الخطبة بعنوان اذكروا هادم اللذات، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 19 جمادى الآخر 1433هـ ألقاها
خلق الله الحياة والموت لامتحان العباد، وكل نفس ستمر بالموت ولا مفر منه، وسيجازي الله كل فرد على أعماله يوم القيامة. الموت أمر حتمي يصيب جميع الخلق بغض النظر عن حالتهم.
يجب على الإنسان تذكر الموت لأنه يوسع على العبد في الضيق ويضيق عليه في السعة، والاستعداد له بالأعمال الصالحة. ينبغي للإنسان أن يكثر من ذكر الموت ويستعد له.
موت الفجأة للكافر والفاجر يعتبر غضبًا من الله، بينما هو رحمة للمؤمن التقي. ينبغي على المسلم الاستعداد للموت بالتوبة ورد المظالم والتزود بالتقوى.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلونه والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، يقول الله عز وجل في كتابه الكريم ﴿ألف لام ميم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتن الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين﴾، فالله سبحانه وتعالى أخبر أن الناس لا بد أن يفتنوا في دينهم، ولا بد أن يمتحنوا في هذه الدنيا، وأن يبتلوا. الله سبحانه وتعالى أخبر أنه لم يخلق هذا الخلق إلا للبلاء والامتحان، ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعًا بصيرًا﴾، وإن من البلاء، عباد الله، الموت والحياة، قال الله عز وجل ﴿الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا﴾. خلق الله عز وجل الحياة والموت ابتلاء للعباد وامتحانًا لهم، لينظر أيهم أحسن عملًا، وأيهم أسرع لطاعة ربه سبحانه، واستعدادًا لهذا البلاء العظيم. عباد الله، ما من نفس في هذه الدنيا إلا وهي راحلة عن هذه الحياة، ولا بد أن تبتلى بهذا البلاء العظيم، إنه الموت، يا عباد الله، فإن الله سبحانه وتعالى جعل لهذه الآجال وجعل لهذه الأنفس أوقاتًا تنتهي فيها حياتها وتنقضي فيها آجالها، إذا جاءت لا تستأخر عنها ساعة ولا تستقدمها. قال الله عز وجل ﴿إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾، إذا جاء أجل الإنسان الذي كتبه الله وقدره الله سبحانه وتعالى، فإنه لا يستأخر عنه ساعة. قال الله عز وجل في كتابه الكريم ﴿إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون﴾، هذا الخطاب لنبينا عليه الصلاة والسلام، يخبره الله عز وجل بأنه ميت، فسوف يموت وينتقل عن هذه الحياة، وهذا الذي وقع لنبينا عليه الصلاة والسلام، وسيقع لنا جميعًا. ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾، وقال الله عز وجل ﴿وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن ميتًا فهم الخالدون كل نفس ذائقة الموت﴾، كل نفس ذائقة الموت، سوف تذوق هذا الموت الذي كتبه الله سبحانه وتعالى. وقال سبحانه ﴿كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾. الموت، يا أيها العبد، مهما فررت فإنه ملاقيك، ﴿قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون﴾، مهما فررت من الموت وذهبت إلى أقصى الأماكن المرتفعة، فسوف يأتيك أينما تكون، ﴿يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة﴾. الموت، يا عباد الله، أمر لا بد منه، قال الله سبحانه وتعالى ﴿ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد﴾. لقد كنت في غفلة عما كتبه الله عز وجل وقدره من نزول الموت ومفارقة هذه الحياة والانتقال إلى الدار الآخرة التي أخبر الله سبحانه وتعالى بها ونبيه صلى الله عليه وسلم، ذلك ما كنت منه تحيد، هذا الذي كنت منه تخاف وهو الذي كنت منه تهرب وتخشى، فإنه آتيك. الموت، يا عباد الله، سوف ينزل بنا جميعًا، كبارًا وصغارًا، أغنياء وفقراء، ذكورًا وإناثًا، الموت لا يفرق بين أحد من الخلق. الموت، يا عباد الله، مصيبة عظيمة يبتلى بها العبد في هذه الدنيا، قال الله عز وجل في كتابه الكريم ﴿إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت﴾، فسمى الله عز وجل الموت مصيبة. أي والله، إنه لمصيبة عظيمة حين ينزل الموت بالمرء فيشعر ويوقن أنه مفارق لهذه الدنيا وأنه راحل عن هذه الحياة، ومفارق لفلذات أكباده من بنين وبنات، ومفارق لصاحبته وزوجته، ومفارق لأحبابه وأصدقائه. قال الله عز وجل في كتابه الكريم ﴿كلا إذا بلغت التراقي وقيل من راق وظن أنه الفراق والتفت الساق بالساق إلى ربك يومئذ المساق﴾، فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين. فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم، وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين، وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم. هذا أخبر الله سبحانه وتعالى، فالموت، يا عباد الله، يهدم اللذات ويقطع الشهوات، ويحيل بين المرء وبين ما تشتهيه نفسه، ﴿وحيل بينهم وبين ما يشتهون﴾ كما فعل بأشياعهم من قبل. قال نبينا عليه الصلاة والسلام، كما جاء عند ترمذي من حديث أبي هريرة «أكثروا ذكر هادم اللذات الموت»، جاء في زيادة «فإنه لا يذكر أحد في ضيق إلا وسعه، ولا في سعة إلا ضيقها عليه»، هكذا يحث نبينا عليه الصلاة والسلام أن نكثر من ذكر الموت. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله، إنه الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، إن رحيل العبد في هذه الدنيا وانتقاله من هذه الحياة لأمر ليس عليه ببعيد، وأمر لا يظن العبد أنه سوف يعمر في هذه الدنيا السنين الطوال، فإنه لا يدري ما كتب له من الآجال، وما كتب له من الأعمار التي سيعيشها في هذه الدنيا. فيا أيها العبد، اعلم أن ما بينك وبين دخول الجنة أو النار إلا الموت، قال النبي عليه الصلاة والسلام «الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله والنار مثل ذلك»، والحديث في صحيح الإمام البخاري. وقال عليه الصلاة والسلام، كما في البخاري من حديث ابن عمر «إذا نزل بأحدكم الموت عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إما الجنة وإما النار»، فلا يزال يعرض عليه حتى يرتحل إليه. إذا مات الإنسان عرض عليه مقعده، أي عرض عليه مكانه، إن كان من أهل الجنة ففي الجنة، وإن كان من أهل النار ففي النار، ينظر إلى مقعده وهو بين أظهر أهله، فلا يزال ينظر إليه حتى يفارق هذه الدنيا ويذهب به إلى قبره. وهكذا، عباد الله، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن العبد يبشر عند موته بالرضوان أو العذاب، قال عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصحيحين من حديث عمران بن حصين «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه»، قالت عائشة رضي الله عنها أو بعض أزواجه «يا رسول الله، كلنا نكره الموت»، كلنا نكره الموت. فقال «ليس ذلك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله تعالى ورحمته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله فأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضره الموت بشر بعذاب الله، بشر بعذاب الله، فليس شيء أكره إليه مما أمامه، فكره لقاء الله فكره الله لقاءه». وقال عليه الصلاة والسلام، مخبرًا بأن العبد المؤمن إذا مات ارتاح من نصب الدنيا وأذاها وانتقل إلى رضوان الله ورحمته، وأن العبد الفاجر وأن العبد الفاسق يستريح منه جميع الخلق، جاء في الصحيحين من حديث أبي قتادة رضي الله تعالى عنه، قال «مر على النبي صلى الله عليه وسلم بجنازة، فقال مستريح ومستراح منه»، قالوا «يا رسول الله، ما مستريح وما مستراح منه؟»، قال «أما العبد المؤمن فيستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله، وأما العبد الفاجر فيستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب». فيا عباد الله، ينبغي أن نعلم وأن نوقن بهذا الأمر العظيم، أمر الموت والانتقال من هذه الدنيا، فينبغي أن نكون على استعداد للقاء الله. قال عليه الصلاة والسلام، كما عند ابن ماجه والبيهقي من حديث ابن عمر، وقد سئل «أي الناس أكيس؟»، قال «أكثرهم ذكرًا للموت، وأحسنهم استعدادًا لما بعده، أولئك الأكياس»، أي أولئك هم أهل الفطن وأهل العقول والذكاء الذين يعلمون أنهم راحلون عن هذه الدنيا. فلا يغفلون عن ذكر الموت، ولا يغفلون عن ذكر الآخرة، فيستعدون لها بالأعمال الصالحة، ويستعدون لها بطاعة الله سبحانه وتعالى، ويجتنبون المعاصي والذنوب، حتى إذا نزل بهم الموت كانوا على هيئة يحبها الله، وعلى فعل يرضاه الله سبحانه وتعالى. فإنك لا تدري، أيها العبد، لربما ينزل بك الموت فجأة، وإذ بك ترحل عن هذه الدنيا، ما بينك وبين بقائك فيها إلا دقائق. كم نسمع من موت كثير من الناس بغتة وفجأة، لربما تكون المرأة بين أولادها وبين أهلها وزوجها، وهي في كامل صحتها، وفي كامل قوتها، وما هي إلا لحظات وإذ بها تخر قواها، ولا تستطيع أن تحمل نفسها، وإذ بالموت قد نزل بها، وفرق بينها وبين أحبتها. وذاك آخر، لربما في عمله، وإذ به ينزل الموت فيخر صريعًا على الأرض، قد انتقل عن هذه الحياة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبر بحصول هذا الموت، موت الفجأة، كما جاء عند أبي داود والبيهقي من حديث عبيد الله بن خالد رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «موت الفجأة أخذة الأسف»، أي موت البغتة أخذة الغضب، أي من آثار غضب الله جل وعلا، إذ ينزل الموت بالإنسان دون أن يكون له فترة يتوب فيها ويستعد للآخرة، أو يمرض مرضًا يكفر به ذنوبه، لكن يأخذ بغتة كأخذ أهل المعاصي، كما قال الله سبحانه وتعالى ﴿أخذناهم بغتة وهم لا يشعرون﴾. قال أهل العلم، وهذا في حق الكافر والفاجر، أي أن موت الفجأة في حقه هو من غضب الله سبحانه وتعالى، أما في حق المؤمن التقي فهو رحمة له من الله. فلذلك ينبغي أن تكون، أيها المسلم، على استعداد لنزول الموت، فإنك لا تدري متى يأتيك ومتى يبغتك، فكن مستعدًا للقاء الله جل وعلا بالتوبة والإنابة والرجوع إلى الله سبحانه، وكذلك برد المظالم إلى أهلها، والحذر أن تكون متحملًا لحقوق الناس، فتكون وبالًا عليك يوم القيامة. وأن تستعد بالزاد الذي تلقى به الله جل وعلا، ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾، أسأل الله عز وجل بمنه وكرمه أن يوفقنا لطاعته، وأن يختم بصالحات أعمالنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، الحمد لله رب العالمين.