الدرس في تذكير أهل الإيمان بجملة من أسباب محبة الرحمن 8، ألقاها
يوضح المتحدث أن التوكل على الله من أسباب محبة الرحمن، حيث يحب الله المتوكلين ويعتبر التوكل صدق اعتماد القلب على الله مع الأخذ بالأسباب المشروعة. ويبين أن التوكل يمثل نصف الدين وعمل القلب وأساساً من أصول الإيمان.
يشرح المقطع أن التوكل على الله شرط لكمال الإيمان وعبادة خالصة، مقسماً التوكل على غير الله إلى شرك أكبر إن كان في أمور لا يقدر عليها إلا الله، وشرك أصغر إن كان في أسباب يقدر عليها المخلوق مع وجوب اعتماد القلب على الله. ويؤكد العلماء على الجمع بين الأخذ بالأسباب والتوكل على مسببها، محذرين من ترك الأسباب بدعوى التوكل.
يذكر أن "المتوكل" من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم الواردة في التوراة والقرآن، واصفاً خلقه بالعفو والصفح والتوكل على الله. ويستعرض أدلة التوكل من دعاء النبي وأذكار الخروج، مبيناً أن التوكل الصادق يورث القناعة ويمنع الحسد وطلب الحرام، وهو من صفات السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب.
يختتم الداعي بالسؤال أن يجعلهم من الداخلين الجنة بغير حساب ولا عذاب، ومن المتوكلين الذين يحبهم الله ويرضاهم. ويختتم بالصلاة على النبي محمد والحمد لله.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا أيها الإخوة في الله مع هذه المجالس الرمضانية التي نتذاكر فيها بعض أسباب محبة الرحمن تبارك وتعالى لعباده. وكنا في المجلس الماضي تكلمنا حول ما يتعلق به محبة الله عز وجل لعباده التوابين أهل التوبة، وذكرنا بعض ما يتعلق بهذه الصفة العظيمة وهذه العبادة الكبيرة، ألا وهي التوبة إلى الله تبارك وتعالى. إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين، ومحبة الله لعباده التوابين تدل دلالة واضحة وظاهرة على عظم أمر التوبة وعلو درجتها ومكانتها. وسبق أن ذكرنا كلمة شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى التي فيها بيان لشمولية التوبة لمقامات الدين ومراتبه، من الإسلام، وهكذا الإيمان، وهكذا الإحسان. فيجب على العبد أن يتوب إلى ربه تبارك وتعالى توبة نصوحة، وأن يسعى في تحقيق شروط التوبة التي تصح بها. وفي مقدمة ذلك أن تكون خالصة لوجه الله الكريم، لا يبتغي العبد من ورائها السمعة ولا الرياء ولا الشهرة، ولا غرضًا من أغراض هذه الدنيا الفانية، ولا مصلحة من المصالح الشخصية، وإنما كما قال الله تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾. وهكذا من شروط هذه التوبة الصحيحة: الندم على فعل ذلكم الذنب، وقد جاء في حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الندم توبة، الندم توبة». وإذا تأمل العبد أنه حين فعل هذه المعصية فقد عصى الله تبارك وتعالى الذي أنعم عليه بهذه النعم، وهكذا خالف أمر الله عز وجل الذي ناصيته بيد الله سبحانه وتعالى، فذلك استوجب عليه أنه يندم على فعله لهذه المعاصي. وهكذا الإقلاع عن هذه الذنوب، وإلا فكيف تكون التوبة ولا يزال العبد مصرًا ومستمرًا في فعله لهذه المعاصي وارتكابه لهذه الذنوب والمخالفات؟ وهكذا العزم على أن لا يعود إلى هذا الذنب، فالتائب الصحيح هو الذي يعزم عند التوبة أن لا يعود وأن لا يرجع إلى الوقوع في هذا الذنب وهذه المعصية. وأما الشخص الذي لربما يبتلى بالفقر أو بالمرض فيعجز عن فعل المعصية، فيقول: إذن تبت، لكن في قرارة نفسه أن لو تهيأت له الأسباب وسنحت له الفرص للعودة فإنه سيعود، فهذه يسميها العلماء: توبة العاجز، توبة العاجز، وهي توبة غير صحيحة، غير صحيحة. وإذا كان الذنب يتعلق بحق آدمي، فهنا يزاد شرطًا آخر، ألا وهو التحلل من هذه المظالم، وهذا جانب لربما يغفل عنه كثير من الناس. إذا كان الذنب أخذ مال، فالتوبة لا تصح إلا بإعادته، أو أن تتحلل من صاحبه فيعفو عنك ويسامحك. إذا كان الذنب وقيعة في عرض، تكلمت في حقه وتكلمت في عرضه ووقعت فيه في غيبته، فإن التوبة لا تصح إلا إذا استسمحته وهكذا تحللت من هذا الذنب الذي وقعت فيه. فهذا من الأمور التي ينبغي أن نوليها عناية بالغة واهتمامًا عظيمًا. وفي هذا المجلس نحب أن نتذاكر سببًا آخر من جملة الأسباب التي تجلب محبة الرحمن لخلقه وعبيده، هذا السبب هو ما يتعلق بصفة التوكل، صفة التوكل. يقول ربنا تبارك وتعالى في محكم تنزيله: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾. إن الله يحب المتوكلين. محبة الله عز وجل لعباده المتوكلين تدل دلالة واضحة على عظم أمر التوكل، وعلى كذلك عظم أجره عند الله تبارك وتعالى. وحقيقة التوكل: هو صدق اعتماد القلب على الله تبارك وتعالى في جلب المنافع ودفع المضار، مع العمل أو الأخذ بالأسباب. هذا هو حقيقة التوكل: صدق اعتماد القلب على الله تبارك وتعالى في جلب المنافع، والمنافع كثيرة: منها الرزق، ومنها الصحة والعافية، وهكذا منها العمل وغير ذلك، ودفع المضار: من الأمراض، وهكذا المصائب، وهكذا الفتن، وهكذا غيرها مما يبتلى به العباد. قالوا: مع الأخذ بالأسباب، أي الأسباب المشروعة التي ليست بممنوعة. والتوكل يعتبر من أصول الإيمان، توكل يعتبر من أصول الإيمان. بل يقول الإمام شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه "مدارج السالكين": قال رحمه الله تعالى: "التوكل نصف الدين، والنصف الثاني الإنابة، والنصف الثاني الإنابة". قال: "فإن الدين استعانة وعبادة، فالتوكل هو الاستعانة، والإنابة هي العبادة". ولهذا يقول الله تبارك وتعالى: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾، أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك. إذن فالتوكل يعتبر من أصول الإيمان، وهو كذلك أيضًا من أعظم أعمال القلوب. ولهذا يقول الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: قال: "التوكل عمل القلب، التوكل عمل القلب". ولهذا قلنا في حقيقته وتعريفه: صدق اعتماد القلب على الله تبارك وتعالى. وقد جعل الله تبارك وتعالى التوكل شرطًا من شروط تحقيق أصل الإيمان، وكذلك أيضًا أصلًا من أصول الإسلام. ولهذا قال الله تعالى عن موسى: ﴿ وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ ﴾، ﴿ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ ﴾. ﴿ قَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾، ﴿ قَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾. وقال سبحانه وتعالى عن بعض بني إسرائيل: ﴿ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾، ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾. وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى كما في كتابه "طريق الهجرتين" في تفسيره للآية السابقة، قال: "فجعل التوكل شرطًا في الإيمان، جعل التوكل شرطًا في الإيمان، فدل على انتفاء الإيمان عند انتفاء التوكل، دل على انتفاء الإيمان -أي عدم وجوده- عند انتفاء التوكل -أي عند عدم وجود التوكل-". وهكذا أيضًا ربنا تبارك وتعالى يقول في محكم تنزيله: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾، ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾. ومعنى هذا: أي أنهم لا يتوكلون إلا عليه سبحانه وتعالى. فتقديم ما حقه التأخير عند أهل العلم قالوا: يفيد الحصر، وهكذا يفيد ماذا؟ الاختصاص. فإذا لا يتوكل العباد إلا على الله تبارك وتعالى، إلا على الله تبارك وتعالى. وقد ذكر الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ في كتابه "تيسير العزيز الحميد" ما يدل على معنى ما تقدم، قال: "ومفهوم ذلك انتفاء الإيمان والإسلام عند انتفائه، انتفاء الإيمان والإسلام عند انتفائه". وهذا كله يدل على ما سبق الإشارة إليه من عظم أمر التوكل، وأن المؤمن والمسلم يجب عليه أن يراعي ذلك، وأن ينظر إلى مدى قوة التوكل الموجودة في قلبه. فقوة التوكل دليلًا على قوة الإيمان، وضعف التوكل يعتبر دليلًا على ضعف الإيمان. وقد ذكر العلماء أن التوكل على قسمين: توكل على الله تبارك وتعالى، وتوكل على غير الله من البشر والجن وغيرهم. فأما التوكل على الله، فهذا هو العبادة، وهذا يعتبر أصلًا من أصول الإيمان التي سبق الإشارة إليها، وأن العبد يكون صادقًا في تفويضه للأمور إلى الله تبارك وتعالى. وأما القسم الثاني، ألا وهو التوكل على غير الله، فهذا قد ذكر العلماء أنه يعتبر شركًا، وهو بين أن يكون شركًا أكبر يخرج صاحبه عن ملة الإسلام، وبين أن يكون شركًا أصغر، صاحبه لا يزال مسلمًا لكنه على خطر عظيم، ومرتكبًا لذنب عظيم من الذنوب والمعاصي التي حرمها رب العالمين تبارك وتعالى. فأما ما يكون منه شركًا أكبر، فذلك إذا توكل العبد على غير الله عز وجل في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله، التي لا يقدر عليها إلا الله تبارك وتعالى، كمن يعتمد على أصحاب القبور والأضرحة والمشاهد والقباب، يعتمد عليهم ويتوكل عليهم في تحقيق ورجاء بعض المطالب، كالنصر على الأعداء، أو الحفظ ودفع الأذى، أو الشفاعة، أو غير ذلك. هذه كلها لا تطلب إلا من الله تبارك وتعالى، فطلبها من غير الله يعتبر ماذا؟ يعتبر من غير الله كالأموات يعتبر ماذا؟ يعتبر شركًا، بل وشركًا أكبر يخرج صاحبه عن ملة الإسلام. وأما ما يكون منه شركًا أصغر، فذلك بالتوكل على غير الله فيما يقدر عليه، توكل على مخلوق في شيء يقدر عليه هذا المخلوق، فيما يظن هذا المتوكل، فيما يظن هذا المتوكل. فهذا النوع قد قال فيه الشيخ سليمان بن عبد الله النجدي رحمه الله تعالى: قال: "التوكل في الأسباب الظاهرة العادية، كمن يتوكل على أمير أو سلطان فيما جعله الله بيده من الرزق أو دفع الأذى ونحو ذلك، فهذا شرك أصغر، يعتمد على المخلوق في أمر، وإن كان يقدر عليه المخلوق، لكن كان الواجب هو الاعتماد على الله تبارك وتعالى في جلب هذه المنفعة أو دفع هذا الضرر، وذلك من المخلوق ما هو إلا سبب". ولهذا من عبارات الأئمة رحمة الله عليهم في هذا الباب: "أن الاعتماد على السبب شرك، وترك الأسباب قدح في الشريعة". الاعتماد على السبب من غير الاعتماد على الله تبارك وتعالى هذا يعتبر شركًا، وترك الأسباب كما يفعل لربما بعض أرباب التصوف وبعض الجهال، لربما يتركون العمل بالأسباب ويزعمون ويزعمون أنه توكل، يزعمون أنه توكل، فهذا لا يجوز. ولهذا جاء في البخاري من حديث ابن عباس: أن أهل اليمن كانوا يحجون ولا يتزودون، يحجون ولا يتزودون، فإذا وصلوا إلى مكة لربما ماذا؟ تكففوا وسألوا الناس، تكففوا وسألوا الناس. فأنزل الله تعالى: ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ﴾، ﴿ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ﴾. وكما مضى أن التوكل يعتبر عبادة، بل ومن أجل العبادات التي أمر الله تبارك وتعالى بها، فكلي عبادة، وتوكل على الحي الذي لا يموت، وسبح بحمده. ولهذا يذكر العلماء أنه لا يجوز للشخص أن يقول: "أنا متوكل على الله ثم عليك"، لماذا؟ لأن التوكل قالوا: كله عبادة. ولهذا ذكر الشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى كما في كتابه "معجم المناهي اللفظية": قال: "لا يجوز أن يقال: أنا متوكل على الله ثم عليك، كما يجوز في المشيئة، لأن التوكل كله عبادة". يجوز أن تقول: "نعم" فيما يتعلق ببعض الأمور، تعلق ماذا؟ تعلق الأمر بالله عز وجل ثم بهذا المخلوق، أما فيما يتعلق بباب التوكل فلا يجوز ذلك، لأن التوكل كله عبادة. ولهذا كما سبق الإشارة، يخطئ بعض الناس حين أن يقول: "أنا متوكل على الله ثم عليك"، هذا لا يجوز، لأن التوكل لا يكون إلا على الله تبارك وتعالى. ونبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو الأسوة والقدوة الطيبة في هذا الباب، فكان عليه الصلاة والسلام إمام المتوكلين، إمام المتوكلين. بل من أسمائه: المتوكل، من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم: المتوكل، كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى، يقول عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما: قال: "إن هذه الآية التي في القرآن: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴾". قال رضي الله تعالى عنه: "قال في التوراة: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وحرزًا للأميين، وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، سميتك المتوكل، ليس بفض ولا غليظ، ولا صخاب بالأسواق، ولا يجزي السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولا يجزي السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء، بأن يقول لا إله إلا الله، فيفتح الله به أعينًا عميًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلفًا". هذه صفة النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة، وهكذا هي صفته عليه الصلاة والسلام في القرآن، أنه عليه الصلاة والسلام يعتبر إمامًا للمتوكلين، إمامًا للمتوكلين. ولهذا جاء في البخاري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «حسبنا الله ونعم الوكيل، حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيمانًا وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل». ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾. وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما ورد ذلك في حديث ابن عباس عند الإمام مسلم رحمه الله تعالى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون، والجن والإنس يموتون». فهذا من دعاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي كان يدعو به ربه تبارك وتعالى. وكان عليه الصلاة والسلام يعلم أمته التوكل على الله تبارك وتعالى، ومن ذلك ما جاء في سنن أبي داود من حديث أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا خرج الرجل من بيته فقال: بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال: يقال له: هديت، وكفيت، ووقيت، قال: فتتنحى عنه الشياطين، فيقول شيطان لآخر: كيف لك برجل قد كفي وهدي ووقي؟». وهذا ذكر لربما يغفل عنه كثير من الناس، وفيه دليلًا على توكل هذا العبد، وهكذا حرزًا من الشيطان الرجيم، حرزًا من الشيطان الرجيم. وهكذا أيضًا فيما يتعلق بباب الرزق، جاء عند الترمذي من حديث عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا». هذا الحديث قال فيه الإمام أبو حاتم رحمه الله تعالى: قال: "وهذا الحديث أصل في التوكل، وأنه من أعظم الأسباب التي يستجلب بها الرزق، وأنه من أعظم الأسباب التي يستجلب بها الرزق". إذا تقرر في قلب هذا المسلم أن الرزق على الله عز وجل، ومن الله سبحانه وتعالى، وأنه لن يصل إليه إلا ما كتب الله له، فما سيحسد أخاه على ما رزقه الله، فما سيحقد على أخيه إذا أنعم الله عليه بنعم، فما سيذهب إلى طرق الحرام والطرق الملتوية التي لربما فيها المحرم والمشتبه من أجل تحصيل الرزق، وإنما يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، كما في حديث ابن عباس، كما في حديث ابن عباس. ولهذا جاء في حديث أبي أمامة عند أصحاب السنن، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن روح القدس -أي جبريل- نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها». يعني: ما سيموت الواحد إلا إذا أخذ رزقه كاملًا موفى، ولن يموت إلا إذا حان أجله وحانت ساعته. قال عليه الصلاة والسلام: «أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه مما حرم الله عليكم، فإن ما عند الله لا ينال بمعصيته». وفي حديث أنس كذلك عند الترمذي، في قصة ذلكم الرجل الأنصاري الذي كان يحترف ويعمل، والآخر كان يلازم النبي صلى الله عليه وسلم، فشكى المحترف أخاه: كيف أنا أعمل؟ أنا أشتغل، وهذا جالس عندك لا يعمل ولا يشتغل، وهذا يدندن به، لربما اليوم كثير من الناس. فهذا قد حصل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، واحد يعمل ويشتغل، والآخر يتعلم ويدرس عند النبي صلى الله عليه وسلم، فشكى المحترف أخاه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لذلك من المحترف: «لعلك ترزق به، لعلك ترزق به». وهذا أمر ملاحظ ومشاهد، كم من الناس من لربما يقوم على إخوانه، أو يقوم على أخواته، أو يقوم على والديه، أو يقوم على بعض أرحامه، أو يتعاهد بعض جيرانه بالصدقة والبر والمعروف، فيجد بركة الرزق ظاهرة وواضحة من الله تبارك وتعالى. «لعلك ترزق به، لعلك ترزق به». ومن صفات السبعين ألف الذين يدخلون الجنة من هذه الأمة بغير حساب ولا عذاب، كما في حديث ابن عباس في الصحيحين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هم الذين لا يسترقون -أي لا يطلبون الرقية من غيرهم-، لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون، وعلى ربهم يتوكلون». وهذه فضيلة عظيمة لأهل الإيمان. فنسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم من هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، نسأله سبحانه أن يجعلنا جميعًا من عباده المتوكلين الذين يحبهم ربنا تبارك وتعالى، ويتولاهم ويرضى عنهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.