التعليقات على كتاب الأدب المفرد 234

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 234، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضل الدعاء وأثره العظيم

يُبين الحديث النبوي فضل الدعاء وأجر الداعي إذا كانت دعوته خالية من الإثم وقطيعة الرحم، حيث يُعطى إحدى ثلاث: تعجيل الدعوة أو ادخارها للآخرة أو دفع السوء بمثلها. هذا يدل على أهمية الدعاء في حياة المسلم.

شروط استجابة الدعاء وثمار الاستمرار فيه

الدعاء عبادة لها شروط لاستجابتها مثل تجنب الإثم وقطيعة الرحم وتطهير المطعم والملبس وعدم الاستعجال. الاستمرار في الدعاء يظهر ضعف العبد وحاجته إلى ربه، مما يزيد من فرص استجابة الله للدعاء.

أهمية الإلحاح في الدعاء وآدابه

يُشدد الحديث على أهمية الاستمرار في الدعاء وعدم الاستعجال في الإجابة، حيث يُعتبر الاستعجال وترك الدعاء سوء أدب مع الله. الإلحاح في الدعاء يدل على الفقر والضعف والحاجة إلى الله، مما يعزز فرص استجابة الدعاء.

  • 24 جمادى الآخرة 1432هـ - 27/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البقاء رحمه الله في كتابه الأدب المفرد، باب ما يدخل للداعي من الأجر والثواب. قال حدثنا إسحاق بن نصر، وهو إسحاق بن إبراهيم بن نصر البخاري، وينسبه البخاري إلى جده نصر، قال حدثنا حماد بن أسامة، أبو أسامة، عن علي بن علي، وهو من نجاد، أبو إسماعيل البصري، قال سمعت أبا المتوكل الناجي، وهو علي بن داود، قال أبو سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يدعو ليس بإثم ولا بقطيعة رحم إلا أعطاه إحدى ثلاث، إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يدفع عنه من السوء مثلها»، قال إذا نكثر، قال الله أكثر. والحديث صحيح، وقد رواه الإمام الترمذي رحمه الله من حديث عبادة بن الصامت. وفي هذا الحديث يخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن ما من مسلم يدعو، يعني يدعو الله سبحانه وتعالى بدعوة، وهذه الدعوة التي دعا بها ليس بإثم ولا بقطيعة رحم، يعني ليس فيها إثم معصية أو شيء محرم مما يأثم به الإنسان، وهكذا كذلك ليس فيها قطيعة رحم. وذكر قطيعة الرحم بعد الإثم هو من ذكر الخاص بعد العام، لأن الإثم يشمل كذلك قطيعة الرحم، ولكن خصت بالذكر للتنبيه عليها، والمراد بها ما يحصل من القطيعة والهجران مع الأرحام والأقارب. قال إلا أعطاه إحدى ثلاث، يعني إذا دعا المسلم بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، أعطاه الله سبحانه وتعالى إحدى ثلاث. قال إما أن يعجل له دعوته، أن يجيب الله سبحانه وتعالى دعاءه بأن يعجل له دعوته، يعطيه ما دعا. قال وإما أن يدخرها له في الآخرة، أن يجعلها الله سبحانه وتعالى له مكرمة وفضل في الآخرة. قال وإما أن يدفع عنه من السوء مثلها، هذا الأمر الثالث، أن الله سبحانه وتعالى يدفع عنه من السوء والبلاء بما يقابل هذا الدعاء الذي دعا به. قال إذا نكثر، يعني الصحابة لما سمعوا ذلك قالوا إذا نكثر، يعني من الدعاء، فقال النبي عليه الصلاة والسلام الله أكثر، أي الله سبحانه وتعالى أكثر إجابة، فمهما دعوت الله سبحانه وتعالى وأكثرت من الدعاء، فالله سبحانه وتعالى يجيبك. وقيل الله أكثر، أي فضل الله سبحانه وتعالى أكثر، وكرم الله سبحانه وتعالى واسع، وهو قد يعطيكم أكثر من دعائكم. ففي هذا الحديث كما سمعنا أن ما من داعي دعا الله سبحانه وتعالى بدعوة، لكن يُشترط في هذه الدعوة أن لا يكون فيها مانع من موانع الدعاء، ومنها ما في هذا الحديث أن لا تكون بإثم أو قطيعة رحم. ومنها كذلك أيضا أن يكون هذا الداعي ممن أطاب مطعمه وملبسه، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الذي يدعو الله سبحانه وتعالى وهو سيء المطعم والملبس لا يستجاب له، كما في حديث أبي هريرة في مسلم. وكذلك أيضا أن لا يستعجل في إجابة الدعاء، فينقطع عن الدعاء ويقول الله جل وعلا لم يستجب لي، فإن هذا كذلك من موانع إجابة الدعاء. وكذلك أيضا الصدق والإخلاص في الدعاء، فإن ذلك أيضا سبب لاستجابة الدعاء. فإذا دعا الله سبحانه وتعالى وخلى دعاءه من موانع إجابة الدعاء، فليعلم أن الله سبحانه وتعالى يُعطيه إحدى ثلاث، إما أن يُعجل له دعوته فيجيبه ويعطيه ما دعا وما سأل، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها. وعلى هذا فإنه يستمر في الدعاء ولا ينقطع، يستمر في الدعاء ويلح ولا ينقطع. ولهذا أورد رحمه الله هذا الحديث الذي بعده الذي يدل على ذلك. قال حدثنا ابن شيبة، وهو عبد الرحمن بن عبد الملك، قال أخبرني ابن أبي الفديك، وهو محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي الفديك، قال حدثني عبد الله بن موهب، ويقال عبيد الله بن موهب، قال فيه الحافظ ليس بالقوي، عن عمه عبيد الله، وهو عبيد الله بن عبد الله بن موهب، وهو مقبول، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مؤمن ينصب وجهه إلى الله يسأله مسألة إلا أعطاه إياها، إما عجلها له في الدنيا، وإما ذخرها له في الآخرة، ما لم يعجل»، قال يا رسول الله وما عجلته؟ قال يقول دعوت ودعوت ولا أراه يستجاب لي. والحديث بهذا السند ضعيف، لكنه حسن أو صحيح في الشواهد. والقطع الأخير منه في قوله ما لم يعجل جاءت في الصحيحين. وفيه كذلك ما مر في الحديث الذي قبله أن من دعا الله سبحانه وتعالى إلا عجل الله عز وجل له ما طلب في الدنيا، أو أذخرها له في الآخرة. قال ما لم يعجل، يعني ما لم يستعجل في إجابة الدعاء. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم يستجاب لأحدكم ما لم يعجل. قالوا يا رسول الله وكيف الاستعجال؟ قال يقول دعوت دعوت فلم يستجب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء. فبين النبي عليه الصلاة والسلام أن من أسباب إجابة الدعاء كذلك عدم الاستعجال في الإجابة، بل يستمر ويلح على الله سبحانه وتعالى في الدعاء. لأن الاستعجال في الإجابة وترك الدعاء فيه سوء أدب مع الله سبحانه وتعالى، وهو كذلك كأنه يمن على الله أعطني أو استجب دعائي، فإن لم تفعل فلا حاجة لي بالدعاء. ولا شك أن هذا من سوء الأدب مع الله سبحانه وتعالى. فاستمرار العبد بالدعاء وإلحاحه على ربه جل وعلا مما يدل على فقره وضعفه وحاجته إلى ربه سبحانه وتعالى، ولجوئه إليه. فلذلك يستمر ويلح على ربه جل وعلا في الدعاء، ولا يستعجل الإجابة، فهو كما مر معنا إما أن يعطى ما سأل في الدنيا، وإما أن تدخر له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها. فيستمر في دعاءه، فهو فقير إلى ربه سبحانه وتعالى، ويظهر من ضعفه وعجزه وحاجته إلى ربه جل وعلا، مما يكون سببا لإجابة الله عز وجل له دعاءه. والله تعالى أعلم.