الخطبة بعنوان الرياح أحكام وآداب، بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ١٣ جماد الآخر ١٤٣٨هـ ألقاها
يتناول المقطع أحكام وآداب الرياح في الإسلام، حيث يُبين أن الله تعالى أقسم بالرياح في القرآن الكريم، ويُشير إلى أنها آية من آيات الله الكونية الدالة على عظيم قدرته.
الرياح خلق من خلق الله، قد تكون نعمة أو نقمة، وقد نهى النبي عن سبها لأنها مأمورة بأمر الله. ورد في النصوص أن الرياح أرسلت نصرًا للمؤمنين وهلاكًا للكافرين.
ينبغي للمسلم عند هبوب الرياح الشديدة أن يسأل الله خيرها ويستعيذ من شرها، مع استشعار الخوف خشية أن تكون عذابا، والرجوع إلى الله بالتوبة والاستغفار والصدقة.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعةٍ، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وكل ضلالةٍ في النار. يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم ﴿والذاريات ذروًا﴾، ويقول جل وعلا ﴿والمرسلات عرفًا فالعاصفات عصفًا والناشرات نشرًا﴾، أقسم الله جل وعلا في هذه الآيات بالرياح، وهو الهواء الذي يتحرك، وهو خلقٌ من خلق الله جل وعلا، أقسم الله جل وعلا به، ولا يقسم سبحانه إلا بعظيم، فإن الرياح عباد الله آيةٌ من آيات الله العظيمة، آيةٌ من آيات الله الكونية الدالة على عظيم قدرة الخالق سبحانه وتعالى. قال الله جل وعلا ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماءٍ فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابةٍ وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآياتٍ لقوم يعقلون﴾، أخبر الله جل وعلا في هذه الآية بعدة آياتٍ من آياته جل وعلا الكونية، ومنها تصريف الرياح. قال العلامة السعدي رحمه الله عند هذه الآية: «قال تصريف الرياح باردةً وحارة جنوبًا وشمالًا شرقًا ودبورًا، تارةً تجمع السحاب وتارةً تفرقه وتمزقه، وتارةً تدره وتارةً تأتي بالرحمة وتارةً تأتي بالعذاب، فالذي يصرفها والذي يتحكم فيها والذي يأمرها بالجريان وبالسرعة أو بغيرها هو الله سبحانه وتعالى». قال العلامة بن عثيمين رحمه الله: «لو أن الخلق كلهم اجتمعوا على تغيير جهة الرياح عن الجهة التي أمر الله سبحانه وتعالى أن تُصرف إليها لما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، بل ولو أن المكائن العالمية النفاثة أرادت أن تصنع مثل تلك الرياح الشديدة لما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، ولكن الله جل وعلا يُصرفها بقدرته سبحانه وتعالى حيث يشاء وعلى من يريد، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون». عباد الله، إن لهذه الرياح أحكامًا وآدابًا، منها أن الله جل وعلا قد يُرسِلُها رحمةً للعباد، ومن مظاهر الرحمة إنزال المطر الذي تحيى به الأرض ويحيى به الخلق وينتفع به المخلوقات. قال الله جل وعلا ﴿وهو الذي أرسل الرياح بشرًا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماءً طهورًا﴾، وقال سبحانه ﴿وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماءً فأسقيناكمه وما أنتم له بخازنين﴾، ومنها جريان السفن في البحار، فإن الله جل وعلا أجراها بهذه الرياح. قال الله جل وعلا ﴿ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام إن يشاء يسكن الرياح فيظلن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور﴾، ومن آياته أي من آيات الله جل وعلا الدالة على عظمة الخالق وعلى عظيم قدرته وعلى جلاله وكبريائه ﴿ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام﴾، الجوار أي السفن التي تجري في البحر كالأعلام أي كالجبال الشامخة العالية. إن يشاء يسكن الريح فيظلن رواكد على ظهره أي يمسك الرياح فلا يجعلها تتحرك فيظللنا تلك الجوار والسفن واقفة على ظهر الماء لا تستطيعوا الحركة يمينا ولا شمالا. قال الله جل وعلا ﴿وهو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاء تاريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين﴾. ومنها أن الله جل وعلا يرسلها نصرا لأنبيائه وأوليائه، كما حصل لنبينا عليه الصلاة والسلام يوم الأحزاب حين تجمعت القبائل من العرب من المشركين على مقاتلة النبي عليه الصلاة والسلام ومن معه من المسلمين، فحاصروهم في المدينة، فأرسل الله جل وعلا عليهم هذه الرياح وهذا المخلوق وهذا الجند من جنوده، وما يعلم جنود ربك إلا هو، فقلعت خيامهم وأطفأت نيرانهم وقلبت خدورهم فرجعوا منهزمين خاسرين. قال الله جل وعلا ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون هناك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا﴾. وقد يرسلها الله جل وعلا نقمة وعذابا وهلاكا، كما أرسلها الله جل وعلا على قوم عاد، قال الله جل وعلا ﴿وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم﴾، الريح العقيم هي التي لا خير فيها ولا بركة فيها، كما يقول ابن الجوزي رحمه الله: «الريح العقيم التي لا خير فيها ولا بركة فيها، فلا تلقح شجرا ولا تحمل مطرا، ولكن يرسلها الله لأجل الإهلاك لمن أراد الله جل وعلا هلاكه». وكم أهلك الله من أمم ومن أقوام بهذه الرياح والعواصف الشديدة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول كما في الصحيحين من حديث ابن عباس: «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور»، والصبا هي الريح الشرقية، والدبور هي الريح الغربية. عباد الله، إن الله عز وجل قد يرسل الرياح كما سمعنا إهلاكا لقوم من الناس، وكذلك أيضا قد يرسلها علامة على موت بعض أهل النفاق، ففي صحيح الإمام مسلم عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: «كنا مع النبي عليه الصلاة والسلام في سفر، فلما دنونا من المدينة هبت ريح شديدة، فقال عليه الصلاة والسلام: «هذه الريح علامة على موت منافق»، قال: فلما قدمنا المدينة فإذا عظيم من عظماء المنافقين قد مات»، وهذا علم من أعلام نبوته عليه الصلاة والسلام. ولذا بوّب الإمام البيهقي في دلائل النبوة على هذا الحديث قال: «باب ذكر الحديث أو الرياح التي هبت ودلت النبي عليه الصلاة والسلام على موت عظيم من المنافقين». ومنها، عباد الله، أنه لا يجوز سب الرياح، لا يجوز للمسلم أن يسب الريح لأنها خلق من خلق الله ومأمورة بأمر الله، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن سبها، ففي سنن أبي داود وهو في صحيح المسند لشيخنا رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الريح من روح الله تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها فلا تسبوها واسألوا الله خيرها واستعيذوا بالله من شرها». وجاء نحو هذا الحديث من حديث عائشة وأبي بن كعب وغيرهم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فأخبر عليه الصلاة والسلام أن الريح من روح الله أي من أمر الله ومن خلق الله وهي مأمورة بأمر الله جل وعلا. وفي حديث ابن عباس في السنن أن رجلا لعن الريح عند النبي عليه الصلاة والسلام فقال عليه الصلاة والسلام: «لا تلعن الريح فإنها مأمورة، وإن من لعن شيئا ليس له بأهل رجعت عليه»، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن سبها لأن سبها سب لخالقها ولموجدها وللآمر لها وهو الله، وهذا لا شك أنه ذنب عظيم وإثم كبير. فاحذر أيها المسلم أن تسب الريح عندما تهب أو تأتي بشدة، ولكن الذي ينبغي أن تسأل الله خيرها وأن تستعيذ بالله من شرها، فتقول: «اللهم إني أسألك خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر ما أرسلت به»، هكذا علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نقول عند هبوب الريح وعند اشتدادها. أقول ما تسمعون وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، ومن تلكم الآداب والأحكام أنه إذا اشتدت الريح يستحب للمسلم أن يقول: «اللهم لقحا لقحا لا عقيما»، كما ثبت ذلك عند الحاكم من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول إذا اشتدت الريح: «اللهم لقحا لا عقيما»، ومعنى لقحا أي مطرا، ولا عقيما أي عكس ذلك فتكون ريحا لا خير فيها ولا بركة. ومن ذلك أيضا يستحب قراءة المعوذتين «قل أعوذ برب الفلق» و«قل أعوذ برب الناس» عند اشتداد الريح، ففي سنن أبي داود أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يا عقب، اقرأ بهما فإنه ما تعوذ متعوذ بمثلهما»، قال: وسمعته يا أمنا بها في الصلاة. ومنها كذلك أيضا أنه يشرع الجمع بين الصلاتين عند هبوب الريح الشديدة، ويتأكد ذلك إذا صحبها المطر أو كذلك الظلام أو كذلك البرودة الشديدة، وذلك عملا بالقاعدة الشرعية: «المشقة تجلب التيسير»، والله جل وعلا يقول: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾. وفي حديث ابن عباس: «جمع النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة من غير سفر ولا مطر، فلما سئل عن ذلك قال: أراد أن لا يحرج أمته»، أراد أن لا يحرج أمته، فجمع عليه الصلاة والسلام لغير هذين السببين. كذلك أيضا ينبغي استشعار الخوف عند هبوب الريح، استشعار الخوف خشية أن تكون عذابا وأن تكون نقمة، فإن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا هبت الريح واجتمع السحب تغير وجهه حتى يعرف فيه الكراهية، فتقول له عائشة رضي الله عنها: «يا رسول الله، إن الناس إذا رأوا الغيمة فرحوا رجاء أن يكون مطرا»، فيقول عليه الصلاة والسلام: «وما أدري، لعله أن يكون عذابا، إن قوما عذبوا بالريح، وقوما رأوا السحب فقالوا: هذا عارض ممطرنا»، كما في صحيح البخاري. فكان هذا هديه عليه الصلاة والسلام، فإذا انكشفت أو نزل المطر سري عنه عليه الصلاة والسلام. واختلف أهل العلم هل يشرع للرياح صلاة كصلاة الكسوف على قولين لأهل العلم، منهم من أجاز ذلك لأن ابن عباس صلى صلاة الكسوف عند وقوع زلزال بالبصرة، ومنهم من منع ذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يصل صلاة الكسوف لغير كسوف الشمس والقمر، وقد وقعت الرياح الشديدة في زمنه وعهده فلم يصل لها. وأخبر عليه الصلاة والسلام بكثرة الزلازل ولم يأمر بالصلاة عند وقوعها. وهكذا كذلك ينبغي التوبة والإنابة إلى الله والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى والإقلاع عن الذنوب والمعاصي وكثرة الاستغفار والصدقة عند وقوع مثل هذه الآيات كالرياح أو الزلازل أو كذلك أيضا كسوف الشمس والقمر مع الصلاة فيها. وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه أوصى أمراءه عند وقوع الزلزال بكثرة الصدقة. وهكذا أيضا رحمة الآخرين من الفقراء والمساكين والعطف عليهم والإحسان إليهم، فإن رحمة الخلق سبب لرحمة الله، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «ارحموا ترحموا»، رواه الترمذي، وقال عليه الصلاة والسلام: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»، وقال: «من لا يرحم لا يرحم»، رواه البخاري. فينبغي أن تكون في قلوبنا الرحمة للآخرين والشفق عليهم والعطف والإحسان، وأحسنوا إن الله يحب المحسنين. أسأل الله جل وعلا أن وفقنا وإياكم لطاعته، ونسأله سبحانه أن يمن علينا بفضله ورحمته. اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.