شرح الجوهرة الفريدة 72

الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 72، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

مفهوم العين والحسد وأثرهما

العين حق وقد تؤثر على الناس، والحسد أثره خطير وقد يقع من نفس شريرة. وردت أحاديث نبوية تؤكد وجود العين وتأثيرها.

علاج العين بالاغتسال والرقية الشرعية

علاج العين يكون بالاغتسال من وضوء العائن أو بالرقية الشرعية، وقد وردت في ذلك أحاديث نبوية صحيحة. الرقية تكون جائزة إذا توفرت فيها شروط معينة.

شروط الرقية المشروعة وطريقة التنفيث

الرقية المشروعة جائزة بإجماع أهل العلم إذا توفرت فيها ثلاثة شروط، وتكون لدفع البلاء أو رفعه. القراءة والتنفيث طريقة مميزة في الرقية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال مؤلف كتاب، رحمه الله تعالى: والعين حق، وبالمقدور ثورتها، وليغتسل العائن منها. لمن يجد ذكر ذلك، رحمه الله تعالى، في هذا البيت أن العين حق، وهو إصابة العين غيره بعينه، يرى شيئا يعجبه فينظر إليه بنظرة لا ينبغي أن ينظر بها، فيصاب ذلك بالعين، هذا حق وشيء قد قضاه الله عز وجل. حتى قال النبي، عليه الصلاة والسلام، كما جاء في حديث عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما: «العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا». ففي هذا الحديث يبين نبينا، عليه الصلاة والسلام -والحديث في صحيح مسلم، وصححه العلامة الألباني، رحمه الله، في الصحيحة- أن العين حق بقدر الله جل وعلا، حتى إنه لو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين. ومن استغسل، أي طلب منه أن يغتسل، فليغتسل؛ لأن علاج العين أن يتوضأ العائن أو يغتسل العائن، يعني الذي أصاب غيره بعينه، ثم يغتسل ذلك المعين. كما جاء في حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، قالت: «كان رسول الله، عليه الصلاة والسلام، يأمر العائن بأن يتوضأ، ثم يغتسل منه المعين». المعين، أي المصاب بالعين. وجاء في «موطأ مالك»، رحمه الله، كيفية ذلك، صححه العلامة الألباني، رحمه الله تعالى، وهو أن يتوضأ العائن الذي أصاب غيره بعينه، ثم بهذا الماء يرش أطراف ثوب المعين من الداخل، مما يلي الجسد. إذا كان قميصا، يرش من الداخل، ثم يلبسه المعين، أي المصاب بالعين. فهذه طريقة ذكرت بأثر في «موطأ مالك»، رحمه الله. فالشاهد أن العين حق، وفي قصة عامر بن ربيعة، رضي الله تعالى عنه، مع سهل بن حنيف، رضي الله تعالى عنه، حين اغتسل سهل بن حنيف، فرآه عامر بن ربيعة، وكان سهلا شديد البياض، فأصاب عامر بعينه سهلا. فالنبي، عليه الصلاة والسلام، لما علم بذلك، قال: «إذا رأى أحدكم من أخيه شيئا يعجبه في ماله أو في نفسه فليبركه». يعني إذا رأيت شيئا في أخيك أعجبك، لا تنظر إليه بنظرة استعجاب، تعجب، لا، وإنما قل: بارك الله، ماشاء الله. فربما تنظر في أخيك نظرة إعجاب بما رأيت من بياض جسده، مثلا، أو كذلك من حسن ثوبه الذي يلبسه، أو ما يركب من سيارة فاخرة جديدة، فربما تنظر فيها فتصيب هذه السيارة بعينك، فربما تعطل المكينة. وقد حكى بعض الناس للشيخ الألباني، رحمه الله تعالى، وهو يتكلم عن العين وما يتعلق بها، وهذا طبيب كان يقول للشيخ الألباني: سيارة جديدة أخذتها، ما وصلت البيت إلا والمكينة قد تعطلت. قال: رأيت شخصا نظر إليها. فقال الشيخ الألباني: عجيب هذا. قال: مجرد ما نظر، ما وصلت إلى البيت إلا والمكينة قد تعطلت. قال الشيخ الألباني، رحمه الله: أذكر لك أعجب من هذا. ذكر الشيخ الألباني، رحمه الله تعالى، بعد ذلك أن أخا له كان في ألبانيا، كان له صديق قوي في العين، قوي في العين. قال: فكان يأتي إلى أخي الشيخ الألباني فيقول له: يلا بينا نذهب نصطاد. قال الشيخ الألباني: كانت بيوتنا في ألبانيا ما من بيت إلا وحوله حوش، ما يمكن للمرأة أن تنظر من يمر في الشارع، لابد أن يكون هناك سور بجنب البيت، حيث إن المرأة لا يمكن أن تطلع. قال: بخلاف دور البيوت اليوم، تطلع المرأة من النافذة وترى من في الشارع. قال: هذا كان غير موجود، كل بيت عليه حوش لا يمكن للمرأة أن تنظر من في الشارع؛ لأن السور هذا يحجز الرؤية، رؤية من في الشارع. وفي هذا كان يجعلون الزراعة، وكانت بلادهم تشتهر بزراعة العنب. قال: فيكون عليها العنب. قال: ففي حال القطاف يأتي هذا صديق أخي يقول: نذهب نصطاد، هم يصطادون العنب. قال: فيأتون حين وقت القطاف والعنب قد تدلى على البيوت. قال: بمجرد أن ينظر نظرة، كأنما قطعه بالسكين. ينظر نظرة كأنه قطعه بالسكين. وهكذا يصطاد بعينه، يعني هذا شيء عجيب، يعني عند الناس قوة العين، ينظر في العذق من العنب كأنما قطعه بالسكين. فسبحان الله، فهذا حق، فالعين حق. قد ذكر وذكر لنا في هذه البلاد أن بعض الناس كانوا يمتازون بهذه العين، يعني ينظر بعين ويتكلم، سبحان الله، ما أسرع التأثير. حتى ذكروا أن رجلا هنا كان قوي في العين، فذكروا عنه مرة أنه كان قد أتى بالصيد من السوق -تعلمون في قبل سنوات ما كان الصيد في الأكياس وإنما كان في الخوصة- في خوصة وتأخذها إلى البيت. فقالوا: كان معه بيده الصيد، وباليد الأخرى حزمة من حطب. فجاءت الحدأة وأخذت عليه الصيد. فقال: سبحان الله، كبحها. وهو مميز بهذا. فالشاهد هنا المؤلف يقول: والعين حق، وهذا حاصل. فالإنسان لا ينظر بنظرة عين معها شيء من الطمع وشيء من الحسد، لا، إذا عجبك شيء كما قال: فليبركه، قل: بارك الله، ماشاء الله. أما أن تنظر بهذه النظرة، فهذه النظرة -والعياذ بالله- فيها طمع، وفيها حسد شديد على من نظرت إليه. حتى بالغ بعضهم فقال: هي أشد عليه من عضة الأسد. فقال: عضة أسد، ولا نظرة حسد؛ لشدتها على الناس. لكن قالوا: بالمقدور ثورتها، يعني كل شيء بقدر الله، لا يمكن أن يصاب أحد بعين أحد إلا بقدر الله سبحانه وتعالى. فالعين حق، ولكن وقوعها بقدر الله سبحانه وتعالى. ولذلك النبي، عليه الصلاة والسلام، يقول: «لا رقية إلا من عين أو حمة». فخص الرقية من العين والحمة؛ وذلك لحاجة الناس لهذه الرقية، لعموم الابتلاء بها. وقوله، عليه الصلاة والسلام: «لا رقية إلا من عين أو حمة»، يعني أشفى وأكمل. وبعض العلماء قال: لا تجوز الرقية إلا من العين أو الحمة. ولكن صح جواز الرقية من العين أو الحمة أو غير ذلك كما دلت الأدلة، لكن «لا رقية إلا من عين أو حمة»، يعني أكمل وأشفى. وبعض العلماء قال: لا رقية إلا من عين أو حمة، يعني هذه لا تنافي صفات السبعين ألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. أما طلب الرقية من غير العين والحمة، فينافي تحقيق صفات السبعين ألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. الشاهد في ذلك أقوال. فإذا النبي، عليه الصلاة والسلام، يقول: «لا رقية إلا من عين أو حمة». وكان كذلك أمر بالاسترقاء من العين، كما جاء عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، قالت: قال لي رسول الله، عليه الصلاة والسلام: «استرقي من العين». فكل هذه النصوص تدل على أن العين حق، وقضى الله جل وعلا ذلك وقدره. وهذا جاء عن النبي، صلى الله عليه وسلم، مرفوعا، عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، قال: «العين حق». العين حق، يعني وقوعها بقدر الله سبحانه وتعالى. وليغتسل العائن منها لمن يجد هذا العلاج، أن يتوب العائن أو يغتسل، ثم بعد ذلك يغتسل ذلك المعين من ذلك الماء. وطريقة أخرى أن يبلل ثوب المعين من الداخل، ويلبسه المعين، كما جاء في «موطأ مالك»، رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: باب حكم الرقى والتعاليق. ثم الرقى إن تكن بالوحي دون تصرف ولا صرف قلب، ليس ينتقد. وللصحابة خلاف في تعليق آي الكتاب. وورد للنبي، صلى الله عليه وسلم، يرد. والمنع أولى. فأما ما عداه فلا خلاف في منعه؛ إذ فيه مستند. قال رحمه الله تعالى: باب حكم الرقى والتعاليق، الرقى جمع رقية، وهي القراءة. والرقية ما تضمنت قراءة ونفثا ومسحا. هذه الرقية تضمن قراءة ونفثا ومسحا. الرقى والرقى على نوعين: جائزة، وغير جائزة، شرعية، وغير شرعية، ومنها شركية، وليست بشرك، بل جائزة، ومختلف فيها. إذن على ثلاث أنواع: الرقى على ثلاث أنواع: رقى شركية، ورقى غير شركية جائزة، ورقى كذلك غير شركية، لكن الصحيح أنها ممنوعة؛ لأنه حصر فيها خلاف. وهكذا فيما يتعلق بالتمائم كما سيأتي. والرقى المشروعة تكون مشروعة بإجماع إذا تضمنت ثلاثة شروط، كما ذكر ابن حجر، رحمه الله تعالى، والسيوطي. قالوا: الرقية جائزة بإجماع عند توفر ثلاثة شروط. الشرط الأول: أن تكون بكلام الله، أو بأسمائه، أو صفاته. الشرط الثاني: أن تكون باللسان العربي، أو بما يفهم معناه. الشرط الثالث: أن لا يعتقد أنها مؤثرة بذاتها. هذه ثلاثة شروط إذا توفرت صارت الرقية مشروعة بإجماع أهل العلم. ومنهم من زاد شرطا رابعا: وهو أن لا تكون شركا، أن لا يكون فيها شيء من الشرك. وبعض أهل العلم زاد شرطا خامسا: وهو أن لا تكون على يد ساحر، ولا كاهن، يعني لا تكون الرقية يرقيها ساحر، ولا يرقيها كاهن، ولا يرقيها مشعوذ؛ لأن النبي، عليه الصلاة والسلام، نهى عن الإتيان إلى الكهان وسؤالهم. فهذه الشروط تكون الرقى جائزة. والرقى الشرعية الجائزة على نوعين: لدفع البلاء قبل وقوعه، ولرفع البلاء بعد وقوعه. فأدلة الرقية الجائزة لدفع البلاء قبل الوقوع ما جاء في الصحيحين عن ابن عباس، رضي الله عنهما، أن النبي، عليه الصلاة والسلام، كان يعوذ الحسن والحسين بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة. فهذه رقية يرقيها النبي، عليه الصلاة والسلام، يرقي بها الحسن والحسين لدفع البلاء قبل الوقوع. وهكذا دليل هذه الرقية المشروعة ما جاء في حديث خولة بنت حكيم، رضي الله تعالى عنها، في صحيح الإمام مسلم، رحمه الله، أن النبي، عليه الصلاة والسلام، قال: «من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك». وهكذا دليل هذه الرقية المشروعة لدفع البلاء قبل وقوعه ما ثبت عنه، عليه الصلاة والسلام، كما في حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، أن النبي، عليه الصلاة والسلام، كان إذا أوى إلى فراشه جمع كفيه، فنفث فيهما بالإخلاص والمعوذتين، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما من رأسه، ثم ما استطاع من جسده. فهذه النصوص والأحاديث فيها دلالة على الرقية المشروعة التي تكون لدفع البلاء قبل الوقوع. والنوع الثاني: رقية مشروعة لرفع البلاء بعد الوقوع، يعني بعد أن يقع البلاء. دليل هذا ما جاء في صحيح الإمام مسلم، رحمه الله، عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، أن النبي، عليه الصلاة والسلام، كان إذا اشتكى رقاه جبريل. فقال: «بسم الله يبريك، من كل داء يشفيك، ومن شر حاسد إذا حسد، ومن شر كل ذي عين». هكذا كان يرقي جبريل، عليه السلام، نبينا محمدا، عليه الصلاة والسلام، بهذه الرقية بعد وقوع البلاء لرفعه. وهكذا ثبت عنه، عليه الصلاة والسلام، أنه كان إذا مرض أحد من أهله رقاه بالمعوذتين. وقالت عائشة: فلما توفي، عليه الصلاة والسلام، أو مرض في مرضه الذي توفي فيه، كنت أقرأ عليه بالمعوذتين وأمسح بيد نفسه على جسده؛ لأنه أعظم بركة من يدي. وأقر النبي، عليه الصلاة والسلام، أبا سعيد الخدري، كما في صحيح مسلم، حين رقى سيد القوم الذي لدغ، فجعلهم يقطعون من الغنم؛ لأنهم في أول أمرهم امتنعوا عن ضيافتهم، ثم لدغ سيد القوم، فجاءوا إليهم. فقالوا: هل فيكم من راق؟ قالوا: نعم. حتى أخذوا قطيعا من الغنم. فجاء أبو سعيد الخدري، رضي الله عنه، ومن معه من الصحابة، فقرأ على سيد القوم بفاتحة الكتاب، فقام سيد القوم كأنما نشط من عقال. فأقره النبي، عليه الصلاة والسلام، حتى قال: «أضرب لي بسهم». فهذه كذلك أدلة تدل على هذه الرقية المشروعة التي تكون لرفع البلاء بعد الوقوع. قال: هل النفس على الكفين قبل قراءة المعوذتين أو بعدها؟ لا يقرأ ثم ينفث، يقرأ ثم ينفث. والله أعلم. الحمد لله رب العالمين.