده جل وعلا كونا وقدرا لازم منه أنه يحبه. فإذن إذا قدر المعاصي كونا وقدرا، إذن الله يحبها. طيب الآن جاء إلى مشيئة العبد، قالوا: العبد له مشيئة. إذا قلنا تابع لمشيئة الله، معنى أن الله شاء المعاصي، لأنه هو الذي قضاه جل وعلا كونا وقدرا. لكن لو وقفوا هنا وتأملوا أن هذا الذي قضاه جل وعلا كونا وقدرا، نعم، لا يحبه جل وعلا إذا كان من المعاصي، وإنما قضاها لما يترتب عليها من محبوبات، لعلموا أن الأمر ليس كما فهموا ذلك. وأيضا كذلك سبب ضلالهم في مرتبة الخلق، حيث جعل العبد يخلق فعل نفسه. نفس الأمر قال: إذا قلنا العبد أو فعل العبد مخلوق لله جل وعلا، إذن إذا فعل المعاصي، إذا فعل المعاصي فإن الله جل وعلا هو الذي خلقها، إذن إذا خلقها، إذن يحبها. فلما فهموا هذا الفهم الخاطئ ضلوا وأضلوا. وهكذا كذلك لما قالوا: قالوا إذا كنا العبد فعله غير مخلوق لله جل وعلا، إذا كنا فعل العبد مخلوق لله جل وعلا، إذن العبد مجبور. إذن العبد مجبور. فإذا قلنا بهذا قلنا بقول الجبرية، والعبد ليس بمجبور، بل هو مختار. فإذن ماذا نفعل؟ قالوا: نجعل فعل العبد مخلوقا للعبد، ليس من خلق الله. هل تعطي لعموم خلق الله جل وعلا؟ فينظروا في مرتبة المشيئة ومرتبة الخلق. الجبرية غلوا في إثبات الإرادة الكونية، فقالوا بالجبر. والمعتزلة غلوا في إثبات الإرادة الشرعية، فقالوا بأن العبد يخلق فعل نفسه، وبأن مشيئة العبد مستقلة غير تابعة لمشيئة الله. وأهل السنة والجماعة جمعوا بين النصوص الواردة، بين الإرادتين الكونية والشرعية. لأن كلام الله جل وعلا كله حق، وحديث النبي عليه السلام كلها حق وصواب، لكن تحتاج إلى جمع بينها وفهم صحيح. أما الجبرية فنظروا بعين عوراء، والمعتزلة بالعين الأخرى. كل واحد بعين، هؤلاء بعين وهؤلاء بعين. كل واحد نظروا في نصوص معينة. أهل السنة نظروا في نصوص كلها الواردة في إرادة الكونية وفي إرادة الشرعية، وعلموا أن كلام الله لا يتناقض. ولو كان من عنده غيره إلا لوجده فيه اختلافا كثيرا. لكن كيف يفهم؟ يفهم بفهم السلف. فهم السلف أن الإرادة الكونية شاملة لكل ما قضاه الله وقدره، ولا يلزم ذلك أنه يحبه. والإرادة الشرعية هي عليها الجزاء والثواب، وأنت ما أمرت بفعل الطاعات واجتناب المعاصي. وهكذا أيضا يحتاج إلى مزيد ضبط. قد انتهى الوقت، إن شاء الله نكمل في هذا في درسنا اللاحق. صلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.