الدرس في حلية طالب العلم 4، ألقاها
يبدأ الشيخ بشرح رسالة الشيخ بكر في التعالم التي تهدف إلى كشف المندسين بين الطلبة وتحذيرهم من الانحراف عن طريق العلم. الرسالة تهدف إلى تمييز العلماء الحقيقيين من المتعالمين.
يؤكد الشيخ على أهمية التحلي بمكارم الأخلاق وآداب العلم في طلب العلم، ويشير إلى أن الإسلام يحث على التحلي بمحاسن الأخلاق ومعالي الشيم. العلم لا يصل إليه إلا من يتأدب بآدابه ويتخلى عن آفاته.
يؤكد الشيخ على أهمية التحلي بآداب طلب العلم والتخلي عن المساوئ، ويشير إلى أن العلماء قد أولوا اهتمامًا كبيرًا بآداب طلب العلم. كتاب "حلية طالب العلم" يهدف إلى جمع الآداب العامة لطريق التعلم الشرعي.
تحدث الشيخ عن درجات الآداب ونواقضها، حيث أن الآداب درجات صاعدة إلى السنة في الوجوب ونواقضها دركات هابطة إلى الكراهة فالتحريم. ثم ختم بالدعاء والاستغفار.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى، وهو ما زال في مقدمة هذا الكتاب: «قال رحمه الله تعالى: وقد جعلت طوع أيديهم رسالة في التعالم تكشف المندسين بينهم، خشية أن يردوهم ويضيع عليهم أمرهم، ويبعثروا مسيرتهم في الطلب، فيستلوهم وهم لا يشعرون. واليوم أخوك أخوك يشد عضدك ويأخذ بيدك، فاجعل طوع بنانك رسالة تحمل الصفة الكاشفة لحليتك. فها أنا ذا أجعل سن القلم على القلطاص، فاتل ما أرقم لك، أنعم الله بك عينا». قوله رحمه الله تعالى: «وقد جعلت طوع أيديهم رسالة»، أي طوع أيدي هؤلاء الطلبة الناشئة التي نشأت وعندها من الطموح وعندها من السعي الحثيث على الخير وعلى طلب العلم. يقول الشيخ بكر رحمه الله: «جعلت طوع أيديهم رسالة»، أي في متناول أيديهم يأخذونه طوعًا، رسالة في التعالم. قال: «تكشف المندسين بينهم»، أي في هذه الرسالة تبين من هو العالم ومن هو المتعالم. قال: «تكشف المندسين بينهم»، أي بين هؤلاء النشأة الطيبة المباركة، تكشف المندسين بينهم الذين دخلوا فيهم لأجل أن يبعدوهم عما هم فيه من الخير ومن الإقبال على العلم. قال: «خشية أن يردوهم»، أن يجعلوهم في ترد بعد أن كانوا في خير وصلاح ومسابقة إلى طلب العلم. قال: «ويضيع عليهم أمرهم»، كذلك هذا من حال هؤلاء المندسين الذي قدم لهم الشيخ بكر بقوله: «نشرًا للضمانات لي، تكف عنها العثار والتعثر في مثان الطلب والعمل، من تموجات فكرية وعقدية وسلوكية وطائفية وحزبية». هذه التموجات تبعد الطالب عن السير إلى الله جل وعلا، وعن السير كذلك في طلب العلم. والناظر في الواقع يرى هذا الأمر عيانًا، فما أكثر هؤلاء الذين شغلوا الناس وشغلوا طلبة العلم بما لا ينفعهم، وأخرجوهم عما هو نافع لهم. قال: «ويبعثر مسيرتهم في الطلب»، وهذا حاصل، شغلوهم بالحزبيات وشغلوهم بأمور حقيقتها لا تسمن ولا تغني من جوع، صحيح أنها قد تكون كذلك في الدنيا، أما في الآخرة وأما في العلم فإنها لا تسمن ولا تغني من جوع، ليست بنافعة لهم في السير إلى الله جل وعلا. قال: «فيستلوهم وهم لا يشعرون»، أن يخرجوهم من الطريق الذي هم عليه من طريق العلم والسير إليه استلالًا، كما يقال: كاستلال الشعرة من العجين، من حيث لا يشعرون. ثم قال رحمه الله: «واليوم أخوك يشد عضدك ويأخذ بيدك»، قال: «فاجعل طوع بنانك رسالة تحمل الصفة الكاشفة لحليتك». الصفة الكاشفة كما عرف الشيخ رحمه الله تعالى في الحاشية، قال: «الصفة الكاشفة هذه من مصطلحات كتب الموارد، لسان العرب، ومنهم ما في مادة ضبأ من القاموس». قال الزبيدي في تاج العروس: «والضبأ هي الضبع العرجاء». قال: «صفة كاشفة»، والعلماء رحمهم الله تعالى يقولون كذلك: «الصفة الكاشفة هي التي تكشف عما هو عليه واقع الأمر»، ويقولون بأنها لا مفهوم لها. ومقصود الشيخ رحمه الله تعالى أنه في هذه الحلية يبين للطالب ما ينبغي أن يتحلى به من الصفات ومن الأخلاق ومن السمات الصالحة. فقال: «فهاء أنا ذا أجعل سن القلم على القرطاص، فاتل ما أرقم لك، أنعم الله بك عينا»، أي فاقرأ ما أرقم لك، أي ما أكتب لك، لأن الرقم بمعنى الكتابة، ومنه قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾، ومكارم الأخلاق. قال رحمه الله: «أنعم الله بك عينا»، وهذا دعاء من الشيخ رحمه الله تعالى بأن ينعم الله جل وعلا بك أعين أهل الصلاح والخير والعلم. قال رحمه الله: «لقد تواردت موجبات الشرع على أن التحلي بمحاسن الآداب ومكارم الأخلاق والهدي الحسن والسمت الصالح سمة أهل الإسلام»، أو سمة أهل الإسلام؛ لأنه خبر. لأن قوله رحمه الله تعالى: «أن التحلي بمحاسن الآداب ومكارم الأخلاق» إلى آخر كلامه. التحلي بمحاسن الآداب معناه أن يتأدب الإنسان بالآداب الحميدة، لذا يقال: الأديب الذي يتأدب أو الأدب الذي يتأدب به الأديب من الناس، سمي أدبًا لأنه يؤدب الناس الذين يتعلمونه إلى المحامد وينهاهم عن القبائح. ومعنى يؤدبهم أن يدعوهم إلى تلك الخلال والخصال. وقوله: «ومكارم الأخلاق»، أي الأخلاق الكريمة. والهدي الحسن كذلك، والسمت الصالح كذلك. وهذه الألفاظ ومعانيها متقاربة، كلها تدل على الدعوة إلى محاسن الأخلاق ومعالي الشيم. قال: «سمة أهل الإسلام»، بمعنى أننا إذا رجعنا ونظرنا في ديني الإسلامي وما جاء به، جاء بهذه المعاني، وكان حقيقًا على المسلمين أن يتخلق بهذه الأخلاق، وإن كان بعض الناس أحرى أن يتخلق بها من بعض. ولكن كما هو المشاهد قد ضيع أكثر الناس هذه الأخلاق إلا من رحم الله، بل قد قصر فيها كثير من طلبة العلم، لذا كان من الشيخ رحمه الله تعالى أن كتب هذه الرسالة، كما سيأتي تنبيهًا وتنويهًا إلى هذا الأمر. قال رحمه الله: «وأن العلم - وهو أثمن درة في تاج الشرع المطهر - لا يصل إليه إلا المتحلي بآدابه المتخلي عن آفاته». قوله رحمه الله: «وأن العلم»، والعلم إذا أطلق في الشرع هو العلم الممدوح، ومراد به علم الشريعة. قال رحمه الله: «وهو أثمن درة في تاج الشرع المطهر»، وهذه الجملة فيها بيان لمكانة العلم؛ فإنه قال: «أثمن درة في تاج الشرع المطهر»، فالشرع شبهه بأنه تاج، والتاج يكون مكللًا بالدرر، وشبه العلم بأنه أثمن درة في ذلك التاج، وهذا إن دل على شيء دل على مكانة العلم في دين الإسلام. قال: «لا يصل إليه إلا المتحلي بآدابه»، إذن العلم يحتاج إلى ماذا؟ يحتاج إلى عمل، ومن العمل بالعلم التحلي بآداب العلم وآداب أهله، آداب أهل العلم. قال: «المتخلي عن آفاته»، كذلك ينبغي لسالك في طريق العلم أن يكون كذلك متخليًا عن الآفات التي تخدش أو تقدح في ذلك العلم الذي يحمله صاحبه، أو قل: تخدش في حامل ذلك العلم وتقدح في صحة طلبه للعلم. فإذن طالب العلم أمامه طريق طويل يحتاج في هذا الطريق إلى أن يتحلى بآداب، وأن يتخلى عن كثير، أو قل: عن كل المساوئ ما استطاع إلى ذلك سبيلًا. قال: «ولهذا عناها العلماء بالبحث والتنبيه»، بعد أن قال: «لا يصل إليه إلا المتحلي بآدابه المتخلي عن آفاته». قال: «ولهذا عناها العلماء بالبحث والتنبيه»، أي عن هذه الأمور: الآداب وما يناقضها ويقابلها من مساوئ الآداب والأخلاق. قال: «بالبحث والتنبيه، وأفردوها بالتأليف»، إما على وجه العموم لكافة العلوم، أو على وجه الخصوص، كآداب حملة القرآن الكريم، وآداب المحدث، وآداب المفتي، وآداب القاضي، وآداب المحتسب، وهكذا. فالشيخ رحمه الله تعالى يقول: إن الناس في هذا الباب، أي في تأليف هذا الباب، منهم من جمع أبوابًا كثيرة من الآداب في مؤلف، ومنهم من خص مؤلفه بنوع من هذه الآداب. ثم قال: «والشأن هنا في الآداب العامة لمن يسلك طريقة التعلم الشرعي». وفي هذا إشارة إلى أن هذا الكتاب أراد الشيخ رحمه الله تعالى فيه أن يحوي جملًا من الآداب والأخلاق السامية التي ينبغي لطالب العلم أن يتحلى بها، وفي المقابل أن ينبه وأن يحذر على جملة من الأخلاق والمساوئ التي ينبغي لطالب العلم أن يتخلى عنها ويفتعد. قال رحمه الله تعالى: «وقد كان العلماء السابقون يلقنون الطلاب في حلق العلم آداب الطلب»، أي هذه كانت عادة، هذه العادة جرى عليها العلماء، ينبهون طلبتهم ويعلمونهم الآداب والأخلاق. وقد كان كثير من الأئمة رحمهم الله تعالى يحضرون مجالس بعض العلماء للأخذ من سمتهم وخلقهم وأدبهم أكثر من أخذهم للعلم، وهذا في الحقيقة من العلم، وهذا في الحقيقة من العلم، من علم الآداب العملية، يأخذها الطالب من الشيخ مباشرة وعيانًا. قال رحمه الله: «وأدركت خبر آخر العقب في ذلك في بعض حلقات العلم في المسجد النبوي الشريف، إذ كان بعض المدرسين فيه يدرس طلابه كتاب الزرنوجي رحمه الله تعالى المسمى تعليم المتعلم طريق التعلم»، أي أن هذه الطريقة مستمرة بين العلماء، حتى أن الشيخ رحمه الله أدرك بعض العلماء وهم على هذه الطريقة يعلمون الطلبة هذه الكتب التي فيها التحلي بالأخلاق الحميدة، والتي فيها التحذير مما يقابلها من الأخلاق السيئة. والزرنوجي هو النعمان بن إبراهيم بن الخليل الزرنوجي، ملقب بتاج الدين، أديب من أهل بخارى، أصله من زرنوج من بلاد ما وراء النهر، له كتاب يقال له: «الموضح في شرح المقامات للحريري»، وهذا الكتاب أيضًا، وهو من علماء الحنفية. قال رحمه الله تعالى: «فعسى أن يصل أهل العلم هذا الحبل الوثيق الهادي لأقوام طريق، فيدرج تدريس هذه المادة في فواتح دروس المساجد، وفي مواد الدراسة النظامية». وأرجو أن يكون هذا التقييد - أي لهذا الكتاب - الحلية، فاتحة خير في التنبيه على إحياء هذه المادة التي تهذب الطالب وتسلك به الجادة في آداب الطلب وحمل العلم، وأدبه مع نفسه، ومع مدرسه، ودرسه، وزميله، وكتابه، وثمرة علمه، وهكذا في مراحل حياته. فإليك «حلية طالب العلم»، تحوي مجموعة آداب، ونواقضها مجموعة آفات، فإذا فات أدب منها اقترف المفرط أدبًا من آدابها. فمقل ومستكثر. وكما أن هذه الآداب درجات صاعدة إلى السنة في الوجوب، فنواقضها دركات هابطة إلى الكراهة فالتحريم. ونقف هنا انتهاء الوقت إلى هنا. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.