التعليقات على كتاب الأدب المفرد 296

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 296، ألقاها

تحذير الإسلام من إضلال الناس وإرشادهم إلى الخير

يشرح المقطع الأول خطورة إضلال الأعمى عن الطريق ويبين أن هذا الفعل محرم، بينما يشجع على إرشاد المسلم لأخيه إلى الخير. كما يشير إلى أن هذا المبدأ ينطبق على إضلال الناس عن الحق والمعروف.

مفهوم البغي والتحذير منه في الإسلام

البغي هو الاعتداء والتعدي على الآخرين، وهو محرم وكبيرة من كبائر الذنوب. الله عز وجل يأمر بالعدل والإحسان وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي.

فضل الإحسان إلى البنات وخطورة البغي وقطيعة الرحم

يُشجع الإسلام على الإحسان إلى البنات، ويُحذر من البغي وقطيعة الرحم، حيث يُعدان سببًا لتعجيل العقوبة في الدنيا. الإحسان إلى البنات له أجر عظيم، بينما البغي وقطيعة الرحم ذنبان عظيمان يُعجل الله العقوبة لفاعليهما.

تأكيد التحذير من البغي وقطيعة الرحم بحديث نبوي

المقطع الأخير يشرح حديثا نبويا يشير إلى أن البغي وقطيعة الرحم يعجلان العقوبة في الدنيا، ويبين صحة أجزاء الحديث المختلفة.

  • 29 جمادى الآخرة 1433هـ - 20/05/2012مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»، باب من كمه أعمى، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن عمر بن أبي عمر، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لعن الله من كمه أعمى عن السبيل». وهذا الحديث حسن، العلامة الألباني رحمه الله. ترجم الإمام البخاري رحمه الله هذه الترجمة باب من كمه أعمى، أي ما جاء فيمن كمه أعمى، أي أضله عن الطريق. وذكر في حديث ابن عباس أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لعن الله من كمه أعمى عن السبيل»، أي من أضل أعمى عن السبيل وعن الطريق فأضله ولم يهده، فعليه لعنة الله. ولعنة الله عز وجل معناها الطرد من رحمته. ففي هذا بيان خطر من كمه أعمى عن السبيل وأضله عن السبيل والطريق. وقد مر معنا بالأمس ذكر أجر وثواب من أهدى، وكذلك أدل من ضل الطريق، أن له بذلك أجر عتق نسمة. وهكذا عكس ذلك، من أضل عن الطريق، وخاصة الأعمى؛ لأن الأعمى لا يبصر، فهو يحتاج إلى من يعينه ومن يرشده إلى معرفة الطريق. والذي ينبغي للمسلم أن يعين أخاه على الخير، وأن يأخذ بيد أخيه إلى ما فيه نفعه وإزالة الضر عنه. وكذلك الأعمى يحتاج إلى من يقوده ومن يهديه، فإذا أضله كان له بذلك هذا الإثم العظيم، أن تناله لعنة الله سبحانه وتعالى. «لعن الله من كمه أعمى عن السبيل»، هذا الأعمى العمى الحسي، وقد يلحق به كذلك من كان أعمى عمى معنوي، وهو من لم يعرف الحق واحتاج إلى من يدله ويرشده إلى معرفة الحق. فمن أضله فهو له نصيب من هذه اللعنة. فالإنسان ربما يكون ضالا يحتاج إلى من يهديه ومن يرشده ومن يبين له الحق، فإذا أضله الإنسان ولم يبين له الحق، بل أخذ بيده إلى ما فيه هلاكه وأودى به في أودية الباطل وأودية الضلال، فلا شك أن ذلك من الغش، ومن كذلك عدم صدق المرء مع أخيه، فإنه يكون بذلك قد أضله عن السبيل. الواجب على المسلم أن يدل أخاه المسلم إلى الخير وأن يرشده إلى ما فيه هدايته وما فيه نجاته وسلامته من الشر ومن غضب الله سبحانه وتعالى. قال: باب البغي، قال: حدثنا إسماعيل بن أبان، قال: حدثنا عبد الحميد بن بهرام، قال: حدثنا شهر، قال: حدثني ابن عباس، قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم بفناء بيته بمكة جالس، فناء البيت يعني الساحة التي تكون أمام البيت، قال: إذ مر به عثمان بن مضعون، فكشر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أي تمسم في وجه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا تجلس؟» قال: بلى، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم مستقبله، فبينما هو يحدثه إذ شخص النبي صلى الله عليه وسلم بصره إلى السماء، فقال: «أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم آنفا وأنت جالس». قال: «فما قال لك؟» قال: «إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون». قال عثمان: وذلك حين استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمدا. هذا الباب جمعه الإمام البخاري رحمه الله بقوله باب البغي، أي ما جاء في ذكر البغي والتحذير منه. والبغي هو بمعنى الاعتداء والتعدي، أن يبغي الإنسان على غيره فيعتدي عليه في عرضه أو في ماله أو في دمه. والبغي محرم، وهو كبيرة من كبائر الذنوب. وذكر فيه حديث ابن عباس في قصة عثمان بن مضعون رضي الله تعالى عنه، ومروره عند النبي عليه الصلاة والسلام، وإنزال الله عز وجل هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فالله عز وجل يأمر بالعدل والإحسان، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي. والعدل هو بمعنى القصد ووضع الشيء في موضعه. فالعدل مأمور به أمر الله سبحانه وتعالى بالعدل، وهو مأمور به في كل الأمور وفي كل الأحوال. وبالعدل قامت السماوات والأرض، وبذلك العدل تستقيم حياة الناس وتستقيم معايشهم وتحفظ لهم دنياهم ودينهم، ويحفظ لهم الخير في الدنيا والآخرة. وهكذا الإحسان وإيتاء ذي القربى، أي صلة الأرحام. والفحشاء هي المحرمات والمنهيات، والمنكر كذلك المنكرات هي من الفحشاء. قال أهل العلم: المنكر ما ظهر من المحرمات، ما ظهر منها فهو منكر يجب إنكاره. والبغي وهو التعدي والاعتداء على المرء في نفسه أو ماله أو عرضه، فإن ذلك مما ينهى الله سبحانه وتعالى عنه. ﴿يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي يعظنا الله عز وجل بذلك لعلنا نتذكر ونعتبر ونتعظ. وهذا الحديث لا يصح، فإن فيه شهرا وهو من ضعفاء الرواة. لكن الآية تدل على التحذير من البغي وأن البغي محرم مما نهى الله سبحانه وتعالى عنه. وكذلك أخبر الله سبحانه وتعالى في آية أخرى في سورة الأنعام في ذكر المحرمات، وذكر منها البغي: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. فذكر الله عز وجل من المحرمات البغي بغير الحق. وقوله البغي بغير الحق هذا من باب التوضيح، وكما يسميه العلماء صفة كاشفة لا مفهوم لها، أي ليس هناك بغي بحق، بل كل بغي فهو بغير حق. قال: باب عقوبة البغي، قال: حدثنا عبد الله بن أبي الأسود، قال: حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي، قال: حدثنا محمد بن عبد العزيز، عن أبي بكر بن عبيد الله بن أنس، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من عال جاريتين حتى تدركا دخلت أنا وهو في الجنة كهاتين»، وأشار محمد بالسبابة والوسطى. قال: وبابان يعجلان في الدنيا البغي وقطيعة الرحم. هذا الباب ذكره بوابه رحمه الله بقوله باب عقوبة البغي، أي من بغى فإنه يعاقب بهذه العقوبة العاجلة التي أخبر بها النبي عليه الصلاة والسلام. فذكر حديث أنس أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من عال جاريتين حتى تدركا»، أي حتى تبلغا، «دخلت أنا وهو في الجنة كهاتين»، وأشار محمد، أي ابن عبد العزيز، بالسبابة والوسطى، يعني هكذا بالسبابة والوسطى إشارة إلى دخوله الجنة مع النبي عليه الصلاة والسلام أو كان متبعا للنبي صلى الله عليه وسلم في دخوله الجنة. وفي هذا حث وترغيب من الشرع في الإحسان إلى البنات، في الإحسان إلى البنات بالقيام بالنفقة عليهن وتربيتهن والصبر عليهن، فإن له بذلك هذا الأجر العظيم. من عال جاريتين، ومعنى عال أي قام عليهن وحفظهن وأنفق عليهن وأحسن إليهن. من عال جاريتين حتى تدركا، أي حتى تبلغا، «دخلت أنا وهو في الجنة كهاتين». ففيه فضل وثواب وأجر من أحسن إلى البنات. وسبب ذلك ما كان عليه أهل الجاهلية من كراهتهم للبنات، وكانوا يدفنون البنات وهن أحياء. وإذا المؤودة سئلت بأي ذنب قتلت. ولأن كذلك رب الكثير من الآباء قد يكره البنات ويحب أن يكون نسله من الأولاد، فلأجل ذلك رغب الشرع في تربية البنات والإحسان إليهن، وجعل فيه من الأجور الشيء العظيم. قال: وبابان يعجلان في الدنيا البغي وقطيعة الرحم. وهذا والشاهد من ذكر هذا الحديث في هذا الباب. وبابان يعجلان في الدنيا، يعني يعجل له العقوبة، تعجل لهما العقوبة. والمراد ببابين أي نوعين وجنسين، يعجلان في الدنيا البغي وقطيعة الرحم. وقد جاء في معنى ذلك حديث حسن، صححه الألباني رحمه الله. ومر معنى ذلك في الأبواب التي سبقت في أول الكتاب، من حديث أبي بكرة في ذكر النبي عليه الصلاة والسلام: «ما من ذنب أعظم من أن يعجل الله له العقوبة من البغي وقطيعة الرحم». فالبغي سبب عظيم لتعجيل الله عز وجل العقوبة على صاحبه. إذا بغى الإنسان واعتدى وظلم، فإن ذلك سبب لعقوبة الله سبحانه وتعالى له ولتعجيل العقوبة له في الدنيا. فإن المعتدى عليه والباغي عليه لا شك أنه سيدعو على من بغى عليه واعتدى عليه وظلمه، ومعلوم أن دعوة المظلوم لا ترد. فالله عز وجل يعجل له العقوبة في الدنيا. كذلك قطيعة الأرحام وعدم صلتها سبب لتعجيل العقوبة. إذا قطع الإنسان رحمه كوالديه أو إخوانه أو أعمامه أو عماته أو أخواله أو غيرهم من أرحامه، فإن ذلك سبب لتعجيل العقوبة من الله جل وعلا له. فالواجب على المسلم أن يحذر من البغي والاعتداء على الناس، وليعلم أن الله عز وجل قادر عليه، والله سبحانه وتعالى لا يخفى عليه شيء من عمله. وهكذا أن يحذر من قطيعة الرحم، فإنها ذنب عظيم وكبيرة من كبائر الذنوب. ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾. فالله عز وجل لعن الذي يقطع ما أمر الله سبحانه وتعالى بصلته، ومنها صلة الأرحام التي أمر الله سبحانه وتعالى بصلتها. فينبغي للمسلم أن يحرص على صلة أرحامه، وأن لا يقطعها، بل ينبغي أن يوصلها كما أمر الله سبحانه وتعالى. والشاهد من هذا الحديث كما سمعنا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «وبابان يعجلان في الدنيا البغي وقطيعة الرحم». فالبغي سبب لتعجيل العقوبة من الله جل وعلا للباغي. وهذا الحديث، القطعة الأولى منه في صحيح مسلم، قوله: «من عال جاريتين حتى تدركا كنت أنا وهو كهاتين في الجنة». هذا في صحيح مسلم. وأما الزيادة: «وبابان يعجلان في الدنيا البغي وقطيعة الرحم»، فهذا خارج الصحيح. صححه الشيخ الألباني رحمه الله.

شاركنا على