التعليقات على كتاب الأدب المفرد 266

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 266، ألقاها

جواز الإخبار عن الكسل والحث على قيام الليل

يتناول هذا الفصل جواز إخبار الشخص عن كسله مع التشديد على أهمية المحافظة على قيام الليل كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم. استدل الإمام البخاري بحديث عائشة لبيان محافظة النبي على قيام الليل حتى في حالات المرض أو الكسل.

التعوذ من الكسل وأسبابه وعلاجه

يشدد هذا الفصل على أهمية التعوذ بالله من الكسل، ويعرف الكسل بترك الشيء مع القدرة على فعله، ويشير إلى أن المحافظة على قيام الليل وصلاة الفجر من أسباب النشاط. ينبغي للمسلم أن يتعوذ بالله من الكسل لما له من آثار سلبية.

أهمية استغلال بداية اليوم والاستعاذة من الكسل وغيره

يركز هذا الفصل على أهمية استغلال بداية اليوم وحرص السلف الصالح مثل عبد الله بن مسعود على ذكر الله منذ الصباح. كما يستعرض استعاذة النبي صلى الله عليه وسلم من أمور متعددة تشمل الكسل والعجز وغيرها مما يعيق المسلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على شفيع الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه الأذب المفرد: باب قول الرجل إني كسلان. قال حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا شعبة، عن يزيد بن خمير، قال سمعت عبد الله بن أبي موسى، قال قالت عائشة: لا تدع قيام الليل، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يذره، وكان إذا مرض أو كسل صلى قاعدا. وهذا الحديث صحيح. فهذا الباب بوبه الإمام البخاري رحمه الله بقوله: باب قول الرجل إني كسلان، أي جواز إخبار الشخص عن نفسه أنه كسلان، أي إذا أصابه كسل وترك عمل شيء كان يعمله مع قدرته عليه، فأخبر بذلك عن نفسه، فإن ذلك جائز، على أنه ينبغي للمسلم أن يحرص أن يتغلب على الكسل، ويتخذ الأسباب التي تعينه على النشاط. ومنها، كما سيأتي، التعوذ من الكسل والمحافظة على الفرائض. وذكر في هذا الباب هذا الحديث أن عبد الله بن أبي موسى، قالت له عائشة: لا تدع قيام الليل، أي احرص على قيام الليل وحافظ عليه. فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يذره، يعني لا يتركه، كان يواظب ويحافظ عليه. وكان إذا مرض أو كسل صلى قاعدا، أي من شدة محافظته على قيام الليل لا يتركه حتى عند المرض، لو مرض وشق عليه القيام صلى قاعدا ولم يترك قيام الليل، أو أصابه الكسل فإنه يصلي قاعدا. وفي هذا جواز صلاة الليل قاعدا، والقيام في صلاة النافلة مستحب، ليس بواجب. فلو صلى الإنسان النافلة قاعدا مع قدرته على القيام، فهذا جاز، لكن إذا كان بغير سبب فإنه يتحصل على نصف الأجر. وإن كان لمرض فإنه إن شاء الله يتحصل على الأجر كاملا. والشاهد قولها: وكان إذا مرض أو كسل، ففي جواز الإخبار الإنسان عن نفسه أنه كسلان. قال باب من تعوذ من الكسل، قال حدثنا خالد بن مخلد، قال حدثنا سليمان بن بلال، قال حدثني عمر بن أبي عمر، قال سمعت أنس بن مالك يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: ﴿اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وضلع الدين وغلبة الرجال﴾. والحديث صحيح، وهو في صحيح الإمام البخاري. وهذا الحديث بوب عليه رحمه الله بقوله: باب من تعوذ من الكسل، ففيه أنه ينبغي للمسلم أن يتعوذ من الكسل، أن يتعوذ بالله جل وعلا من الكسل. والكسل هو ترك الشيء مع القدرة على فعله، ترك الشيء وعدم القيام به مع القدرة على فعله. والعجز هو عدم القيام بالشيء لعدم القدرة عليه، فالكسل مما ينبغي أن يستعيذ منه الإنسان، وهكذا أيضا العجز، وأن يستعين بالله جل وعلا أن يعينه على التقوى والنشاط في فعل الطاعات والعبادات. وهكذا يحرص دائما على أن يكون نشيطا. ومن أسباب النشاط المحافظة على قيام الليل، أن يحرص على قيام الليل ولو كان شيئا يسيرا، ولو أن يؤتر في آخر الليل ويستمر على ذلك. فإن هذا مما يعطيه نشاطا، والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر «أن الشيطان يعقد على رأس الإنسان ثلاث عقد، يضرب على كل عقدة منها: عليك ليل طويل فارقد، فإذا قام فذكر الله انحلت عقده، فإذا توضأ انحلت عقده، فإذا صلى ركعتين انحلت عقده، فأصبح نشيطا طيب النفس، أو أصبح خبيث النفس كسلان». فالقيام من النوم وذكر الله والتوضؤ والصلاة، فهذه مما تزيل الكسل عن الإنسان وتعطيه النشاط. كذلك المحافظة على صلاة الفجر، المحافظة عليها كذلك سبب لحصول النشاط. فإن أول نهار الإنسان يتبعه آخره، فإذا كان في أوله نشيطا فإنه كذلك سينشط في بقية اليوم. وإن أصبح في أوله كسلان فإنه كذلك سيكسل في بقية يومه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أصبح خبيث النفس كسلان». وكما قال بعض السلف: «يومك مثل جملك، إن أمسكت أوله ملكت آخره»، يعني إن استغللت يومك من أوله بالطاعة والعبادة فإنك ستملك آخره وتستغل يومك كله فيما ينفعك. وإن أضعت أوله فإنك ستضيع آخره، ويذهب عليك هذا اليوم من غير أن تنتفع به. وهذا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أتى إليه شقيق بن سلمة بعد الفجر فاستأذن عليه فأذن له، فتأخر الشقيق عن الدخول، فلما دخل سأله عبد الله بن مسعود عن سبب تأخره. فقال له: خشيت أن يكون أحد أو أن تكون نائما أو أحدا نائما. فقال له عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أتظن أن في آل محمد غفلة؟ ثم جلس يذكر الله حتى طلعت الشمس، ثم قال رضي الله تعالى عنه: «الحمد لله الذي أقالنا يومنا هذا ولم يؤاخذنا بذنوبنا». هكذا رضي الله تعالى عنه حكم على هذا اليوم بهذا الأمر، مع أنه في أول اليوم. فقال: «الحمد لله الذي أقالنا يومنا هذا ولم يؤاخذنا بذنوبنا»، لماذا؟ لأنه قد استغل أوله، وإذا ملك أوله ملك آخره. فلذلك ينبغي للمسلم أن يحرص على استغلال أول يومه، فإنه إن كان نشيطا في أوله نشط في بقيته، وإن كسل في أوله فإنه سيكسل في بقية يومه. فذكر رحمه الله في هذا الباب حديث أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان يكثر أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وضلع الدين وغلبة الرجال». فكان يستعيذ عليه الصلاة والسلام من هذه الأمور. والهم والحزن قرينان، فالهم يكون في الأمور المستقبلة التي يتوقع الإنسان حدوثها فيصيبه الهم بسببها. والحزن هو التألم على ما قد وقع في الماضي. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله جل وعلا من الهم والحزن. والعجز والكسل، قلنا العجز عدم القيام بالشيء لعدم القدرة عليه. والكسل ترك القيام بالشيء مع القدرة عليه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم كذلك يستعيذ منهما. والجبن والبخل كذلك، الجبن والبخل قرينان، فالجبن هو ترك ما يجب على الإنسان من أفعال تتعلق بالشجاعة، والبخل هو ترك ما يجب على الإنسان من الإنفاق في سبيل الله. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله جل وعلا من الجبن والبخل، لأنهما يمنعان من فعل ما فيه خير. وضلع الدين يعني ثقل الدين وشدته، فالدين قد يكون ثقيلا على الإنسان لأنه يتحمل أموال الناس وحقوق الناس، وربما يطالبه صاحب الحق بماله وهو لا يجد ما يعطيه. فيثقله الدين، فكان صلى الله عليه وسلم يستعيذ من ضلع الدين. وغلبة الرجال، يعني أن يعتدوا عليه ويقهروه. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ من كلا الأمرين: ضلع الدين وغلبة الرجال. والشاهد من هذا الحديث قوله: «والعجز والكسل»، فكان يستعيذ عليه الصلاة والسلام من العجز والكسل. وكذلك ينبغي للمسلم أن يستعيذ بالله جل وعلا من العجز والكسل. والله تعالى أعلم.

شاركنا على