الدرس في الركائز العشر 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستهل الدرس بقراءة مقدمة العلامة أحمد النجم المثنية على رسالة الركائز العشر، ثم يبين المؤلف أن أول ركائز طالب العلم هي الاستعانة بالله وعدم الاغترار بالذكاء والحفظ مستدلاً بآية ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وتؤكد المقدمة على ضرورة التوجه القلبي إلى الله تعالى طلباً للعون والتوفيق في التحصيل العلمي.
يشدد المقطع على وجوب استشعار العبد حاجته الماسة إلى إعانة الله عند طلب العلم وحفظ القرآن والسنة، مبيناً أن من استعان بالله أعانه وكفاه. كما يوضح أن التوكل الحقيقي هو الركيزة الأساسية وأن الرزق يشمل العلم النافع، مستشهداً بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم عند الخروج ومحذراً من الركون إلى الأسباب المادية دون تعلق القلب بالله.
يعلن المحاضر انتهاء الدرس الحالي بعد تغطية الركيزة الأولى، مشيراً إلى أن بقية الركائز العشر ستُستكمل في دروس لاحقة. ويختم بالتأكيد على علم الله تعالى وإحاطته بكل شيء.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإن شاء الله تعالى في مثل هذه التغطيات نتذاكر ونتدارس رسالة نفيسة احتاجها كل طالب علم، لمؤلفها الشيخ عبد الله بن صلفيق الضفيري، وقدم لها العلامة أحمد النجم رحمه الله تعالى، وسماها: «الركائز العشر للتحصيل العلمي». فنقرأ أولاً مقدمة العلامة النجم رحمه الله تعالى، مما يدلنا على أهمية هذه الرسالة لكل طالب علم، فقال رحمه الله تعالى: «الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه. أما بعد: فقد عرض علي أخونا في الله عبد الله بن صلفيق الضفيري كلمته التي كتبها عن الركائز التي ينبغي لطالب العلم أن يسلكها، فرأيتها كلمة ممتازة، وفق فيها إلى حصر الركائز التي يحتاج إليها طالب العلم، والتدليل عليها من الكتاب والسنة. وبالجملة فقد أجاد وأفاد، فجزاه الله خيراً، وبارك فيه، وكثر من أمثاله. وإني لأحث طلاب العلم على حفظ هذه الركائز والعناية بها، وبالله التوفيق». فهذه مقدمة للعلامة النجم رحمه الله لهذه الرسالة، وفي طيات هذه المقدمة حث، وهكذا تأكيد لأهمية هذه الرسالة لكل طالب علم. فكان الاختيار على هذه الرسالة، لا سيما ونحن في هذا المركز نعيش بين العلم وبين أهله وبين طلاب العلم، وكثير ممن يرتاد هذا المسجد محب لطلب العلم، فهذه الرسالة لا يستغني عنها أحد سلك مسلك العلم وطلب العلم. قال المؤلف حفظه الله: «بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد: فهذه كلمات يسيرة في بيان الأسس التي يحتاجها السالك مسلك طلب العلم، أوصي وأذكر بها نفسي وإخواني. فإن من رام العلم وأراد تحصيله لا بد له من ركائز وأسس، أسس عشرة. نعم، فإن من رام العلم وأراد تحصيله لا بد له من ركائز وأسس عشرة». قال: «أولاً: الاستعانة بالله عز وجل. هذه هي الركيزة الأولى التي ينبغي أن يستشعرها طالب العلم في طريقه، هذه طريق العلم، أن يستعين بالله سبحانه وتعالى في تحصيله. قال: فالمرء ضعيف، لا حول ولا قوة له إلا بالله. وإذا وكل إلى نفسه هلك وضاع، وإذا وكل أمره إلى الله تعالى واستعان به على طلب العلم فإن الله يعينه. وانظر إلى كثير ممن أوتي الذكاء، وأوتي كذلك سرعة الحفظ، فلما اغتر بحفظه، واغتر كذلك بذكائه، لم يوفق للاستمرار على هذا الطريق، لأنه وكل إلى نفسه، واغتر بذكائه وحفظه. فينبغي على طالب العلم أن يستعين بالله عز وجل، وأن يعلم أن تحصيله للعلم يحتاج إلى إعانة من خالقك سبحانه وتعالى». قال: «وقد حث الله عز وجل على ذلك في كتابه الكريم، فقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. نقرأ هذه الآية في كل ركعة من ركعات صلاتنا، فمن منا يستشعر هذا المعنى العظيم الجليل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾؟ كما أنك تستعين بالله عز وجل في قضاء حوائجك الدنيوية من طلب الرزق، ومن كذلك طلب السعادة، ومن كذلك طلب العون في أمور كثيرة، فلا تغفل أن تستشعر أنك محتاج إلى إعانة الله عز وجل في طلب العلم. في طلب العلم تستشعر هذا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. تستعين بالله في حضور مجالس العلم، فإن حضور مجالس العلم يحتاج إلى إعانة من الله سبحانه وتعالى. ولذلك لما لم يوفق كثير من الناس إلى هذا الأمر وهو استشعار الاستعانة، انصرف كثير من الناس عن مجالس العلم، ويجد كثير من الناس المشقة وهكذا الضيق في جلوسهم في مجالس العلم، لماذا؟ لأنهم لم يستعينوا بالله، ولم يعلقوا قلوبهم بالله عز وجل. فإن من استعان بالله أعانه. وهكذا حفظك للعلم يحتاج منك إلى أن تستعين بالله سبحانه وتعالى. أردت أن تحفظ القرآن فاستعن بالله عز وجل، وعلق قلبك بالله سبحانه وتعالى، وعلم أن الله عز وجل إذا علم صدقك وعلم كذلك إخلاصك سيوفقك إلى حفظ كتابه. فأنت تستشعر هذا. كذلك تعاهد القرآن ومراجعة القرآن وإتقان القرآن يحتاج منك إلى استعانة، أن تستعين بالله عز وجل. ولتعلم كما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن القرآن أشد تفلتاً من الإبل في عقلها، فما الذي يجعلك متقناً للقرآن بعيداً عن التفلت فيه؟ إنه الاستعانة بالله عز وجل أن يعينك على تكراره، وعلى مراجعته، وعلى كثرة قراءته. فكل ذلك يحتاج منك إلى أن تستعين بخالقك سبحانه وتعالى. وهكذا حفظ سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تحتاج منك إلى استعانة. فاستشعر هذا عندما تقرأ هذه الآية، استشعر أنك سلكت هذا الطريق الموصل إلى الجنة، ففي طريقك هذا أنت في أمس الحاجة إلى إعانة الله عز وجل لك. فاستشعر هذا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. كما أنك تخلص العبادة لله عز وجل وحده، تصلي لله وحده، تدعو الله وحده، تستغيث بالله وحده، فكذلك استشعر أنك تستعين بالله وحده سبحانه وتعالى. والاستعانة هي من العبادة، وإنما خصت هنا للاهتمام بشأنها ولعظيم أمرها، فخصصت بالذكر بعد العبادة، وإلا فالعبادة... فَالاستعانة من أنواع العبادة، من أنواع العبادة». قال المؤلف: «وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، أي: كافيه. فأنت إذا استعنت بالله وتوكلت على الله عز وجل فالله سبحانه وتعالى يكفيك، وهكذا يعطيك ما تطلبه وما تدعوه. نعم، متى ما توكلت عليه وحده سبحانه وتعالى. وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصاً وَتَرُوحُ بِطَاناً». والحديث معروف مشهور من حديث عمر رضي الله تعالى عنه. قال: وأعظم الرزق العلم. فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ»، لا تظن أن الرزق خاص بالمأكل والمشرب، هذا من الرزق، كذلك العلم النافع رزق من الله سبحانه وتعالى، فيحتاج منك إلى توكل، يحتاج منك إلى اتخاذ الأسباب الشرعية والاستعانة بالله سبحانه وتعالى، وعدم كذلك الركون إلى غيره، لا تَرْكَن إلى السبب وتتعلق بالسبب. لا تقل: أنا عندي ذكاء، وأنا عندي وقت وفراغ، وأنا عندي مال، وأنا عندي كذا وكذا، فتظن أن هذه الأسباب المهيئة لك تكفي في تحصيلك للعلم وفي أخذك للعلم. ليس الأمر كذلك، بل إن توفرت لك هذه الأسباب فتوكل على الله، فعلق بالله سبحانه وتعالى، وعلم أن الله عز وجل هو الرزاق ذو القوة المتين، فهو الذي يعطيك هذا العلم سبحانه وتعالى». قال: «ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم دائماً متوكلا مستعيناً بربه في أموره كلها، وهذا واضح بين في سنته عليه الصلاة والسلام، فكم من الدعوات التي فيها هذا المعنى. قال: وفي دعاء الخروج الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم دلالة على ذلك، حيث كان يقول - يعني عند خروجه من المنزل -: «بِسْمِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ». والحديث أخرجه الترمذي وأبو داود من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وحسنه أو صححه العلامة الألباني عليه رحمة الله. فانظر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما يخرج من بيته يأتي بهذا الدعاء: «بِسْمِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ»، لأن عند خروجك من البيت فأنت تطلب الرزق من الله عز وجل، سواء كان من العلم النافع، سواء كان كذلك من الرزق الحلال الطيب، أو إلى غير ذلك. فعند خروجك وعند سعيك في هذه المعمورة تبتدئ خروجك بهذا الدعاء العظيم الذي فيه هذا المعنى، ألا وهو التوكل على الله عز وجل وحده. وهكذا التخلي عن الحول والقوة، تتخلى عن حولك وقوتك، وأنه لا حول لك ولا قوة إلا بالله سبحانه وتعالى. وإن كنت صحيحاً، وإن كنت شاباً قوياً، وإن كنت ذكياً، وإن كنت كذلك ما كنت، وما توفرت لك من الأسباب، فأنت بحاجة إلى عون الله سبحانه وتعالى لك. فأنت بحاجة إلى عون الله سبحانه وتعالى لك». فهذه أول ركيزة وأول أساس ينبغي أن يبني عليه طالب العلم مسلكه العلمي، أن يستشعر هذا، وأن يستعين بخالقه سبحانه وتعالى في سيره العلمي. فإن شاء الله نكتفي في هذا الدرس بما ذكر، ونكمل بقية الركائز في دروس قادمة. إلى هنا، والله تعالى أعلم.