تذكير أهل الإيمان بجملة من أسباب محبة الرحمن 7

الدرس في تذكير أهل الإيمان بجملة من أسباب محبة الرحمن 7، ألقاها

محبة الله للتوابين وعظمة التوبة وشموليتها

يوضح المقطع أن من أسباب محبة الرحمن التوبة، حيث يحب الله التوابين والمتطهرين، وينقل عن ابن القيم أن التوبة هي حقيقة الدين وتشمل الإسلام والإيمان والإحسان، وهي واجبة من كل الذنوب صغيرها وكبيرها.

أهمية التوبة والاستغفار في الإسلام وهدي النبي صلى الله عليه وسلم

يؤكد المقطع على فضيلة التوبة النصوح كطريق للفلاح والفوز، مستشهداً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تبرز حرص النبي صلى الله عليه وسلم على كثرة الاستغفار رغم مغفرة ذنبه، ويحذر من الإصرار على المعاصي داعياً المؤمنين إلى المبادرة بالتوبة الصادقة لرحمة الله الواسعة.

حالات عدم قبول التوبة وفضلها في رمضان

يبيّن المقطع أن التوبة لا تُقبل عند الغرغرة (حضور الموت) ولا عند طلوع الشمس من مغربها، مستدلاً بالآيات والأحاديث. كما يبرز فضائل التوبة كفرح الله بها وتبديل السيئات حسنات، ويحث على اغتنام شهر رمضان للتوبة الصادقة والمغفرة.

الدعاء الختامي والشكر

يختتم المتحدث بالدعاء أن يجعلهم الله من عباده المحبوبين وأن يعتق رقابهم وآباءهم من النار، ثم يصلي ويسلم على النبي محمد وآله، ويختم بالحمد لله والشكر المتكرر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلا زلنا أيها الإخوة في الله مع هذه المجالس الرمضانية التي نتذاكر فيها جملة من أسباب محبة الرحمن سبحانه وتعالى لخلقه وعبيده. وكنا في مجلس سابق تكلمنا حول سبب عظيم، ألا وهو ما يتعلق بأداء الفرائض، وهكذا الاجتهاد في فعل النوافل والمستحبات. وذكرنا في هذا الباب ما يتعلق بحديث أبي هريرة عند الإمام البخاري رحمه الله تعالى، في قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال: «من عاد لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه». فهذا يدل على أهمية أداء الفرائض من فعل الواجبات واجتناب المعاصي والمحرمات، وهكذا الاجتهاد في التقرب إلى الله عز وجل بفعل النوافل والمستحبات، سواء كانت نوافل الصلاة أو نوافل الصيام أو غير ذلك. وتكلمنا حول أهمية المسارعة إلى فعل الخيرات والمسابقة في جمع الأجور والحسنات، وهكذا أنه ينبغي على العبد أن يبادر إلى الأعمال الصالحة قبل أن يحال بينه وبين فعلها، أو قبل أن يشغل عن أدائها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا». رواه مسلم. والمسابقة والمسارعة إلى فعل الخيرات هذا كان دأب أنبياء الله ورسله. فربنا عز وجل في سورة الأنبياء لما ذكر جملة من الأنبياء والرسل قال بعد ذلك: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾. وهكذا يقول سبحانه: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾. وقال عن أوليائه وعن عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾. والكلام يطول حول ما يتعلق بهذا الباب، لكن هذه نبذ وكذلك أيضًا إشارات حول ما يتعلق بأهمية هذا الباب وعظم هذا السبب في جلب محبة الرحمن تبارك وتعالى لعباده المؤمنين. وفي هذا المقام أحب أن نتذاكر سببًا آخر كذلكم لا يقل أهمية عن سابقيه، وكلها كما سمعت أخي في الله تعتبر أسبابًا عظيمة لنيل محبة الرحمن، بأن يحب الله تبارك وتعالى هذا العبد. تحدثنا في هذا المجلس حول ما يتعلق بمحبة الله عز وجل لعباده التائبين. يقول ربنا تبارك وتعالى في محكم تنزيله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾. إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين. ومحبة الله لعباده التوابين هذا يدل على عظم أمر التوبة، وعلى ما جعل الله في التوبة من أجر عظيم وفضل كبير، وهكذا درجة عالية رفيعة لأهلها. ومن المناسب ذكر كلمة لشيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى يبين فيها شمولية التوبة لكل مراتب الدين: للإسلام والإيمان والإحسان. فذكر رحمه الله تعالى في كتابه "مدارج السالكين": قال رحمه الله تعالى: "التوبة هي حقيقة دين الإسلام، والدين كله داخل في مسمى التوبة، وبهذا استحق التائب أن يكون حبيب الله، فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين، وإنما يحب الله من فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه. فإذا التوبة هي الرجوع عما يكرهه الله ظاهرًا وباطنًا إلى ما يحبه ظاهرًا وباطنًا". قال رحمه الله تعالى: "ويدخل في مسماها الإسلام والإيمان والإحسان، وتتناول جميع المقامات، ولهذا كانت غاية كل مؤمن وبداية الأمر وخاتمته، وهي الغاية التي وجد لأجلها الخلق، والتوحيد جزء منها، أي جزء من ماذا؟ من التوبة. قال: بل هو جزءها الأعظم الذي عليه بناؤها". ثم قال رحمه الله تعالى: "وأكثر الناس لا يعرفون قدر التوبة ولا حقيقتها، فضلًا عن القيام بها علمًا وعملًا وحالًا. ولم يجعل الله تعالى محبته للتوابين إلا وهم خواص الخلق لديه. ولولا أن التوبة اسم جامع لشرائع الإسلام وحقائق الإيمان لم يكن الرب تعالى يفرح بتوبة عبده ذلك الفرح العظيم. فجميع ما يتكلم فيه الناس من المقامات والأحوال هو تفاصيلها وآثارها". انتهى كلامه رحمه الله تعالى. وهذا كما سمعت أخي رعاك الله، هذه كلمات تدل على عظم أمر التوبة، وكذلك علو درجتها وفضلها عند الله تبارك وتعالى. ومما هو معلوم لدى الجميع أن الله تبارك وتعالى أوجب التوبة على خلقه وعلى عبيده، فهي واجبة من جميع الذنوب والمعاصي، الكبير منها والصغير، الظاهر منها والباطن، الدقيق منها والجليل. فكل ذلك أنت مأمور يا عبدالله أن تتوب إلى ربك عز وجل منه. يقول ربنا تبارك وتعالى في محكم تنزيله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ويقول ربنا جل وعلا: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. فجعل الله الفلاح، وجعل الله الفوز بالتوبة إليه سبحانه وتعالى. وإذا لو نظر الناظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه القويم، وكذلك أيضًا الصراط المستقيم الذي كان عليه نبينا صلى الله عليه وسلم، لوجد أنه عليه الصلاة والسلام كان حريصًا على التوبة، وكان من أكثر الناس توبة إلى الله تبارك وتعالى واستغفارًا لله سبحانه. ومما يدل على ذلك ما جاء عند البخاري من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة». وفي حديث الأغر عند مسلم قال عليه الصلاة والسلام: «إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مئة مرة». وهكذا جاء عند أصحاب السنن، عند أبي داود وغيره، من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: «إن كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مئة مرة قبل أن يقوم: رب اغفر لي وتب علي، إنك أنت التواب الرحيم». مجلس واحد يا عباد الله، قبل أن يقوم منه النبي صلى الله عليه وسلم يعدون له مئة مرة يقول فيها: رب اغفر لي وتب علي، إنك أنت التواب الرحيم. بل كان من دعائه عليه الصلاة والسلام كما في حديث ابن عمر أيضًا عند ابن ماجه، وهكذا عند أبي داود، أنه صلى الله عليه وسلم كان من دعائه يقول: «رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبت حجتي، واهد قلبي، وسدد لساني، واسلل سخيمة قلبي». آذى من دعاء نبينا المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا الأحاديث يطول ذكرها في بيان ما يتعلق بهديه صلى الله عليه وسلم. انظروا، انظروا يا عباد الله إلى حاله عليه الصلاة والسلام من كثرة التوبة والاستغفار لله تبارك وتعالى، مع أنه عليه الصلاة والسلام قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومع هذا كان يستغفر الله كل هذا الاستغفار، ويتوب إليه هذه التوبة العظيمة. إذا نظرنا إلى حال النبي صلى الله عليه وسلم ثم نظرنا مرة أخرى إلى أحوالنا التي نسأل من الله تبارك وتعالى أن يصلحها وأن يجعلها على أحسن حال، نجد الفرق الواسع والبون العظيم. فما أكثر الأخطاء وما أعظم المخالفات التي نقع فيها، ومع هذا إخواني في الله نجد من يغفل، ونجد من يصر على الخطأ ولا يريد إلا أن يستمر على المعصية. وهكذا معاصي كثيرة واستغفار قليل، وهذا من الأمور التي لا ينبغي، من الأمور التي لا يجوز أن يكون عليها حال المسلم. حري بأهل الإيمان أن يكثروا من التوبة. كن يا عبد الله من التوابين، من المنيبين، من الأوابين الرجاعين إلى الله تبارك وتعالى. فربنا سبحانه وتعالى رحمته واسعة وسعت كل شيء، وفضله عظيم أعظم من كل شيء. ربنا تبارك وتعالى من رحمته ومن فضله أن فتح باب التوبة، فمهما بلغت الذنوب ومهما كثرت وعظمت، فإن رحمة الله عز وجل أوسع، وفضل الله عز وجل أعظم. ربنا تبارك وتعالى هو القائل في كتابه الكريم: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. هذا كرم من المولى تبارك وتعالى. ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. وهكذا يقول جل في علاه: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾. ربنا عز وجل هو القائل في محكم تنزيله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾. ربنا تبارك وتعالى ينادي أهل الإيمان، بل وليس أهل الإيمان فحسب، بل ينادي عباده المذنبين، بل وليس المذنبين فحسب، ينادي عباده الذين أسرفوا على أنفسهم وأكثر من فعل الذنوب واقتراف المعاصي والخطايا، يقول سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. إن الله يغفر الذنوب جميعا، مهما بلغت ومهما عظمت، فإن الله تبارك وتعالى يغفرها لمن كان تائبًا صادقًا في توبته، قد توفرت واجتمعت شروط التوبة الصحيحة. نعم، يقول ربنا تبارك وتعالى كذلك في محكم تنزيله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون. الإصرار على الذنب إخواني في الله هذا أمر خطير، وكذلك أيضًا يعتبر ذنبًا على ذنب وجرمًا إلى جرم. فإن الله الله تبارك وتعالى قد فتح باب التوبة، لكن بإصرار هذا العبد على بعض الذنوب وبعض الخطايا والمعاصي، لربما يحرم توبة الله عز وجل، لربما يحرم توبة الله عز وجل. وقد جاء في حديث أنس عند الترمذي وغيره: «يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي. يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة». لكن اعلم أخي في الله أن هذا الباب العظيم من أبواب التوبة، وهذا الباب العظيم من أبواب الرحمة، يغلقه ربنا عز وجل في حالتين اثنتين، عندهما لا تقبل التوبة ولا ينفع الاستغفار. الحالة الأولى: عند الغرغرة، إذا بلغت الروح الحلقوم، وعاين هذا العبد الموت والسكرات، فعندها لا يقبل الله عز وجل التوبة ولا ينفع حينها الاستغفار. يقول المولى تبارك وتعالى في محكم تنزيله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. أين هذا العبد طيلة هذه السنوات وعلى مدى هذا العمر الذي بلغه الله تعالى إياه؟ عشرين سنة، ثلاثين سنة، أربعين سنة، بل والخمسين والستين، بل والسبعين أو الثمانين، ومع هذا غفلة وبعد، وهكذا إعراض وإصرار لربما على بعض الذنوب، حتى إذا حضر أحدهم الموت قال: إني تبت الآن. النبي صلى الله عليه وسلم كما يقول، كما في حديث ابن عمر: «يقبل الله توبة العبد ما لم يغرغر». الحالة الثانية: ألا وهي عند طلوع الشمس من مغربها. نحن في كل يوم نشاهد آية كونية عظيمة من آيات الله عز وجل، ألا وهو طلوع الشمس من المشرق. لكن عند قرب قيام الساعة لا يؤذن لها بالطلوع من المشرق، وإنما يؤذن لها بالطلوع من المغرب. فإذا طلعت وعاينها الناس، آمنوا كلهم ورجعوا كلهم، لكن هيهات هيهات، فهذه ساعة لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا. في صحيح مسلم من حديث أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله عنه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ما لم تطلع الشمس من مغربها». في صحيح مسلم أيضًا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه». التوبة يا عباد الله لها فضائل عظيمة ومناقب جليلة، منها أن الله تبارك وتعالى يفرح بتوبة التائبين، كما جاء في حديث أنس: «لله أشد فرحًا بتوبة عبده من أحدكم قد أضل راحلته وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فاضطجع تحت شجرة، فإذا بها واقفة أمامه، قال: فأخذ بخطامها، وجعل يقول: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، قال: أخطأ من شدة الفرح». وهكذا ربنا عز وجل يكفر السيئات، بل وليس الأمر عند ذلك فحسب، ربنا عز وجل يبدل سيئات التائبين إلى حسنات: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾. إخواني، نحن في شهر الصيام، ومع هذا الموسم العظيم وهذه التجارة الرابحة مع الله تبارك وتعالى، في شهر المغفرة وشهر التوبة، يجب علينا يا عباد الله أن نكثر من التوبة إلى الله تبارك وتعالى، ونسعى في أسباب مرضاته ومحبته. إذا لم يتوب هذا العبد في رمضان، فقل لي بربك يا عبد الله: متى يتوب؟ إذا لم يتخلص من الذنوب والمعاصي في رمضان، فمتى يتخلص منها؟ متى يتخلص منها؟ في الصحيحين من حديث أبي هريرة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». بل يا عباد الله، جاء عند الترمذي وغيره من حديث أبي هريرة، وقد صحح هذا الحديث الإمامان الألباني وهكذا شيخنا الوادعي رحمهما الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم خرج ولم يغفر له». دخل رمضان، وأنعم الله على هذا العبد بإدراك رمضان، وهكذا بالصيام والقيام، وهكذا بالصحة والعافية، ومع هذا دخل رمضان ثم خرج صاحبنا لم يستفد مغفرة الذنوب وتكفير الخطايا والسيئات، بل ربما زاد مع سيئاته سيئات، وإلى معاصيه معاصي: غيبة، نميمة، وقيعة في أعراض المسلمين، وهكذا طعن في أعراضهم، وهكذا غير ذلك من أسباب الحرمان. فينبغي علينا يا عباد الله أن نستغل هذه الفرصة وأن نغتنمها، وأن نكثر من التوبة إلى الله تبارك وتعالى، وأن نسعى في إصلاح ما فسد، وإتمام ما نقص، وإتمام ما نقص. فنسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا وإياكم جميعًا ممن إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أساء وأذنب استغفر ربه تبارك وتعالى. نسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا وإياكم جميعًا ممن يقال لهم في خاتمة هذا المجلس: قوموا مغفورًا لكم، قد بدلت سيئاتكم حسنات. نسأله سبحانه أن يجعلنا جميعًا من عباده المحبوبين، وأن يعتق رقابنا ورقاب آبائنا وأمهاتنا من النار، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وأصلي وأسلم وأبارك على نبينا محمد، وعلى آله والتابعين، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. شكرًا، شكرًا، شكرًا.

شاركنا على