الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 312، ألقاها
يتناول هذا الفصل شرعية قيام الرجل لأخيه بناءً على أحاديث نبوية، حيث يختلف حكم القيام حسب السياق. يُشرح الحديث عن كعب بن مالك وتوبته بعد تخلفه عن غزوة تبوك وموقف طلحة بن عبيد الله من القيام له.
يتناول هذا الفصل دلالة الأحاديث على جواز القيام للمصافحة أو إنزال شخص من مركبه، ويشرح قصة سعد بن معاذ وحديث أنس بن مالك في هذا السياق.
يناقش هذا الفصل أحكام القيام للشخص، ويقسمها إلى ثلاثة أقسام: محرم إذا كان للتعظيم، ومكروه إذا كان بدون مصافحة، وجائز إذا كان للمصافحة والسلام على القادم من سفر أو الزائر.
يؤكد هذا الفصل على أهمية اتباع السنة النبوية في الأحكام والتوجيهات، خاصة إذا كان واضحا أن السنة تنهى عن القيام في موقف معين، فيكون الأول اتباع السنة وعدم القيام.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»، باب قيام الرجل لأخيه. قال: حدثنا عبد الله بن صالح، وهو كاتب الليث، قال: حدثني الليث وابن سعد، قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب -وكان قائد كعب من بنيه حين عمي- قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن غزوة تبوك، فتاب الله عليه، وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنونني بالتوبة، ويقولون: لتهنك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد، فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم حوله الناس، فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهناني. والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره، لا أنساها لطلحة. والحديث صحيح، وقد أخرجه الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه، وهكذا الإمام مسلم، أو حديث طويل في قصة كعب بن مالك وصاحبيه حين تخلفوا عن غزوة تبوك. وذكر الإمام البخاري رحمه الله هذه القطعة منه ليستشهد بها على ما بوب عليه في هذا الباب. قال: وحدثنا محمد بن عرعرة، قال: حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبي سعيد الخدري، أن ناسا نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأرسل إليه، فجاء على حمار. فلما بلغ قريبا من المسجد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ائتوا خيركم أو سيدكم». فقال: يا سعد، فقال: يا سعد، إن هؤلاء نزلوا على حكمك. قال سعد: أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذريتهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حكمت بحكم الله أو قال حكمت بحكم الملك». والحديث صحيح، وهو أيضا في الصحيحين. قال: وحدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن أنس، قال: ما كان شخص أحب إليهم رؤية من النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا إذا رأوه لم يقوم إليه لما يعلمون من كراهيته لذلك. والحديث أيضا صحيح. وقد صحح الشيخ الألباني رحمه الله هذه الأحاديث وغيرها من الأحاديث التي ذكرها المؤلف رحمه الله في هذا الباب ليستدل بها على حكم قيام الرجل لأخيه. وأن قيام الرجل لأخيه يختلف، فمنه ما هو جائز، ومنه ما هو مكروه، ومنه ما هو محرم. فذكر حديث كعب بن مالك رضي الله عنه في قصته حين تخلف عن غزوة تبوك، ولم يكن له عذر، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بهجره، وهجر صاحبيه حين تخلفا عن الغزوة، وبقوا على ذلك خمسين ليلة، وهم على هذا الحال. ثم أنزل الله سبحانه وتعالى توبتهم. فلما بشر رضي الله عنه بتوبة الله عز وجل عليه، انطلق إلى المسجد، والنبي صلى الله عليه وسلم يبشر الناس بتوبة الله سبحانه وتعالى عليهم. فلما دخل هنأه الناس بتوبة الله عليه، وكذلك بشره النبي عليه الصلاة والسلام بتوبة الله سبحانه وتعالى عليه، فقام إليه طلحة بن عبيد الله يهرول -يعني مسرعا- قام إليه فصافحه وهنأه بتوبة الله: «لتهنيك توبة الله عليك». قال كعب: والله ما قام إلي رجل غيره -يعني غير طلحة- فكان كعب لا ينساه لطلحة. وهذا هو الشاهد من ذكر هذا الحديث قوله: فقام إلي طلحة بن عبيد الله -يعني قام إليه ليصافحه- فكعب دخل، وطلحة كان جالسا، فلما رآه قام إليه وصافحه، فدل هذا الحديث على أنه يجوز للإنسان أن يقوم ويصافح أخاه. وهكذا أيضا حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في قصة سعد بن معاذ رضي الله عنه وحكمه في بني قريظة. فالنبي عليه الصلاة والسلام لما غزاهم بعد الخندق وحاصرهم نزلوا على حكم سعد بن معاذ، رضوا أن يحكم فيهم سعد بن معاذ. وسعد رضي الله عنه كان في المدينة في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام في خيمة، لأنه أصيب في أكحله يوم الخندق، فجعله النبي عليه الصلاة والسلام في خيمة قريبة من المسجد حتى يزوره. فلما نزلوا على حكمه أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليه أن يأتي، فجاء على حمار، كان راكبا على حمار. فلما بلغ قريبا من المسجد -والمراد المسجد هنا هو المسجد الذي اتخذه النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة عندما كان جالسا في بني قريظة، ليس مسجد المدينة، لأن سعد كان في المدينة، والنبي صلى الله عليه وسلم كان في بني قريظة- فلما جاء قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قوموا إلى سيدكم». وفي رواية قال: «قوموا إلى سيدكم». ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: يا سعد، إن هؤلاء نزلوا على حكمك. وكانوا يظنون أنه سيرفق بهم لما كان له أو بينهم وبينهم من الحلف، فقال سعد: أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم -يعني المقاتل من الرجال يقتلون- وتسبى ذريتهم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «حكمت بحكم الله أو حكمت بحكم الملك» -يعني أصبت فيهم حكم الله سبحانه وتعالى- والشاهد منه أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «قوموا إلى سيدكم»، قوموا إلى سيدكم، أيضا دل على أنه يجوز القيام للرجل، القيام إليه لأجل إعانته وإنزاله، لأن سعد كان مريضا، كان مريضا، وجاء في بعض الروايات أنه كان بطينا -يعني سمينا- فأمرهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يقوموا إليه حتى ينزلوه من على الحمار. وجاء في رواية عند الإمام أحمد قال: «قوموا إلى سيدكم فأنزلوه»، قوموا إلى سيدكم فأنزلوه. وفي حديث أنس، قال: ما كان شخص أحب إليهم رؤية من النبي صلى الله عليه وسلم -يعني الصحابة- ما كان أحد أحب إليهم من النبي صلى الله عليه وسلم، كان أحب الناس إليهم. قال: وكانوا إذا رأوه لم يقوموا إليه -يعني لم يقوموا للنبي صلى الله عليه وسلم- لما يعلمون من كراهيته لذلك، كان يكره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوم الناس له. والصحابة كانوا أحب الناس إليهم هو النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك ما كانوا يقومون له؛ لأنهم يعلمون أنه يكره ذلك. فهناك أيضا أحاديث أخرى في مسألة حكم القيام، منها ما يدل على التحريم، كحديث معاوية -سيأتي بعد- في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يتمثل له الناس قياما فليتبوأ مقعده من النار». وأيضا حديث أبي هريرة: «إن كنتم آنفاً لتفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود». والخلاصة: ذكر أهل العلم أن قيام الرجل لأخيه ينقسم إلى ثلاثة أقسام. القسم الأول: وهو المحرم، وهو القيام له لقصد التعظيم، أن يقوموا عليه القيام عليه لقصد التعظيم، أن يجلس ويقوم الناس فوقه، هذا محرم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن كنتم آنفاً لتفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود»، هم جلوس والناس عليهم قيام، هذا محرم. والقسم الثاني: وهو القيام للرجل، قيام الرجل لأخيه ليس لقصد المصافحة، وإنما من باب التعظيم، أو كذلك أيضا مجرد القيام له من باب التشريف أو نحو ذلك من المقاصد، ليس لقصد أن يصافحه ويسلم عليه، هذا مكروه، وقد يصل إلى حد التحريم. وكما سمعنا في حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكره أن يقوم الناس له. وكذلك أيضا قد يدخل فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يتمثل له الناس قياما فليتبوأ مقعده من النار». فإذا كان المقصود هو حصول التعظيم له، وأن الناس يقومون له، فهذا يصل إلى حد التحريم. وإذا كان ليس مقصده التعظيم، ولكن من باب يعني إكراما له أن يقوم له، فهذا مكروه، وينبغي تركه. ومن ذلك ما يفعله بعض المدرسين حين يدخل إلى الفصل فيأمر الطلاب بالقيام، يأمر الطلاب بالقيام له، هذا الذي ينبغي أن يترك. وقد نص أهل العلم على أن مثل هذا مكروه، ويخشى أن يقع في التحريم. والقسم الثالث: هو القيام للرجل لأجل مصافحته والسلام عليه، إنسان قدم من سفر أو زائر، فهذا لا بأس، يجوز أن تقوم له وتصافحه، مثل ما جاء في حديث كعب بن مالك، وفي حديث: «قوموا إلى سيدكم» لأجل إنزاله. وهكذا إذا قدم إنسان من سفر، يجوز أن تقوم وتصافحه وتعانقه وأنت قائم، هذا جائز. فالقسم الأول محرم، وهو القيام عليه أو له للتعظيم. والقسم الثاني هو مجرد القيام لغير قصد المصافحة، فهذا أقل الأحوال الكراهة. والقسم الثالث: القيام له لأجل القيام إليه لأجل مصافحته والسلام عليه، فهذا جائز. والأدلة في جواز مثل هذا كثيرة، مما ذكره المؤلف، وسيأتي أيضا أحاديث أخرى ذكرها المؤلف رحمه الله. بقي لو كان من عادة الناس أنهم يقومون لمن دخل عليهم في بعض القرى والبلاد، إذا دخل إنسان فمن عادتهم أن يقوم له ويسلم عليه قيام، ولو كان غير مسافر من نفس أهل البلد، لكن العادة والعرف أنه إذا جاء ودخل المجلس أن يقوم أهل المجلس ويسلم عليه قيام. فهذا كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: إذا كان عدم القيام إليه والمصافحة على الهيئة التي هو عليها سيكون سببا في وقوع الشحناء والبغضاء في قلبه، وأن هؤلاء الناس ليس عندهم تقدير لي، ولا إكرام، ونحو ذلك. قال: فهنا لا بأس أن يقام له ويصافح وهو قائم على الهيئة التي اعتادوا عليها. قال: وإما إن كان الأمر عندهم واضحا، وأن السنة كراهية مثل ذلك وعدم القيام، فهنا الأولى عدم القيام. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.