الركائز العشر 3

الركائز العشر 3

الدرس في الركائز العشر 3، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

الدعاء والتضرع لطلب العلم النافع

تتمثل الركيزة الثالثة لطالب العلم في التضرع إلى الله وسؤاله التوفيق والسداد والاستزادة من العلم النافع، مستدلاً بالآيات والأحاديث التي تحث على الدعاء وتضمن الإجابة. ويؤكد المقطع على أهمية أن يحرص طالب العلم على سؤال ربه العلم النافع خاصة في الثلث الأخير من الليل.

الأدعية النبوية بعد الفجر وللصحابة

يسرد المقطع دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بعد صلاة الفجر: «اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا طيبًا، وعملًا متقبلًا»، مبيناً مناسبته لبدء اليوم. كما يستعرض دعاء النبي لأبي هريرة بالحفظ ولابن عباس بالفقه والتأويل، مشيراً إلى استجابة الله لهما مع اجتهادهما الشخصي.

جمع السلف بين الدعاء والأخذ بالأسباب في طلب العلم

يبرز المقطع كيف جمع أبو هريرة وابن عباس رضي الله عنهما بين دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لهما وبين الجد والاجتهاد الشديد في ملازمة العلماء، ولم يكتفيا بالدعاء فقط. ويذكر حال شيخ الإسلام ابن تيمية في تضرعه لله مع أخذه بالأسباب الشرعية حتى آتاه الله العلم الواسع.

ثمرة العلم: الاجتهاد والإخلاص والاستعانة بالله

يؤكد المقطع أن العالم يجمع العلم بفضل الجد والاجتهاد والدعاء والإخلاص لله، وأن تأليف الكتب وحفظها ثمرة لهذا الجهد المتواصل. ويختتم بالتأكيد على أن العلم يأتي بالاستعانة بالله وحده لا شريك له.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: فقد تقدَّم معنا قراءة في رسالة "الركائز العشر" التي ينبغي لطالب العلم أن يحققها وأن يسلكها في تحصيله العلمي. فأخذنا أولاً: الاستعانة بالله عز وجل، وثانياً -وهو درس الأمس-: حسن النية وإخلاص النية لله سبحانه وتعالى. قال ثالثاً: التضرع إلى الله تعالى وسؤاله التوفيق والسداد، ودعاؤه ربه الاستزادة من طلب العلم. فالعبد فقير محتاج إلى الله غاية الحاجة، والله تعالى حث عباده على سؤاله والتضرع إليه، فقال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟». والله عز وجل أمر نبيه أن يسأله الاستزادة من العلم، فقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. هذه الركيزة أيضًا ركيزة مهمة جدًا، ينبغي لطالب العلم أن يراعيها وأن لا يغفلها، ألا وهي: التضرع إلى الله تعالى ودعاء الله عز وجل. فترى كثيرًا من الناس يلح بالدعاء في باب الرزق، وفي باب الولد، وفي باب الذرية، وفي أبواب كثيرة من أبواب هذه الدنيا، ويغفل الكثير عن أن يدعو الله، وأن يسأل الله، وأن يتضرع إلى الله بأن يوفقه لطلب العلم النافع، لحفظ كتاب الله، ولحفظ ما تيسر من سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فأحوج ما يحتاج طالب العلم إلى أن يسأل ربه الاستزادة من العلم، أن يسأل ربه الفهم، أن يسأل ربه الحفظ. فالله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، فقد وعد ربنا سبحانه وتعالى من سأله بالاستجابة، فعليك أن تستغل هذا الوعد بأن تدعو الله سبحانه وتعالى أن يزيدك من العلم النافع. وهكذا طالب العلم يعمل بعلمه: فإذا قمت في الثلث الأخير من الليل، وأنت تحفظ حديث أبي هريرة الذي هو في الصحيحين: «ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟»؛ فإذا قمت من الليل فلا تنسَ أن يكون من دعائك طلب العلم النافع، وهكذا الاستزادة من العلم النافع: «من يدعوني فأستجيب له»، فتدعو الله أن يوفقك إلى هذا الخير وإلى هذا العلم، وهكذا: «من يسألني فأعطيه»، ما يدريك لعل دعوة في ثلث الأخير من الليل تدعو بها ربك وتسأله العلم، فيستجيب الله عز وجل لك، فيعطيك من هذا العلم ما كتب الله سبحانه وتعالى لك. ولذلك، كما سمعت، أمر ربنا سبحانه وتعالى نبيه أن يستزيد من العلم: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، أي: أن يدعو ربه أن يعلمه وأن يزيده من العلم النافع. وهكذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قد وردت الأحاديث الكثيرة التي فيها أمر النبي عليه الصلاة والسلام الأمة بأن يدعو الله عز وجل بطلب العلم النافع، وهكذا كان عليه الصلاة والسلام يدعو ربه أن يزيده من العلم النافع. فقد جاء عند ابن ماجه من حديث جابر رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «سلوا الله علمًا نافعًا، وتعوذوا بالله من علم لا ينفع». أخرجه ابن ماجه في سننه، وصححه العلامة الألباني عليه رحمة الله. فهكذا يأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمته بأن يسألوا الله العلم النافع. فهل سألت ربك عز وجل أن يرزقك العلم النافع؟ وهكذا جاء عند ابن ماجه من حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يقول إذا صلى الصبح، حين يسلم -يعني: يجعله من أذكار الصباح-، حين يسلم عليه الصلاة والسلام كان يأتي بهذا الدعاء. قالت: كان يقول إذا صلى الصبح، حين يسلم: «اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا طيبًا، وعملًا متقبلًا». رواه ابن ماجه، وصححه العلامة الألباني عليه رحمة الله. وقد ذكر بعض أهل العلم أن هذا الحديث فيه مناسبة في كون هذا الدعاء يقال بعد صلاة الصبح، وذلك أن الإنسان يبدأ يومه من أول الصباح، فهو في هذا اليوم يسعى في هذه الأرض، وكذلك يتسبب في هذه الأرض، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو ربه ويسأله أن يرزقه علمًا نافعًا، وهكذا رزقًا طيبًا، رزقًا حلالًا، رزقًا مباركًا، وهكذا عملًا متقبلًا؛ لأن الصباح هو أول وقت يبدأ فيه الإنسان في العمل. فالإنسان في يومه يعمل ويشقى من أجل لقمة العيش، وهكذا يطلب العلم، فمن المناسب أن يأتي المسلم بهذا الدعاء بعد صلاة الصبح: «اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا طيبًا، وعملًا متقبلًا». هكذا كان عليه الصلاة والسلام. فطالب العلم بحاجة إلى أن يسأل الله عز وجل العلم النافع، وأن يتضرع إلى الله سبحانه وتعالى في الدعاء. قال المؤلف: وقال تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾. قال: والحكم هو العلم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإذا أصاب فله أجران». فهكذا نبي الله إبراهيم يدعو ربه أن يهبه حكمًا، أي: علمًا. الحكم هنا بمعنى العلم. ومما يدل على هذا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا اجتهد الحاكم» يعني: العالم، له أن يجتهد بحسب ما أعطاه الله عز وجل من العلم، فقد يصيب وقد يخطئ، فإذا أصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر واحد. فيريد من ذكر هذا الحديث أن الحكم يأتي بمعنى العلم. فقول الله عز وجل: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾، أي: علمًا. ففيه دعاء إبراهيم ربه سبحانه وتعالى أن يهبه العلم. قال: والنبي صلى الله عليه وسلم دعا لأبي هريرة... هذا مما يدلنا على عظيم الدعاء، وعلى أهمية الدعاء، وأنه لا يستهان به. فانظر إلى هذه الدعوات المباركات من النبي عليه الصلاة والسلام، كيف كانت سببًا في تقدم هذين الصحابيين في العلم، وفي حفظ هذين الصحابيين للعلم. فقال: والنبي صلى الله عليه وسلم دعا لأبي هريرة رضي الله عنه بالحفظ، ودعا لابن عباس فقال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل». قال: فاستجاب الله دعاء نبيه، فكان أبو هريرة رضي الله عنه لا يسمع شيئًا إلا حفظه، ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: وأصبح ابن عباس رضي الله عنهما حبر الأمة وترجمان القرآن. فانظروا إلى دعوات مباركات من النبي عليه الصلاة والسلام، كيف كانت سببًا في حفظه، وفي كذلك علم هذين الصحابيين الجليلين: أبي هريرة وابن عباس رضي الله تعالى عنهما. فلا يستهان بأمر الدعاء. وليس هذا معناه أنك تدعو وتترك العمل وتترك اتخاذ الأسباب. فأبو هريرة وابن عباس... فأبو هريرة وابن عباس، مع كون النبي عليه الصلاة والسلام دعا لهما، إلا أنهما كانا غاية في الجد والاجتهاد. وكان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه ملازمًا للنبي عليه الصلاة والسلام، كان الصحابة يشغلهم الصفق في الأسواق، وأبو هريرة صبر على ما يسر الله عز وجل له مع النبي عليه الصلاة والسلام من الطعام، فكان ملازمًا للنبي عليه الصلاة والسلام. ما ركن إلى دعوة النبي عليه الصلاة والسلام وترك الجد والاجتهاد، وترك الأخذ بالأسباب، بل كان من أشد الصحابة اجتهادًا في طلب العلم النافع. وهكذا ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ما ركن إلى دعوة النبي عليه الصلاة والسلام، بل كان غاية في الجد والاجتهاد في طلب العلم. لما جاء إلى الفتى من الأنصار وقال له: «قم نطلب العلم عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم»، فكان من هذا الفتى أن قال لابن عباس: «يا ابن عباس، وهل تظن أن الناس بحاجة إلينا وفيهم أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام؟» فترك هذا الفتى طلب العلم، وذهب ابن عباس يطلب العلم من كبار صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلربما ذهب عند أحد العلماء، فجلس عند باب بيته انتظارًا لخروج ذلك الشيخ، فتأتي الريح في الظهيرة فتسفه، أي: تجعل ذلك الرمال وتلك التراب تجيء على وجهه رضي الله تعالى عنه، وهو منتظر لذلكم الشيخ حتى يأخذ منه العلم، حتى يأخذ منه العلم. فجد واجتهد، وحرص على ملازمة العلماء، فكان ابن عباس رضي الله تعالى عنه حبر هذه الأمة وترجمان القرآن، رضي الله تعالى عنهما. حتى قال الفتى الأنصاري لما رأى ابن عباس قد بلغ مبلغًا عظيمًا في العلم: «كان هذا الفتى أعقل مني، كان هذا الفتى أعقل مني»، يعني: ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. فمع دعاء النبي عليه الصلاة والسلام لهما بالحفظ والعلم، إلا أنهما كانا غاية في الجد والاجتهاد. فهذا يدلنا على أن طالب العلم لا يركن إلى الدعاء فحسب، بل يدعو الله، ويتضرع إلى الله، ويتخذ الأسباب الشرعية، مثل ما تطلب الرزق. مثل ما تطلب الرزق من المأكل والمشرب، فإنك تدعو الله، وتتضرع إلى الله، وتتوكل على الله، وتأخذ الأسباب الشرعية المباحة التي أباحها الله عز وجل، فتخرج من الصباح، وهكذا تأخذ ماذا أمتعتك التي تحتاج إليها في العمل، وهكذا تذهب هنا وهناك، وتضرب في الأرض، كل ذلك من اتخاذ الأسباب في الرزق. فكذلك طلب العلم: تدعو الله، وتتضرع إلى الله، وتتوكل على الله، وتأخذ الأسباب الشرعية من الجد والاجتهاد، من الحرص على مجالس العلم، من المراجعة والمذاكرة، وكثرة كذلك المذاكرة والمراجعة، وهكذا الكتابة، وهكذا التسميع، وإلى غير ذلك من الوسائل التي بها يحفظ العلم. قال: ولا يزال العلماء على هذا، يتضرعون إلى الله ويسألونه العلم. فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يذهب إلى المساجد، ويسجد لله، ويسأله فيقول: «يا معلم إبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني». فاستجاب له دعاؤه، حتى قال ابن دقيق العيد... حتى قال ابن دقيق العيد عنه: «قد جمع الله له العلم حتى كأنه بين عينيه، يأخذ ما يشاء ويترك ما يشاء». وهذا الدعاء مشهور عن شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله، أنه كان يقول: «يا معلم إبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني»، خصوصًا إذا استشكلت عليه مسألة، أو إذا خفيت عليه مسألة، فإنه كان يتضرع إلى الله سبحانه وتعالى، ويدعو الله عز وجل، ويدعو الله عز وجل. فكان شيخ الإسلام علمًا من أعلام هذه الأمة، ما من فن من فنون العلم إلا وقد تكلم فيه، وقد ألف فيه، وقد أفت فيه. فالأمر كما قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: «كأن قد جمع الله له العلم كأنه بين عينيه»، كأن العلم كله بين عينيه، يأخذ منه ما يشاء ويترك ما يشاء. فكم كتب من كتاب من حفظه عليه رحمة الله، فلم يكن ذلك إلا بالجد والاجتهاد، وبالتضرع إلى الله عز وجل، وبإخلاص النية له سبحانه وتعالى، والاستعانة به وحده سبحانه وتعالى. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.