آفة اللسان

الخطبة بعنوان آفة اللسان، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 25 شوال 1440هـ ألقاها

أهمية اللسان وخطورة إساءة استخدامه

الدرس يبرز أهمية نعمة اللسان والبيان ويحذر من خطورة اللسان في تحديد مصير الإنسان. يجب على الإنسان أن يحافظ على لسانه من الكلام المحرم.

تأثير الكلام على حياة الإنسان

الكلمة الطيبة ترفع من درجات الإنسان، بينما الكلمة السيئة قد تهوي به في النار. العبد مطالب بحفظ لسانه والتكلم بالخير أو الصمت.

عقوبة الغيبة والنميمة وسب الله ورسوله

النبي صلى الله عليه وسلم ينذر من يغتاب الناس أو يسب الله ورسوله بعذاب شديد. يُوصى بحفظ اللسان وتجنب الكلام الباطل.

الدعاء على أعداء الدين والثناء على الله

المقطع يتضمن دعاءً على أعداء الدين ويطلب من الله أن ينزل عليهم العذاب، وينتهي بالثناء على الله والصلاة على النبي محمد.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور مُحدثاتُها، وكل مُحدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، إن الله عز وجل منَّ على الإنسان بنعمٍ عظيمة ونعمٍ كثيرة لا نستطيع لها إحصاءً ولا عدَّا، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾، إن الإنسان لظلومٌ كفَّار. وإن من نعم الله جل وعلا العظيمة ومن نعمه العجيبة البديعة نعمةُ اللسان ونعمةُ البيان. قال الله جل وعلا: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾، وقال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾، قال الحسن رحمه الله: «هو النُطق، أي الكلام وإفصاح المرء عما يُريد». فإن ذلك من نعم الله جل وعلا، قال أحد السلف: «لو لا البيان لكان الإنسان صورةً ممثلة وبهيمةً مرسلة». هذه النعمة، عباد الله، التي إن حافظ عليها الإنسان كانت سببًا في سعادته وفلاحه في الدنيا والآخرة، وإن أهملها وأطلقها وأرسلها كانت سببًا في هلاكه وخسارته في الدنيا والآخرة. قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصحيح من حديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه: «من يضمن لي ما بين لحييه وما بين فخديه أضمن له الجنة»، أي: «من يضمن لي ما بين لحييه - أي لسانه - وما بين فخديه - أي فرجه - أضمن له الجنة». هكذا النبي صلى الله عليه وسلم يضمن للعبد إن حافظ لسانه عما حرم الله وعما يسخط الله جل وعلا، وحافظ فرجه كذلك عما حرم الله جل وعلا، يضمن له الجنة أن يفوز بها وأن يكون من أهلها. وما ذاك إلا لعظم هذه الجارحة التي منَّ الله جل وعلا بها على الإنسان. قال الإمام أبو حاتم ابن حبان رحمه الله: «جعل الله عز وجل جارحة اللسان أعلى الجوارح، فليس شيء منها أعظم منها أجرا إذا أطاع، ولا أعظم ذنبا إذا جنى»، أي: «ليس من جارحة من جوارح الإنسان أعظم منها أجر وأعظم منها ثوابا إذا أطاعت لله وإذا أحسنت في عملها من جارحة اللسان». كما أنه ليس من جوارح المرء أعظم ذنبا إذا جنت وعصت من جارحة اللسان. فإن جارحة اللسان قد ترفع المرء الدرجات العالية والمنازل الرفيعة، كما أنه قد تسقطه إلى المهارك. قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة في الصحيح: «إن العبد لا يتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالا تكون من رضوان الله يرفع الله بها العبد درجات، وإن العبد لا يتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالا تكون من سخط الله يهوي بها في النار سبعين خريفا»، أي: «سبعين عاما». كلمة يتكلم بها وينطق بها ويتلفظ بها لا يبالي بها ولا يلقي لها بالا ولا يلقي لها اعتبارا، إن كانت من طاعة الله ومما يرضي الله رفعته درجات، وإن كانت من سخط الله ومن غضب الله ومن معصية الله هوت به في النار درجات كثيرة. هذا حال اللسان، فلذلك حري بالعبد أن يحفظ لسانه وأن لا ينطق إلا بما يحب الله ويرضى. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت»، متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا إن كان سيتكلم وإن كان سينطق فلينطق بالخير وما يحب الله وما كان مباحا، وإلا فليسكت وليصمت، فإن ذلك خير له». فإن هذا اللسان يورد المرء موارد العطب، كما قال ابن حبان رحمه الله. والصمت يورث صاحبه المحبة والوقار. ومن صال لسانه وأمسك لسانه فإنه يسلم من شرور كثيرة. قال الإمام مالك ابن أنس رحمه الله: «كل شيء ينتفع بفضله إلا اللسان، فإن فضله يضر»، أي: «إن فضول الكلام إذا تكلم بها المرء وأطلق بها لسانه فإن ذلك يضره ولا ينفعه». ربما يتكلم المرء بكلمة لا يبالي بها فتكون سببا كما سمعنا في هلاكه وخسارته. جاء في السنن من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «قالت النبي عليه الصلاة والسلام: حسبك من صفية أنها كذا وكذا»، أي: «تعني قصيرة»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته»، أي: «لغيرته». غيرت طعمه وغيرت ريحه منتن. هذه الكلمة، مع أنها ما قالت إلا «قصيرة» فقط، ومع ذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «قلت كلمة عظيمة لو مزجت بماء البحر لغيرته». فكيف بما يتكلم به المرء مما هو أعظم من ذلك؟ هذا كلام ذرة في ذرتها، كيف إذا كان الكلام أشد من ذلك من سب أو طعن أو قدح أو ذم أو تنقص أو غيبة أو نميمة أو غير ذلك مما حرم الله جل وعلا؟ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أصبح ابن آدم فإن الجوارح كلها تكفر اللسان»، تقول: «اتق الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن عوججت عوججنا»، رواه الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه. ومعنى «تكفر اللسان» أي: «تخضع وتذل له، فهي تبع له، إن استقام اللسان استقامت الجوارح، وإن زل اللسان زلت الجوارح». لسان الفتى نصف ونصف فؤاده، فلم يبق إلا صورة اللحم والدم. إن العاقل إذا أراد أن يتكلم بكلمة عرضها على قلبه ونظر هل تنفعه أم تضره، فإن نفعته تكلم بها، وإن كانت تضره أمسكها. قال ابن حبان رحمه الله: «إن العاقل لسانه وراء قلبه، إن عرض له القول عرضه على قلبه، فإن كان خيرا فذاك، وإلا فأمسك». وأما الجاهل فإن قلبه على لسانه، فما وقى على لسانه تكلم به. ما أحوج هذا اللسان أن يحبس عن الكلام حتى يسلم المرء من شروره وغوائله. قال عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: «والله الذي لا إله غيره، ليس شيء أشد من أن يحبس المرء لسانه»، أي: «أن يحبسه صاحبه من كثرة الكلام والقيل والقال حتى يسلم من الآثام ومن الذنوب والخطايا». أقول ما تسمعون، وأستغفر الله، إنه الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، جاء في السنن من حديث أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما عُرِجَ بِي، مَرَرْتُ عَلَى أَقْوَامٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمِشُونَ بِهَا وُجُوهَهُمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم، الذين يغتابون الناس، فلانٌ فيه كذا وكذا، وفلانٌ فيه كذا وكذا». وهكذا يُطلِقون ألسنتهم في أعراض الناس، يُعذَّبون بهذا العذاب، يخمِشون وجوههم بأظفارٍ من نُحاس. انظر إلى عاقبة إطلاق اللسان. قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: «من لم يرَ كلامَه من عملِه كَثُرَتْ خَطَايَاه»، أي: «إن لم يرَ الإنسان أن ما يتكلم به فهو من الأعمال التي يُآخَذُ عليها ويُحاسَبُ عليها كَثُرَتْ ذُنُوبُه وكَثُرَتْ خَطَايَاه وَسَيِّئَاتِه»، وذلك لِعِظَمِ مَا يَقَعُ مِنَ اللِّسَان من الذنوب والخطايا والآثام. فلذلك فإن العاقل هو من يلزمُ الصمت إلى أن يلزمه الكلام، فما أكثر من ندم إذا تكلم، وأقل من ندم إذا سكت. وأطول الناس شقاءً وأعظمهم بلاءً من ابتُلِي بلسانٍ مُطلَق وفؤادٍ مُطبَق، من ابتُلِي بلسانٍ مُطلَق أن يُطلِقه في القيل والقال وفي الكلام وعدم المُبالاة، فقد ابتُلِي بلاءً عظيمًا بما سيُآخَذُ عليه مما يتكلم به بلسانه. وربُّنا عز وجل يقول: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، ويقول سبحانه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. فاحرِصْ أَيُّهَا الْمُسْلِمْ على حفظ لسانك، وإطلاقه في الكلام من غير خطامٍ ولا زمام، فكما سمعت: رُبَّ كلمةٍ تُلقيها وتنطِقُ بها فتكون سببًا في هلاكك وخسارتك في الدنيا والآخرة. كم تسمع من أناسٍ رُبَّ ما يسب ويلعن، بل رُبَّ ما يسب الدين أو يسب الرب أو يستهزئ بشيءٍ من دين الله سبحانه وتعالى، يتكلم بذلك وينطِق به لسانه ولا يُبالي ولا يعلم أو يظن أنه بهذه الكلمة قد أوقع نفسه في ذنبٍ عظيم. بل إن أهل العلم أجمع على أن من سبَّ الله أو سبَّ رسوله أو استهزأ بشيءٍ من دين الله أنه كافرٌ بالله العظيم، أنه كافر خارجٌ من دين الإسلام، إلا أن يتوب إلى الله جل وعلا بتوبةٍ صادقة وتوبةٍ نصوح. يتكلم بمثل هذا الكلام العظيم ولا يُبالي، وربما من كان معه يضحكون ويستهزئون بدلاً من أن يغضبون لله، بدلاً من أن يغضبوا لله وأن يُنكروا عليه ما سمعوا من هذا المُنكر العظيم الذي إِن رَضُوا بِه فَهُمْ مُشَارِكُونَ لَهُ فِي الْإِثْمِ، وَهُمْ مُشَارِكُونَ لَهُ فِي الْمُؤَاخَذَةِ. ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. هكذا، عباد الله، يَفْعَلُ اللِّسَانُ بِصَاحِبِهِ. فلذلك الحذر الحذر من إطلاقه وعدم أخذه، وكذلك خطمه وزمامه، فإنه كما سمعنا: ربما كان سبباً في خسارتك وهلاكك، كما أنه ربما يكون سبباً في سعادتك وفلاحك إن كان استعماله في طاعة الله جل وعلا، من ذكر الله وقراءة القرآن والتسبيح والتكبير والتهليل وغير ذلك من أعمال البر التي يُحبُّها الله جل وعلا ويرضاها. فإن للسان في ذلك من الأجور الشيء العظيم. بل إنه من فضل اللسان على سائر الجوارح أن الله جل وعلا أنطقه بالتوحيد دون غيره من الجوارح. فلا تجعل هذه الجارحة عدواً لك يوم القيامة وسبباً في شقائك وفي تعاستك وهلاكك وخسارتك الخسارة التي لا سعادة بعدها ولا فلاح بعدها. أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لطاعته، وأن يعيننا جل وعلا على فعل ما يُحبُّ ويرضا، ونسألُه سبحانه أن يعيننا على استقامة ألسنتنا، وأن يجعلها مُسخَّرةً في طاعته وعبادته وما يُحبُّ ويرضا. اللهم احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام قاعدين، واحفظنا بالإسلام راقدين. اللهم لا تُشمِّت بنا عدواً ولا حاسداً. اللهم عليك بأعداء هذا الدين من الروافض وأعوانهم. اللهم أنزل عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين. اللهم أنزل عليهم باسك الشديد يا رب العالمين. اللهم وخُذهم أخذ عزيزٍ مُقتدر، يا قوي يا متين. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على