الدرس في تذكير أهل الإيمان بجملة من أسباب محبة الرحمن 9، ألقاها
يستعرض المقطع آيات قرآنية وأحاديث نبوية تبين أن الجهاد في سبيل الله من أعظم أسباب محبة الله وأعلى الدرجات. ويؤكد أن الله وعد المجاهدين بالغفران والجنة وجعل غدوة في سبيله خيراً من الدنيا وما فيها.
يوضح المقطع أحاديث تبين فضل الجهاد وأن الجنة تحت ظلال السيوف مع اشتراط النية الخالصة لله لقبوله. كما يبين حكم الجهاد بأنه فرض كفاية يتعين في حالات معينة ويحرم الفرار عند الزحف.
يذكر المقطع الحالات الثلاث التي يتعين فيها الجهاد عيناً وشروط وجوبه السبعة عند ابن قدامة من إسلام وبلوغ وعقل وغيرها. ويختتم بالحث على الاجتهاد في العشر الأواخر من رمضان اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم.
يؤكد المقطع على وجوب إكرام كتاب الله وعدم تركه على الأرض مع وجوب إعادته إلى مكانه بعد القراءة. وينصح بإغلاقه ووضعه جانباً إذا غلب النعاس على القارئ.
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد: فهذا مجلس من المجالس الرمضانية التي نتذاكر فيها بعض أسباب محبة الله تبارك وتعالى لعباده المؤمنين. وفي هذا المجلس نحب أن نتذاكر سببا عظيما من هذه الأسباب التي تجلب محبة الله عز وجل لعباده، هذا هو ما يتعلق بالجهاد في سبيل الله وقتال أعداء الله من المشركين والمنافقين وغيرهم. يقول ربنا تبارك وتعالى في محكم تنزيله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾. ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. ففي هذه الآيات يخبر ربنا تبارك وتعالى عن محبته لعباده الذين قاموا بهذه الشعيرة وأدوا هذا الواجب العظيم، ألا وهو مجالدة المشركين ومقاتلة أعداء الله عز وجل، ورفعوا راية الجهاد في سبيله. وحقيقة الجهاد كما يقول أهل العلم: هو بذل الجهد في قتال الكفار والبغاة وقطاع الطريق. هذا هو حقيقة الجهاد الذي دلت على فضله آيات كثيرة وأحاديث كذلك أيضا عديدة. فمما ورد في فضل الجهاد وبيان عظم منزلته عند الله تبارك وتعالى ورفعة درجة أهله عنده سبحانه، قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. وهكذا يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وهكذا يقول ربنا تبارك وتعالى في محكم تنزيله: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. انظر يا عبد الله إلى هذه المنح وإلى هذه الفضائل وإلى هذه الأجور التي جعلها ربنا تبارك وتعالى لأهل الجهاد، ولمن سعى لإعلاء كلمة الله تبارك وتعالى، لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى. النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كذلكم بين بيانا واضحا جليا عظم منزلة الجهاد ومدى علو درجة المجاهدين، وبيّن أن الجهاد يعتبر من أفضل الأعمال وحبها إلى ربنا تبارك وتعالى. جاء في الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قلت: يا رسول الله، أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: «الصلاة على وقتها». قلت: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين». قلت: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». قال ابن مسعود: حدثني بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو استزدته لزادني. وهكذا أيضا جاء في الصحيحين من حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: قلت: يا رسول الله، أي العمل أفضل؟ قال: «الإيمان بالله والجهاد في سبيله». وجاء كذلك أيضا في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أي العمل أفضل؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إيمان بالله ورسوله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «الحج المبرور». وهكذا أيضا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة عند البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى، قال عليه الصلاة والسلام: «لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها». والغدوة: هو سير أول النهار، والروحة: سير آخره في سبيل الله عز وجل، وفي الغزو والجهاد، هذا يعتبر خيرا من الدنيا وما فيها. وجاء كذلكم في الصحيحين من حديث أبي إبراهيم عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لقي فيها العدو، انتظر حتى إذا مالت الشمس قام عليه الصلاة والسلام فيهم فقال: «يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف». يقول الإمام الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى عند شرحه لهذا الحديث في فتح الباري: قال رحمه الله تعالى: قال القرطبي: وهو من الكلام النفيس الجامع الموجز المشتمل على ضروب من البلاغة مع الوجازة وعذوبة اللفظ، فإنه أفاد الحث على الجهاد والإخبار بالثواب عليه، والحث على مقاربة العدو، وأن الشخص كلما كان أقرب إلى العدو كلما كان الأجر أعظم وكلما كان أقرب إلى الجنة. قال: والحث على مقاربة العدو واستعمال السيوف والاجتماع حين الزحف حتى تصير السيوف تظل المقاتلين. وقال ابن الجوزي: المراد أن الجنة تحصل بالجهاد، أي معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف»، أي أن الجنة تحصل بالجهاد. قال: والظلال جمع ظل، وإذا تدان الخصمان صار كل منهما تحت ظل سيف صاحبه لحرصه على رفعه عليه، ولا يكون ذلك إلا عند التحام القتال. وهكذا جاء في صحيح الإمام مسلم وغيره من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض». فقال عمير بن الحمام: يا رسول الله، جنة عرضها السماوات والأرض؟ بخٍ بخٍ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما حملك على قولك بخٍ بخٍ؟» فقال عمير بن الحمام: يا رسول الله، إلا رجاء أن أكون من أهلها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإنك من أهلها». قال: فأخرج تمرات من قرنه، والقرن: شيء يوضع فيه المتاع كالجراب الصغير ونحوه، فجعل يأكل من هذه التمرات، فقال: «لئن بقيت حتى أكمل هذه التمرات إنها لحياة طويلة». سبحان الله، لئن بقي حتى يكمل هذه التمرات إنها لحياة طويلة! كانوا مشتاقين إلى جنة عرضها السماوات والأرض، أعد الله لأهلها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. فما كان من عمير بن الحمام إلا أن ألقى هذه التمرات، ثم أخذ سيفه واتجه إلى العدو فقاتل حتى قتل، رضي الله تعالى عنه. والأحاديث كثيرة وعظيمة التي تبين لنا عظم أمر الجهاد وعلو درجته ورفعة أهله، وأن الله تبارك وتعالى أعد للمجاهدين في سبيله جنة عظيمة أرضها السماوات والأرض. بل يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة عند البخاري وغيره، قال عليه الصلاة والسلام: «إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض». مائة درجة أعدها الله تعالى للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض. وقد جاء في حديث أبي موسى في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: يا رسول الله، الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال صلوات الله وسلامه عليه كلمة موجزة عظيمة: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله». أخذ العلماء من هذا الحديث أن الأجر السابق الذي ذكر في حق الجهاد والمجاهدين لا ينال إلا بالنية الصالحة، ولا ينال إلا بالمقصد الحسن، وأن يكون عمله ذلك خالصا لوجه الله الكريم. وأما من كان قصده الدنيا أو الرياء أو السمعة فإنه لا ينال شيئا من هذا الأجر. والجهاد قد دل على مشروعيته آيات الكتاب وأحاديث السنة، وهكذا إجماع العلماء. والأصل في الجهاد أنه من فروض الكفاية، إذا قام بها البعض سقط الإثم والحرج عن الآخرين، وإذا لم يقم بها الجميع أثموا، فهو من فروض الكفايات، وعلى هذا عامة أهل العلم. وحكي عن بعض السلف كابن المسيب أنه قال: إن الجهاد من فروض الأعيان، واستدل على ذلك بقوله تبارك وتعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وحمل الجمهور هذه الآية على أنها منسوخة، أو أنها محكمة إلا أن المراد منها إذا تعين الجهاد باستنفار الإمام، أو حلول العدو في البلد. لكن الجهاد قد يتعين في بعض الأحوال: مثلا: إذا التقى الصفان، وتقابل الزحفان، فعندها لا يجوز الفرار بل يحرم. يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾. وفي حديث أبي هريرة في الصحيحين: عدى النبي صلى الله عليه وسلم الفرار من الزحف من أكبر الكبائر. الحالة الثانية: إذا استنفر الإمام الناس، وجب عليهم أن يلبوا، وجب عليهم أن يستجيبوا. وفي هذا يقول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية. وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «وإذا استنفرتم فانفروا، لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا». وقد يتعين الجهاد على طائفة من الناس إذا استنفرهم الإمام، كأن يكون عندهم علم بالجهاد أو معرفة ببعض آلات الحرب والقتال، فوجب عندها على هذه الفئة أن تجيب وأن تقوم بواجب الجهاد. الحالة الثالثة: ألا وهي إذا نزل الكفار ببلد ما، تعين على أهل هذه البلد أن يقاتلوا وأن يدفعوا هؤلاء الكفار، من باب المحافظة على الدين والمال والعرض، من باب المحافظة على الدين وعلى المال وهكذا على العرض. وقد ذكر العلماء كذلكم أن الجهاد لا يجب إلا بشروط. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى في كتابه المغني: «ويشترط لوجوب الجهاد سبعة شروط: الإسلام، وهذا الأول، والبلوغ، والعقل، والحرية، والذكورية، والسلامة من الضرر، ووجود النفقة». الإسلام: فالكافر مهما قاتل لا ينفعه ذلك إلا إذا أسلم. وهكذا بالنسبة للبلوغ: فرفع القلم عن ثلاثة ومنهم صبي حتى يبلغ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرد بعض الغلمان من الجهاد كما فعل في يوم بدر، وهكذا في أحد. وهكذا العقل: فالمجنون مرفوع عنه القلم. وهكذا الحرية: فالعبد يتعلق به أو بذمته حق لسيده، وحقوق الآدميين كما قال العلماء مبنية على المشاحة، إلا إذا أذن له سيده. وهكذا الذكورية: فالنساء لا يجب عليهن الجهاد، وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في النساء: «عليكن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة». وهكذا يقول: «جهاد المرأة والكبير والضعيف: الحج والعمرة». والنساء إذا أمنت الفتنة يجوز لهن أن يخرجن إلى القتال فيداوين الجرحى ويسقين العطشى، ولربما حملت المرأة السيف وقاتلت المشركين، أو حملت خنجرا أو سكينا إذا مر بها مشرك بقرت بها بطنه، كما في حديث أم سلمة. وهكذا السلامة من الضرر: فربنا عز وجل قد رفع الحرج عن أهل الضرر كالأعمى والأعرج والمريض مرضا شديدا، نعم، فهؤلاء وغيرهم من أهل الأعذار إذا كان هناك مانع يمنعهم من القيام بالجهاد فلا يجب عليهم. وهكذا ما يتعلق بوجوب النفقة. وقد ذكر العلماء استدلالا بما ورد في الآيات والأحاديث أن الجهاد إذا كان فرضا كفائيا يجب فيه استئذان الوالدين، وإذا كان يجب وجوبا عينيا فعندها لا يشترط فيه استئذان الوالدين. أخيرا إخواني في الله: فنحن مع شهر الصيام وشهر القرآن والقيام، ولا سيما ونحن مع هذه الخواتيم والليالي المباركة التي نحتاج أن نجاهد فيها أنفسنا على طاعة الله تبارك وتعالى، وعلى الجد والاجتهاد في طاعة المولى تبارك وتعالى. هذه العشر التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها، كان إذا دخل العشر أحيا ليله، يعني: صلاة وتلاوة للقرآن ودعاء واستغفارا وذكرا لله تبارك وتعالى، أحيا ليله فلا مجال للنوم، قال: «وأيقظ أهله، وجد وشد مئزره». في شهر رمضان حقق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أعظم المنجزات وأكبر الانتصارات، فيوم بدر إنما كانت في رمضان، وهكذا الفتح الأكبر فتح مكة كان كذلكم أيضا في رمضان. الصحابة فتحوا البلاد وقاتلوا الأعداء في رمضان. وللأسف الشديد اليوم كثير من الناس لا يستطيع أن يجاهد نفسه على شهواتها وعلى معاصيها وعلى فتورها وبعدها عن الخير. فنتواصى جميعا أيها الأحبة في الله في الجد والاجتهاد والمسارعة والمبادرة والمسابقة إلى فعل الخيرات، واستغلال ما تبقى من أيام وليالي هذا الشهر الكريم، بل ما بقي من أعمارنا، وأن نجعل ذلك كله موسم خير وتجارة رابحة مع الله تبارك وتعالى. أسأل المولى بمنه وفضله وجوده وإحسانه أن يجعلنا وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، ونسأله سبحانه أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعا مرحوما، وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقا معصوما، وأن لا يجعل منا ولا بيننا شقيا ولا محروما. نسأله سبحانه أن يختم لنا شهر رمضان بغفرانه والعتق من نيرانه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين. وهذا تنبيه بالنسبة لبعض الإخوة الذين يضعون المصاحف على الأرض: ينبه بعض إخواننا أنه ماذا ينبغي، بل الواجب إكرام وإجلال كتاب الله عز وجل، فمتى فرغ من استعماله وقراءته والتلذذ بتلاوته فعندها يعيده إلى موضعه الذي وضع له، ولا يتركه مرميا على الأرض، أو لربما نام وسقط المصحف من يديه، وماذا ألقي على الأرض؟ فإذا غلبك النعاس فأغلق المصحف وضعه في موضعه. هذا، ونسأل الله التوفيق والسداد، إنه ولي ذلك والقادر عليه. شكرا.