الدرس في حلية طالب العلم 67، ألقاها
يناقش أهمية أن تكون المناظرة بدون مماراة أو جدال بغرض إظهار الباطل. يُشدد على ضرورة خلو طلب العلم من الرياء والسمعة.
الناس في الدعوة إلى الله على ثلاث مراتب، والمناظرة لها آداب وشرائط منها التضلع من علم الكتاب والسنة. يُوضح أهمية معرفة شبه المخالفين.
يفرق بين المناظرة المبنية على طلب الحق والمناظرة المبنية على الانتصار للنفس. يوضح الشروط والضوابط للمناظرة مع المخالفين.
الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الشيخ رحمه الله تعالى، وهو يذكر الخصال التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم في حياته العلمية: «المناظرة بلا مماراة». ومعنى هذا أن من الخصال التي ينبغي أن يتحلى بها الطالب ويتصف بها: إذا ناظر، لا يكون مقصوده من المناظرة المماراة، ولا تكون مناظرته لأجل إبطال الحق أو لأجل إظهار الباطل، أو أن يكون الحامل له في المناظرة حب الظهور أو الاستهانة بالآخرين أو ما شابه ذلك. وقد جاء في الحديث الذي رواه الإمام الترمذي رحمه الله، من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه وأرضاه، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من طلب العلم ليجاري به العلماء، أو ليماري به سفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه، أدخله الله النار». أدخله الله النار. وهذا الحديث، كما ترون، فيه وعيد شديد من طلب العلم ليجاري به العلماء، أي كان مقصده في طلبه للعلم أن يجاري العلماء في المناظرة والجدال ليظهر علمه على الناس، يظهر علمه على الناس رياء وسمعة، مقصده أن يظهر وأن يعلو وأن يستكبر وأن يترفع على الناس. يقال: هذا في عداد العلماء بسبب المناظرات التي يجريها مع العلماء. أو «ليماري به سفهاء»، وقد قال العلماء: معنى المماراة أن كل واحد من المتمارين يستخرج ما عند صاحبه ويمتريه. قالوا: كما يمتري الحالب اللبن من الضرع. أو «يصرف به وجوه الناس إليه، أدخله الله النار»، إذا كان مقصده وطلبه للعلم بهذا المعنى، فهذا وعيد شديد لمن وقع في هذا الأمر. قال المناوي رحمه الله: «المراء طعن في كلام الغير لإظهار خلل فيه من غير أن يرتبط به غرض سوى تحقير الغير». مماراة يريد أن يحقر الغير، فيتتبع عباراته وفلتاته، فيأخذها ويستخرجها، ثم يبدأ بإظهار العيوب وإظهار السوآت، لا لأجل معنى ديني، ولكن لأجل إظهار الضعف والعجز عند الغير. لذا قال الشيخ هنا: «المناظرة بلا مماراة»، أي لا يكون قصدك أن تتتبع العثرات وأن تتنقص الغير، بل إن حصلت المناظرة، فينبغي أن تكون نزيهة بشروطها وضوابطها وما يترتب عليها من أمور. ابن الأثير رحمه الله يقول: «المراء الجدال، والمماراة المجادلة على مذهب الشك والريب». فإذن علمنا من هذا أن المماراة مذمومة أبدًا، وأما المناظرة، فإما أن تكون في حق وعلى حق، فإنها محمودة، وإما أن تكون على باطل. والمناظرة بمعنى المجادلة والجدال، إما أن يكون محمودًا وإما أن يكون مذمومًا. فإذا كان في الحق ولأجل إظهار الحق، فإنه محمود، بل هو من الدعوة إلى الله. قال ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، فأمر ربنا جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو خطاب يتناول أيضًا أتباع النبي صلى الله عليه وسلم، بالجدال بالتي هي أحسن. وهذا لا يكون إلا مع من أعرض عن الحق وأهله؛ لأن الناس في الدعوة إلى الله كما ذكر ذلك العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى على ثلاث مراتب: منهم من هو قابل لها مستجيب لها. ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ هؤلاء يدعون بالحكمة؛ لأنهم يريدون الحق، يشتاقون إلى الحق، وليس عندهم معارض، فهؤلاء يدعون بالحكمة. قال: والصنف الثاني يريدون الحق، ولكن عندهم بعض المعارضات، بعض الأشياء، فهؤلاء يدعون بالموعظة الحسنة. ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ يذكرون بالنار لمن كفر، يذكرون بالجنة لمن أطاع الله جل وعلا، وما شابه ذلك. وصنف ثالث معرض عن الحق، وكذلك عنده من الحجج ما يحتاج معه إلى الجدال، فهؤلاء أمر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم بمجادلتهم. لكن هل بالباطل؟ لا. ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ الجدال بالأحسن. وقد ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في هذا الصنف أنه يجادل بالتي هي أحسن، فإن أبى انتقل معه من الجدال إلى الجلال إن أمكن. ثم ذكر رحمه الله تعالى فائدة، فقال: «وفائدة مجادلة المبطلين فائدتان: أحدها أن يرجع ذلك المبطل عن باطله إلى الحق. والفائدة الثانية أن يظهر بطلان ما عند ذلك المبطل من الشبه والحجج، أن يظهر المجادل بالحق أن ما عند ذلك المبطل إنما هي شبه فاسدة كاسدة لا تتمشى على أهل العلم وأهل الحق والسنة». فتظهر من ذلك هذه المصالح الجليلة العظيمة. ومنها هنا نعلم أن باب المناظرات يكون بحسبه. فمثال ذلك -أو قل- بحسبه، أي باعتبار المناظر، وباعتبار المتناظر عليه. فباعتبار المناظر ينبغي أن يكون المناظر متضلعًا من علم الكتاب والسنة، وأقوال سلف الأمة، ومعرفة شبه من أراد أن يناظره. إلى جانب أن يكون على دين قويم، لا بد أن يكون من أهل العلم والإيمان، وأن يعلم أقوال المخالفين. أراد أن يناظر يهوديًا يعرف ما عند اليهود من الشبه، نصرانيًا ما عند النصارى من الشبه، ملحدًا ما عنده من الشبه، أو كان من أهل البدع معتزليًا ما عنده من البدع، جهميًا أشعريًا ما عنده من البدع. فلا يدخل مباشرة في مجادلات ومناظرات وهو يجهل ما عند المناظر من شبه. هذا باعتبار المناظر. وأما باعتبار المناظر فينظر في هذا المناظر أولًا: إن كان من أهل الحق، إن كان من أهل السنة -مثلًا- شيخك أخطأ في مسألة، أو رأى رأيًا وأنت خالفته في رأيه، فهل من الأدب أن يناظر الشيخ؟ مر معنا قريبًا هذه المسألة، وأن بعضهم ربما حرم علم الشيخ بسبب كثرة مناظرة لذلك الشيخ. وفرق بين أن تكون المناظرة استفهامًا واستخراجًا للفائدة من الشيخ، وبين أن يأخذ ويرد ويجادل: «بل صواب كذا، لا قال فلان كذا»، وما شابه ذلك. هذا لا ينبغي أن يكون من التلميذ مع الشيخ. قد يكون ممن هو قرين لك في الطلب، فهنا يسوغ المناظرة، لكن مع مراعاة آدابها وشرائطها وضوابطها: من لزوم الأدب والرحمة، وأن يكون المقصد إظهار الحق لا الانتصار للنفس. ذكر عن رجل من العلماء، وكان الإمام أحمد يجله، من أهل خراسان، كان أعجميًّا، ومع هذا كان ما ناظر أحدًا إلا قطعه. فسئل عن ذلك، فقال: «ما ناظرت أحدًا إلا وسألت الله جل وعلا أن يكون الحق على لسانه». سأل الله أن يكون الحق على لسان من ناظره، رجل يريد الحق ونصرة الحق، لا يريد الانتصار لنفسه. وذكر أمورًا، فلما ذكر للإمام أحمد تلك الأمور، قال: «ما أعقله». قال: «ما أعقله». فهذه من الأمور التي ينبغي أن تكون بين الطالب وصاحبه وأخيه؛ لأن هذه هي التي تحيي المودة والرحمة والألفة، بخلاف ما إذا كانت مناظرات مبناها على المشاحة وطلب الانتصار والفوز، فهذه تكون مذمومة منفرة وسبب الخصومات. هذا كما سمعتم، إذا كان مع سني، ثم قد تكون المناظرة مع السني إما في مسألة علمية أو عملية مما يسوغ فيها الاجتهاد. إما علمية، وإما عملية يسوغ فيها الاجتهاد. علمية مثل ماذا؟ مثلًا على سبيل المثال: مثل واحد يقول بأن الحوض قبل الصراط، الحوض المورود، وآخر يقول: لا، بعد الصراط. مسألة يسوغ فيها الخلاف، تناظر بأدب واحترام. هذا يذكر أدلته، وهذا يذكر أدلته، هذا يذكر من قال بهذا، وهذا يذكر من قال بهذا، مع لزوم الأدب والرحمة إلى غير ذلك، فهذا جائز. وهذه مسائل يسوغ فيها الاجتهاد. أو من المسائل العملية مثل ماذا؟ مسائل العملية على سبيل المثال ما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم يوم خيبر، حينما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يصليَنَّ أحدكم العصر إلا في بني قريضة». منهم من صلى في الطريق، ومنهم من لم يصلي حتى خرج وقت العصر، ولم يعنف النبي صلى الله عليه وسلم أحدًا. فهذه مسائل ما يسوغ فيها الاجتهاد، والمناظرة تكون بحسبها، يكون فيها هدوء وأدب ومبنى على الرحمة والشفقة إلى غير ذلك، ما فيها نكير واستنكار. وقد تكون المسائل من المسائل إما العلمية وإما العملية التي يكون فيها إنكار، وذلك إما أن يخالف نصًّا من كتاب أو سنة واضحًا مستفيضًا، أو يخالف إجماعًا أو ما شابه ذلك، سواء كان في المسائل العلمية أو في المسائل العملية. فليست كل مسألة علمية يجب فيها الإنكار، ولا كل مسألة عملية لا يجوز فيها الإنكار، بل كل مسألة بحسبها. هذا إذا كان -كما سمعتم- مع من كان من أهل السنة. أما إذا كان مع مبطل مبتدع كافر: يهودي أو نصراني أو أحد هؤلاء الزنادقة ممن يدسون ويطعنون في دين الله جل وعلا، فهذا كما يقال: يجاب ويناظر بما يكون فيه تقريع له وكف لشبهه. وكما يقال: لكل مقام مقال. قال رحمه الله تعالى: «إياك والمماراة؛ فإنها نقمة». أما المناظرة في الحق، فإنها نعمة. «المناظرة في الحق نعمة؛ إذ المناظرة الحق فيها إظهار الحق على الباطل، والراجح على المرجوح، فهي مبنية على المناصحة والحلم ونشر العلم». أما المماراة في المحاورات والمناظرات، فإنها تحجج ورياء ولغط وكبرياء ومغالبة ومراء واختيال وشحناء ومجارات لسفهاء، فاحذرها واحذر فاعلها، واحذر فاعلها تسلم من المآثم وهتك المحارم. وأعرض تسلم وتكبت المآثم وتكبت المأثم والمغرم؛ أي من ابتعد عن هذه المناظرات أصلًا ورأسًا سلم. ومن احتاج إلى ذلك من باب التنشيط مع مراعاة الآداب، فهذا كما يقال: كل شيء بحسبه. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.