الدرس في الركائز العشر 2، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المقطع أن الركيزة الثانية لطالب العلم هي حسن النية بأن يقصد وجه الله ورفع الجهل لا رياء ولا شهرة. ويحذر من آفات الرياء وحب التصدر والمال مستشهداً بأقوال السلف في مشقة مجاهدة النفس.
يحذر النص من طلب العلم لغير وجه الله كحب السلطة والظهور والمباهاة مستدلاً بأحاديث توعد بالنار. ويؤكد أن العمل غير الخالص لا يدوم مستشهداً بقول الإمام أحمد ومثال من تراجعوا عن العلم.
طلب العلم عبادة عظيمة تفوق النوافل وشرط قبولها إخلاص النية لله ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم. من أخلص نال معية الله الخاصة بينما المرائي يعاقب في الآخرة كما في حديث الثلاثة.
يختتم المتحدث بذكر الدوافع الرديئة لطلب العلم كالشهرة والمباهاة والمماراة مؤكداً وجوب الحذر منها. ويختم القول بالتنبيه إلى أن هذا خلاصة ما يجب على الطالب الحذر منه في هذه الركيزة.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: فقد تقدم معنا قراءة في رسالة الركائز العشر التي ينبغي لطالب العلم أن يحققها وأن يسلكها في تحصيله العلمي. فأخذنا أولاً: الاستعانة بالله عز وجل. وقال ثانياً: حسن النية. قال: حسن النية أن يكون الطالب نيته لله عز وجل في طلب العلم، مخلصاً لله في ذلك، لا يريد سمعة ولا شهرة ولا عرضاً من أعراض الدنيا. وهذا كذلك من الركائز المهمة التي ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها، وأن يحاسب نفسه بين فترة وأخرى: أهو محقق لها أم ليس كذلك؟ وهو حسن النية وإخلاص النية في طلب العلم الشرعي؛ فإن طالب العلم لا يطلب العلم إلا من أجل أن يرفع الجهل عن نفسه، ثم بعد ذلك يرفع الجهل عن غيره. هذه هي النية الحسنة في طلب العلم: أن تنوي بطلبك للعلم أن ترفع الجهل عن نفسك. أنت بحاجة إلى أن تتفقه في دين الله: في باب العقيدة تكون في باب العقيدة على معتقد أهل السنة والجماعة، في باب توحيد الألوهية، في باب توحيد الربوبية، في باب توحيد الأسماء والصفات، فترفع الجهل عن نفسك في باب العقيدة لتكون عقيدتك صحيحة مستقيمة. ثم بعد ذلك تدعو غيرك إلى هذه العقيدة الصافية النقية. كذلك في باب العبادات: أنت بحاجة إلى أن تتفقه في تلكم العبادات كي تؤدي هذه العبادات أداءً صحيحاً. تصلي كما صلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، تصوم كما صام رسول الله صلى الله عليه وسلم، تحج كما حج رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، تزكي كما زكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، تبيع وتشتري كما باع واشترى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، تنكح، وهكذا تسافر وتدخل وتخرج كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام. فهكذا ينبغي أن تكون نية طالب العلم: أن يرفع الجهل عن نفسه، ثم يدعو إلى هذا العلم الذي تعلمه فيرفع الجهل عن غيره. أن تكون نيتك أن تسلك هذا الطريق الموصل إلى الجنة، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من سلك طريقاً يلتمس به علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة». فأنت تطلب العلم من أجل أن تنال جنة الله سبحانه وتعالى، لا تطلب العلم من أجل غرض من أغراض هذه الدنيا. وأغراض الدنيا التي تدخل على طالب العلم كثيرة، منها: الرياء، أن يعمل العمل من أجل أن يسمع الناس به وأن يثني الناس عليه. ومنها: حب الشهرة وحب الظهور. ومنها: التصدر. ومنها: حب المال. فهذه كلها آفات تنافي الإخلاص لله سبحانه وتعالى. فينبغي لطالب العلم أن يجاهد نفسه في هذا الباب، باب إخلاص النية لله عز وجل في طلبه للعلم. ولقد كان السلف الصالح رحمهم الله تعالى يحرصون كل الحرص على تصحيح نياتهم في طلب العلم، وعلى تعاهد نياتهم في طلب العلم. يقول سفيان الثوري عليه رحمة الله: «ما عالجت شيئاً أشد علي من نيتي». كانوا يعالجون نياتهم: «ما عالجت شيئاً أشد علي من نيتي». وهكذا يقول ابن المبارك عليه رحمة الله، أو الدارقطني عليه رحمة الله، علي بن عمر أمير المؤمنين في الحديث، يقول رحمه الله تعالى: «طلبنا العلم لغير الله فأبى إلا لله»، أو: «فأبى أن يكون إلا لله»؛ مجاهدة وهكذا معالجة لأمر النية. نعم أيها الطالب، قد في خلال سيرك في طلب العلم تتعرض لآفة من الآفات التي تخدش إخلاصك، فجاهد نفسك، جاهد نفسك وعالج نيتك، فتجاهد نفسك على إخلاص النية لله سبحانه وتعالى. وهكذا يقول الإمام الشاطبي عليه رحمة الله: «آخر الأشياء نزولاً من قلوب الصالحين حب السلطة والتصدر». فحب السلطة والتصدر مما ينافي الإخلاص لله سبحانه وتعالى. فجاهد نفسك على التخلص من هذا الداء الذي كما سمعت هو من آخر الأشياء نزولاً من قلوب الصالحين. قد يسهل عليك أن تجاهد نفسك في أن لا تطلب العلم من أجل المال، أو أن لا تطلب العلم من أجل حطام من حطام هذه الدنيا، ولكن ربما يشق عليك أن تطلب العلم من أجل الله سبحانه وتعالى وحده، فيعتريك شيء من حب السلطة والتصدر، وحب كذلك الظهور في المجالس والفتاوى، وهكذا غير ذلك مما ربما يعلق في قلوب بعض طلبة العلم. وهكذا جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا الحديث ذكره العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «يا معشر العرب، أخوف ما أخاف عليكم الشرك والشهوة الخفية: الشرك والشهوة الخفية». قال ابن الأثير في غريب الحديث: الشهوة الخفية: حب اطلاع الناس على العمل، حب اطلاع الناس على العمل. فاحذر من أن تطلب العلم من أجل أن يرى الناس عملك، من أجل أنك تحب اطلاع الناس على حفظك، وعلى مراجعتك، وعلى حسن أدائك، وإلى غير ذلك مما ربما يدخل على بعض طلاب العلم. فهذا أيضاً مما ينافي الإخلاص لله سبحانه وتعالى. وهكذا جاء، والحديث صحيح، العلامة الألباني في الجامع الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة، أي رائحة الجنة، يوم القيامة». فانظروا إلى هذا الحديث العظيم الذي فيه الترهيب من طلب العلم من أجل هذه الدنيا الفانية، من أجل حطام هذه الدنيا الفانية. وهكذا جاء عن ابن عمر، والحديث أيضاً يصححه العلامة الألباني في صحيح الترمذي وغيره، فالحديث رواه الإمام الترمذي، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «من تعلم العلم ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف وجوه الناس إليه فهو في النار، فهو في النار». فهذه كلها صور من صور عدم الإخلاص في طلب العلم: يتعلم العلم من أجل أن يباهي به العلماء، إذا جلس في مجلس طلاب علم يتذاكرون، من أجل أن يبرز عضلاته، ومن أجل أن يثبت أنه من أحفظ الناس وأنه من أفهم الناس، فما يطلب العلم إلا من أجل المباهاة، من أجل المباهاة. أو كذلك يماري به السفهاء: يجادل، يحب المجادلة ويحب المخاصمة، فديدنه أن يبحث عن سفيه من السفهاء فيجلس معه للمجادلة. فهذا من أسباب الضلال والعياذ بالله، كما جاء في حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل»، ثم قرأ قول الله عز وجل: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾. وهكذا مما ذكر في هذا الحديث من أسباب عدم الإخلاص في طلب العلم: أو يصرف وجوه الناس إليه، من أجل الرياء، من أجل أن ينظر إليه الناس، من أجل أن يشار إليه بالبنان. فهذه كلها مما تنافي الإخلاص في طلب العلم. ولذلك من كانت نيته في طلب العلم ذلك، سواء كان الرياء أو السمعة أو المباهاة أو عرض من أعراض الدنيا، لا يستمر، لا يستمر في طلب العلم. لماذا؟ لأن هذه الأشياء مما تنافي الإخلاص، ومما تنقطع وتزول مع الوقت والزمن. كما قال الإمام أحمد: «ما كان لله دام، والذي يكون لله، أي عمل من الأعمال، يبقى ويستمر، أما الذي يدخله شيء من هذه الآفات فسرعان ما ينقطع وسرعان ما يزول». كم ممن أوتي الفصاحة والبلاغة والحفظ والذكاء، وكان يرجى أن ينفع الله به الإسلام والمسلمين، وأن يكون عالماً من علماء هذه الأمة، فلما دخلت عليه هذه الآفات، فإذا به يتقهقر ويتراجع عن هذا الطريق، وإذا به من عامة الناس، وقد ترك ما كان عليه من العلم والدعوة. لماذا؟ لأنه لم يخلص في طلبه للعلم، فدخلت عليه مثل هذه الآفات. فاحرص يا طالب العلم على الإخلاص من بداية طلبك للعلم إلى أن يتوفاك الله سبحانه وتعالى، وأنت تريد بهذا العلم أن تسلك طريقاً وسبيلاً من طرق الجنة، كما سمعت في الحديث المتقدم. قال صاحب الرسالة: «ومن جعل نيته لله وفقه الله تعالى وأثابه على ذلك، لأن العلم عبادة، بل من أعظمها». الذي تكون نيته لله عز وجل فهو على عبادة عظيمة، لا تقل هذه العبادة عن أداء النوافل من الصلوات، ومن الصيام، ومن الزكوات أبداً. بل جاء عن السلف أن طلب العلم أفضل من نوافل العبادات. فهل استشعر طالب العلم ذلك؟ هل استشعرت يا طالب العلم وأنت تجلس في مجالس العلم أنك على عبادة، وأنك تثاب على هذا الجلوس، وعلى هذا الحضور، وعلى هذا الحفظ، وعلى هذه الكتابة؟ استحضر هذا حتى تتلذذ بطلب العلم، كما أنك تصلي من أجل أن تنال الأجر والثواب من الله، فكذلك جلوسك في مجالس العلم هذه عبادة لا تقل عن تلك الصلاة، وعن تلك الركعات التي ركعتها من نوافل الصلوات أبداً. وهكذا يا من أنت تحرص على صيام النافلة، تريد بذلك الأجر وتريد بذلك الثواب من الله عز وجل، استشعر أنك إن جلست في مجلس علم، مجلس ذكر، فأنت في عبادة عظيمة، لا تقل هذه العبادة عن عبادة صيام النافلة. فكما قال: «لأن العلم عبادة بل من أعظمها». فمن أخلص في طلبه للعلم، فلا إله إلا الله، كم له من حسنات، وكم له من كذلك أجور بطلبه للعلم. ثم قال: «والعمل لا يكون العبد مثاباً عليه إلا إذا كان خالصاً لله، متبعاً فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن العلم عبادة، وشروط قبول العبادة: إخلاص العمل لله عز وجل وحده، ومتابعة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذه العبادة». قال: يقول الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾. وأعظم التقوى: إخلاص النية لله. فاستشعر هذا: أنك بإخلاصك لله عز وجل في طلبك للعلم فأنت في معية خاصة، في معية خاصة: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾. فأنت تجمع في طلبك للعلم بين هذين الأمرين: بين التقوى وبين الإحسان. لأن بطلبك للعلم تكتسب التقوى وتتحصل على التقوى، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. فكلما ازداد العبد علماً كلما ازداد تقوى لله عز وجل. وهكذا بطلبك للعلم تنال مرتبة الإحسان، فأنت في هذه المجالس تتعلم العلم الشرعي ثم تحسن إلى الخلق، فتبث هذا العلم وتنشر هذا العلم، ولا شك أن هذا من أعظم الإحسان إلى الخلق، من أعظم الإحسان إلى الخلق أن تعلمهم دين الله، أن تعلمهم العقيدة الصحيحة، أن تعلمهم العبادة الصحيحة، أن تعلمهم الأخلاق الفاضلة. هذا من أعظم الإحسان إلى الخلق، أعظم من أن تعطي الخلق الدنانير والدراهم، أعظم من ذلك. فأنت ترفعهم، وهكذا تبعدهم عن أسباب غضب الله عز وجل، وعن أسباب دخول النار والعياذ بالله. فهذا من أعظم الإحسان. قال: «والمرائي في طلب العلم، فضلاً عن خسارته في الدنيا، فإنه معاقب في الآخرة، كما جاء في حديث الثلاثة الذين أول من تسعر بهم النار، ويسحبون على وجوههم إلى النار، ومنهم رجل طلب العلم، ومنهم رجل طلب العلم ليقال عالم وقد قيل». والحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة: «أول من تسعر بهم النار ثلاثة، ومنهم قارئ للقرآن، وهكذا عالم عنده من العلم، ويقال له: ماذا عملت بعلمك؟ قال: يا رب، علمت فيك القرآن، وهكذا علمت فيك العلم. فيقال له: كذبت، إنما فعلت ذلك ليقال عالم، وقد قيل. ثم يؤمر به فيسحب، والعياذ بالله، إلى النار». فهذا حديث عظيم، كان السلف الصالح إذا سمعوه خافوا خوفاً شديداً، وحثهم هذا الحديث على إخلاص النية لله سبحانه وتعالى وحده. فالخلاصة: أن من أعظم الركائز والأسس التي ينبغي أن يسلكها الطالب: الإخلاص لله سبحانه وتعالى في طلبه للعلم، والاستمرار على هذا الإخلاص، وأن يريد بعلمه أن يرفع الجهل عن نفسه، وأن يرفع الجهل عن غيره، ويريد بعلمه أن ينال جنة الله عز وجل، أن يسلك هذا الطريق الموصل بإذن الله عز وجل إلى الجنة، وأن يبتعد عن كل ما ينافي هذا الإخلاص من الرياء، أو السمعة، أو كذلك حب التصدر، أو الشهرة، أو كذلك مباهاة العلماء، أو مماراة السفهاء، أو إلى غير ذلك. هذا خلاصة ما يذكر في هذه الركيزة من الركائز التي ينبغي أن يحرص عليها الطالب. وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر