الدرس في حلية طالب العلم 83، ألقاها
يناقش التحذير من الطائفية والحزبية الضيقة التي تؤدي إلى التفرق، ويشدد على أهمية الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله. يعتبر التحزب عوائق للعلم والتفريق عن الجماعة.
يناقش أهمية تجريد المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم دون التقييد بالرسوم والقيود، ويحذر من أن التمسك بالعوائد قد يحجب عن الظفر بالمطلوب الأعلى. يذكر أن أهل السنة لا ينسبون إلى اسم معين سوى السنة.
التحذير من الأشخاص الذين يظهرون العبادة للآخرين، مع التأكيد على أن الله يعلم ما في القلوب. الختام بالاستغفار والتوبة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال رحمه الله تعالى: هو يتكلم ويحذر الطالب من الطائفية والحزبية الضيقة التي أساسها على الولاء والبراء الضيق المنافي لتعاليم الإسلام بالاعتصام بكتاب الله جل وعلا وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والمنافي كذلك لأصول أهل الإسلام في مسألة الولاء والبراء، بأن يوالى أهل الإيمان، قرب منا أو بعد، وكذلك يتبرأ من كل من خالف طريق أهل الإيمان. وأن الولاء والبراء يتجزأ، فيحب المؤمن الكامل الإيمان محبة أعظم من محبة الإيمان، أو من محبة المؤمن الذي في إيمانه شيء من التقصير والتفريط. وكذلك يبغض بحسب ما عنده من المعاصي، فالكافر يبغض ويتبرأ منه تبرؤا تاما لأنه كافر، أما من كان من أهل الإيمان فإنه يحب باعتبار إيمانه، ويبغض باعتبار ما عنده من المعصية. قال رحمه الله تعالى: وأحذرك بالله أن تتصدع فتكون نهابا بين الفرق والطوائف والمذاهب الباطلة والأحزاب الغالية، تعقد سلطان الولاء والبراء عليها كما تقدم، يعقد سلطان الولاء والبراء على من كان في حزبه يواليه، ومن كان ليس في حزبه فيعاديه. قال: فكن طالب علم على الجادة، تقفو الأثر وتتبع السنة، تدعو إلى الله على بصيرة، عارفا لأهل الفضل فضلهم وسابقتهم. وهذا الذي ينبغي أن يكون عليه طالب العلم، أن يعرف لأهل الفضل فضلهم، ولأهل الخير خيرهم، ولأهل العلم علمهم، إلى غير ذلك من المعاني الدالة على أن أهل الإيمان، ولا سيما طلبة العلم، ينبغي لهم أن يجعلوا الناس في منازلهم اللائقة بهم، فيحبون أهل الإيمان على قدر إيمانهم، ويبغضون أهل العصيان على قدر عصيانهم. قال رحمه الله تعالى: وإن الحزبية ذات المسارات والقوالب المستحدثة التي لم يعهدها السلف، من أعظم عوائق العلم والتفريق عن الجماعة، فكم أوهنت حبل الاتحاد الإسلامي، وغشيت المسلمين بسببها الغواش. قال: فاحذر -رحمك الله- أحزابا وطوائف طاف طائفها، ونجم بالشر ناجمها، فما هي إلا كالميازيب تجمع الماء كدرا وتفرقه هدرا، إلا من رحم ربك، فصار على مثل ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم. وهذا كذلك تنبيه من الشيخ من خطر التحزب، وأن التحزب مساخة، لذا كان شيخنا العلامة المجدد مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى يكثر من أن يقول: الحزبية مساخة، الحزبية مساخة. قال رحمه الله: كم من طالب علم مسخت ما عنده من العلم، بل كم من شيخ قد عرف بالعلم والتفتت الأنظار إليه وأشير إليه بالبنان، فإذا به يتحزب، فإذا به يكون كجاهل المسلمين، فهي مساخة تمسخ العلم وتفرق الدين. قال رحمه الله تعالى: قال ابن القيم رحمه الله تعالى عند علامة أهل عبودية، أي في مدارج السالكين، قال: العلامة الثانية قوله: ﴿وَلَمْ يَنسِبُوا إِلَيْهِمْ﴾ أي لم يشتهروا باسم يعرفون به عند الناس من الأسماء التي صارت أعلاما لأهل الطريق. بمعنى أن أهل السنة وأهل العبودية الخالصة إنما يسمون بأهل الإسلام، بأنهم مسلمون، يسمون كذلك بأنهم من أهل السنة، أي من أهل سنة رسوله، من أهل سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كذلك يسمون ويلقبون بالسلفيين باتباعهم لسلف هذه الأمة من الصحابة الكرام وتابعيهم بإحسان. قال رحمه الله: وأما العبودية المطلقة فلا يعرف صاحبها باسم معين من معاني أسمائها، فإنه مجيب لداعيها على اختلاف أنواعها، فله مع كل أهل عبودية نصيب يضرب معهم بسهم، فلا يتقيد برسم ولا إشارة ولا اسم ولا بزي ولا طريق وضعي اصطلاحي. قال: وعن شيخه، أي أهل الإسلام وأهل السنة، إن سئل عن شيخه قال: الرسول، من شيخك؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وعن طريقه قال: الاتباع، قال: وعن خلقته، أي ما يلبس من أشياء، قال: لباس التقوى، قال: وعن مذهبه قال: تحكيم السنة، وعن مقصده ومطلبه قال: يريدون وجهه، أي يريد وجه الله جل وعلا. قال: أولئك دخائر الله حيث كانوا، دخائر الملك، دخائر الملك، ما يخبأ عنده ويدخره لمهماته، ولا يذل به لكل أحد. وكذلك ذخيرة الرجل ما يدخره لحوائجه ومهماته. وهؤلاء لما كانوا مستورين عن الناس بأسبابهم، غير مشار إليهم ولا متميزين برسم دون الناس، ولا منتسبين إلى اسم طريق أو مذهب أو شيخ أو زي، كانوا بمنزلة الذخائر المخبوءة. قال: والعجب أن أهلها هم المعروفون بالطلب والإرادة والسير إلى الله، وهم -إلا الواحد بعد الواحد- المقطوعون عن الله بتلك الرسوم والقيود. وقد سئل بعض الأئمة عن السنة فقال: ما لا اسم له سوى السنة، يعني أن أهل السنة ليس لهم اسم ينسبون إليه سواها. قال: فمن الناس من يتقيد بلباس معين أو بالجلوس في مكان لا يجلس فيه غيره، أو مشية لا يمشي غيرها، أو بزي وهيئة لا يخرج عنهما، أو عبادة معينة لا يتعبد بغيرها وإن كانت أعلى منها، أو شيخ معين لا يلتفت إلى غيره وإن كان أقرب إلى الله ورسوله منه. قال: فهؤلاء كلهم محجوبون عن الظفر بالمطلوب الأعلى، مصدودون عنه، قد قيدتهم العوائد والرسوم والأوضاع والاستصلاحات عن تجريد المتابعة، فأضحوا عنها بمعزل، ومنزلتهم منها أبعد منزل. قال رحمه الله: فإذا ذكر له الموالاة في الله والمعاداة فيه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عد ذلك فضولا وشرا. وإذا رأوا بينهم من يقوم بذلك، أي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أخرجوه من بينهم وعدوه غريبا عليهم. قال: فهؤلاء أبعد الناس عن الله، وإن كانوا أكثر إشارة. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. والله أعلم.