شرح السنة للإمام البربهاري 3

شرح السنة للإمام البربهاري 3

الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية التمسك بالجماعة في الإسلام

يشرح المؤلف أهمية لزوم الجماعة في الإسلام مستدلاً بالأحاديث النبوية، ويوضح أن مفارقة الجماعة تعتبر عملاً خطيرًا. يؤكد على ضرورة التمسك بالجماعة الواحدة وعدم مفارقتها.

معنى الجماعة وتعدد الجماعات

يؤكد الشيخ على أهمية التمسك بالجماعة الواحدة مستدلاً بالأحاديث النبوية، ويحذر من تعدد الجماعات وفرق المسلمين معتبرًا ذلك ظاهرة مرضية. يشدد على أهمية اجتماع المسلمين تحت جماعة واحدة.

منهج السلف ودعوة الأنبياء

يلخص المقطع منهج السلف الصالح ودعوة الأنبياء والرسل، ويؤكد على أهمية اتباع هذا المنهج. يسأل المتحدث الله أن ينفعهم بما قاله ويختم بالصلاة على النبي محمد.

  • 10 جمادى الأولى 1446هـ - 11/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال إمام البربهاري رحمه الله تعالى: اعلموا أن الإسلام هو السنة والسنة هي الإسلام، ولا يقوم أحدهما إلا بالآخر. ومر معنا إخواني في الله ما يتعلق بمعنى السنة التي هي موازية للإسلام، وهي السنة الكاملة لتجتمع على قول والأعمال والاعتقادات. المؤلف رحمه الله تعالى أراد من هذه العبارة أن يبين منزلة السنة وأن السنة هي الإسلام، فكما أن الإسلام يعظم في النفوس وينقاد له، وكذلك السنة ينقاد لها. ولهذا بعدما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى هذه الفقرة قال رحمه الله: فمن السنة، أي إذا علمت أن السنة هي بمنزلة الإسلام فاعلم أن السنة تدعو إلى هذه الأمور. قال رحمه الله تعالى: فمن السنة لزوم الجماعة، فمن رغب غير الجماعة وفارقها فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه وكان ضالًا مضلًا. أراد المؤلف رحمه الله تعالى من هذه الفقرة أن يبين أن السنة دلت على أهمية الجماعة وعلى ضرورة لزومها. ومن تأمل إخواني في الله في الأحاديث الدالة على أهمية الجماعة يرى كيف أن الجماعة لها المنزلة العظيمة في دين الله. والجماعة كما يقول العلماء تأتي في اصطلاح الشرع تارة بمعنى الجماعة الصغرى وهي جماعة المصلين، وتأتي بمعنى الجماعة الكبرى وهي جماعة عامة المسلمين. والمؤلف رحمه الله تعالى يقصد بالجماعة الثانية المتعلقة بعموم المسلمين، وهي تساوي الجماعة الكبرى لزوم الجماعة الكبرى. يدل إخواني في الله الأحاديث الدالة على لزوم الجماعة، أي الجماعة الكبرى وجماعة المسلمين كثيرة جدًا، منها ما هو في الصحاح ومنها ما هو خارج الصحيح، كقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة». والمؤلف رحمه الله في قوله: «فمن رغب غير الجماعة وفارقها فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه» إشارة إلى بعض الأحاديث الدالة على هذا اللفظ. كما ثبت ذلك في مسند الإمام أحمد من حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «من فارق الجماعة شبرًا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه». وجاء كذلك من حديث الحارث الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه حتى يرجع». فهذه الأحاديث من فارق الجماعة شبرًا أو قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه هو بمثل ما قال المؤلف رحمه الله تعالى في قوله: «فمن رغب غير الجماعة وفارقها فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه». ما معنى الربقة في قول المؤلف وكذلك في الحديث؟ قال الإمام الخطابي رحمه الله تعالى: كان في كتاب معالم السنن، قال رحمه الله تعالى: الربقة ما يجعل في عنق الدابة كالطوق يمسكها لئلا تشرد. تعلمون أن الرجل من كان يرعى الغنم فإنه يجعل في عنق الدابة التي يقوم برعيها والعناية بها يجعل عليها طوق في رقبتها ويمسك بطرفه. وهكذا الجماعة، الجماعة عبارة عن ربقة كالطوق يكون في عنق كل فرد، فمتى ما تمسك الناس بالجماعة فإنهم لا زالوا في حياض الإسلام، ومتى ما خرجوا من هذه الربقة وفلتوها وخرجوا من أعناقهم فإنهم ذهبوا يمنة ويسرى، فحينها لا تأمن من أحوالهم ولا تأمن من شرهم ومن مكرهم، بل وكذلك من سوء خاتمتهم. ثم تأتي مسألة قول نبينا عليه الصلاة والسلام: «من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه»، هل معنى ذلك أن من خرج عن الجماعة يعد كافرًا؟ العلماء والمعتمد عند أهل السنة والجماعة أن هذا لا يستلزم منه التكفير، وإنما قال العلماء: قوله عليه الصلاة والسلام: «فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه» أي أنه فعل أمرًا عظيمًا. وأنبه إخواني في الله على مسألة وهي أن من تأمل وتمعن في الأحاديث المروية في ضرورة التمسك بالجماعة تنبه إلى أمر ما، وهو أن جميع الأحاديث المروية في هذا الباب تأتي بلفظ الجماعة. قال عليه الصلاة والسلام: «لا يحل دم المرء المسلم في آخر حديث التارك لدينه المفارق للجماعة»، وفي حديث أبي ذر، وفي حديث الحارث الأشعري قال عليه الصلاة والسلام: «من فارق الجماعة». وجاء كذلك من حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «الجماعة رحمة». وهكذا في قوله عليه الصلاة والسلام: «عليك بجماعة المسلمين». تنظر يا عبد الله وتلاحظ أن لفظ الجماعة التي وردت فيها السنة عبارة عن جماعة واحدة. وبهذا نعلم خطأ وغلط بعض الناس ممن يرى أن الإسلام يحتوي على عدة جماعات، الإسلام ما يحتوي على عدة جماعات، الإسلام يحتوي على جماعة واحدة وهي الجماعة الأم. وما سواها من جماعات ليس لها وجود. فما نسمعه من بعض الحركيين ومن بعض الدعوات ما يسمى بجواز تعدد الجماعات هذا ليس له وجه من النظر. لا يقال بهذا أو ما يقول بعض الناس أن تعدد الجماعات ظاهرة صحية، لا تعتبر ظاهرة صحية، ظاهرة مرضية. ما يتكون أبدًا أن لما تكون جماعات هنا جماعة وتلك جماعة وتلك جماعة، ذاك بتيار وفكر وقائد، وهذا بتيار وفكر وقائد، وهذا بتيار وفكر وقائد، ثم بعد ذلك ينتشرون بين أوساط المسلمين، هذا يحزب على ذاك وهذا يحزب على ذاك. متى يكون ذلك ظاهرة صحية؟ لا يقول بهذا إلا من لم يتفقه بفقه الكتاب والسنة. وإلا من تأمل في أحاديث السنة النبي عليه الصلاة والسلام يأمر بأن يكون الناس جماعة واحدة. بل إن تعدد الناس إلى الجماعات هذا هو المرض الذي دب في الأمة وذهب وأذهب عزها ومجدها. ولهذا كان من عبارات الكفار وأهل الاستعمار تلك العبارة التي ساروا عليها في احتلال البلدان الإسلامية قولهم: «فرق تسد»، أي متى ما فرقت فإنك ستسود في ماذا بين الأمة وبين أوساط الشعب. فقول المؤلف رحمه الله تعالى: «فمن رغب غير الجماعة» إذن تدل على أن الجماعة واحدة. العلماء رحمهم الله تعالى لهم في ذلك أقوال كثيرة، وليس هذا المقام مقام ذكر وسرد هذه الأقوال والترجيح بينها. لكن العلماء ذكروا خلاصة لفظ الجماعة أنه يطلق على أمرين اثنين: الجماعة التي أمرنا بأن نكون من أهلها هو ما اجتمع على أمرين اثنين. الأمر الأول أن نجتمع ويكون اجتماعنا على ما كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام وصحبه الكرام من المعتقد ومن العمل ومن كذلك المنهاج. أي ما اجتمع عليه نبينا الذي اجتمع عليه الصحابة واجتمع عليه نبينا مع أصحابه من العقيدة والعمل هذا الذي ينبغي أن نكون معهم. نجتمع مع رسول الله ونجتمع مع الصحابة في المعتقد والعمل والمنهاج والسلوك، هذه الجماعة التي أمرنا بها. ما ينبغي لأحد أن يخالف جماعة المسلمين، ما ينبغي أن نخالف ما كان عليه ما اجتمع عليه نبينا مع الصحابة أن نخالفهم في هذا الباب. فمخالفة هذه الجماعة بهذا الضابط هو خروج عن الجماعة. ولهذا فإن المبتدعة وأهل الفرق الضالة خرجت عن مفهوم الجماعة لما خالفوا الصحابة الكرام وخالفوا رسول الله في معتقده وكذلك فيما أتى به من العلم النافع والعمل الصالح. ولهذا ثبت في صحيح مسلم أن نبيّنا عليه الصلاة والسلام عندما يأتي على الحوض فيأتي ناس من أمته يريدون أن ينهلوا وأن يأخذوا من يده الشريفة من الحوض. فإذا برسول الله يجد أن أقوامًا من أمته يمنعون من الحوض يذادون بهم ويمنعون، فيرى نبينا هذا الموقف يقول: «يا رب أمتي أمتي»، أي هؤلاء من أمتي على ما يذادون وعلى ما يمنعون من الحوض. فيقال: «يا محمد إنك لا تدري ما أحدث بعدك». قال: «فأقول سحقًا سحقًا سحقًا لمن بدل وغير». فالمبتدعة ليس لهم حظ من الجماعة؛ لأنهم خالفوا نبينا وخالفوا الصحابة الكرام في منهجهم وفي اعتقادهم. إذن هذا الجماعة الذي ينبغي أن نتمسك بها أن نجتمع مع نبينا عليه الصلاة والسلام وصحبه الكرام فيما كانوا عليه من منهج وعقيدة. الأمر الثاني: الاجتماع على أمير واحد، والسنة دلت على ذلك. ثلاث لا يغل بهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة أئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم. فلزوم جماعة المسلمين مع أمرائهم مع حكامهم هذه الجماعة التي ينبغي على المسلمين أن ينضووا تحتها. أن ينضووا جميعًا تحتها، نجتمع في العقيدة وفي المنهج والطريقة والسلوك، وأن نجتمع تحت أمير واحد. وعلى هذه دلت أحاديث السنة. ولهذا تجد أن بعض الناس ربما إذا تكلم عن الجماعة يتطرق إلى الأمر الأول، يتطرق إلى الأمر الأول أن نكون على عقيدة واحدة وأن نجتمع مع رسول الله على معتقد واحد وعلى عمل واحد. وهذا صحيح، لكن هل هذا كل الجماعة؟ ليست كل الجماعة. كما أنك يا عبد الله تجتمع وتوافق نبينا في معتقد، عليك أيضًا أن تتم بحث الجماعة، وذلك أن يكون أمرك تحت أمير واحد وتحت كذلك ولاية واحدة. وبهذا نعلم أن بمعنى الجماعة الأولى يمكن أن تكون وحدك جماعة على المفهوم الأول. يمكن أن تكون وحدك جماعة كما يقال: فلان جماعة، فمتى ذلك؟ إذا وافق الجماعة الأم في معتقدها وعقيدتها. لكنك على المفهوم الثاني لا يمكنك أن تكون جماعة إلا إذا وضعت يدك مع عموم المسلمين وانضمت تحت لواء القائل الحاكم المسلم والأمير المسلم. ولهذا لخص بعض العلماء كذلك مفهوم الجماعة أن الجماعة تكون باجتماع الأبدان وباجتماع الأديان. اجتماع الأديان أن تشترك بالدين أن يجمعنا دين واحد، لا تخرج يا عبد الله عن دين المسلمين وعن العقيدة وعن الفقه والعمل الذي جاء به نبينا عليه الصلاة والسلام. هذا اجتماع الدين، وكذلك عليك أن نجتمع كما اجتمعنا في الأديان نجتمع كذلك في الأبدان أن لا نفترق. وهذه إخواني في الله من المسائل العظيمة التي ينبغي للمسلم أن يحرص عليها وهو أن يبحث عن جماعة المسلمين وأن لا يخرج منها. نبينا كما سمعتم في الحديث قال: «من فارق الجماعة قيد شبر قيد شبر»، انظر مسافة شبر كم عساها من مسافة؟ وانظر لخاتمتها قال النبي: «من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه»، انظر العظم الكارثة والمصيبة الذي ستحل بمن خرج عن نظام الجماعة الذي اتزموا بالجماعة الواحدة. وإلى الأسف إخواني فللأسف الكثير من الناس في هذه الأزمان لربما لم يرفعوا رأسًا بأمر الجماعة، ما رفعوا أبدًا رأسًا بالجماعة، يرون أن الكل واحد، له حق التعبير عن رأيه وحق الخروج وحق المضادة والمصادمة لماذا؟ للأمراء ولمن ولاهم الله جل وعلا رقاب العباد، وهذا لا يجوز، بذلك من كبائر الذنوب. وهذا الذي كان عليه أهل الجاهلية أنهم ما كانوا ينضوون تحت إمام واحد ولا تحت أمير واحد. ولعظم أمر الجماعة ولعظم الخطورة من الخروج عنها أمر نبينا عليه الصلاة والسلام أن من أراد أن يشق عصا الناس وأن يفرق وحدة الناس أنه يقتل. قال عليه الصلاة والسلام: «من جاءكم وأمركم جميع على رجل واحد فاقتلوه كائنًا من كان». لأن من أعظم غايات الإسلام إيجاد المجتمع الواحد، هذا من أعظم غايات الإسلام ومن أهداف الإسلام أن يأتي بتجميع الأمة على قلب رجل واحد، كيان واحد، اجتماع في الأبدان اجتماع في الأجساد كما اجتماع في الأديان. هذا هدف عظيم، ولهذا الإسلام شدد العقوبة في حق كل من سوّلت له نفسه أن يشق عصا المسلمين. ولهذا يا عبد الله ترى أن من أصول ومن مراجع أهل السنة والجماعة أن نرجع إلى الكتاب والسنة والإجماع. فالإجماع يعتبر مصدرًا ثالثًا من مصادر التشريع. يدل ذلك على أهمية اجتماع المسلمين وأن يكونوا يدًا واحدة. فلهذا يقول مؤلفنا رحمه الله تعالى: قال فمن السنة لزوم الجماعة، فمن رغب غير الجماعة وفارقها فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه وكان ضالًا مضلًا. إذن السنة أمرت بلزوم الجماعة، لذا فلا عجب يا عبد الله أن تجد من صنيع أهل السنة والجماعة في كل زمان وفي كل مكان أنهم يدندنون على هذا الأصل الأصيل. الجماعة، الجماعة، الجماعة، لا يجوز الخروج على ولاة الأمور؛ حفاظًا على الجماعة، لا يجوز التفريق ولا الدعوات ولا الجماعات؛ حفاظًا على الجماعة. فلهم كذلك السلف، وعلى هذا كانت دعوة الأنبياء والرسل، وهكذا من كان على منهاجهم ومن كان على منوالهم. هذا خلاصة هذه الفئة، فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.