شرح الشمائل المحمدية 40

الدرس في شرح الشمائل المحمدية 40، باب ما جاء في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الطعام وبعد ما يفرغ منه ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

آداب الطعام: الوضوء قبله والتسمية عليه

يستعرض المقطع أحاديث باب صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم عند الطعام، مبينًا أنه لم يكن يتوضأ للأكل، وضعف حديث الوضوء قبله وبعده، ثم ينتقل لباب التسمية عند الأكل موضحًا أن السنة قول "بسم الله" فقط، وأن التسمية واجبة لطرد الشيطان لا مستحبة فقط كما ذهب النووي.

أحكام التسمية عند الأكل والشرب وحكم من نسيها

يتناول المقطع حكم التسمية عند الأكل والشرب، مبينًا خلاف العلماء بين الوجوب والاستحباب، وأن من نسي التسمية يقول: بسم الله أوله وآخره، مع بيان صحة الحديث الوارد في ذلك، واستحباب الجهر بالتسمية لتنبيه الغافلين، وأن التسمية تشمل الطعام والشراب والدواء.

آداب الأكل الجماعي: التسمية والأكل باليمين

يبيّن المقطع حكم التسمية عند الأكل للجماعة، حيث تكفي تسمية واحد منهم عند الشافعي، ويستعرض حديث عمر بن أبي سلمة الذي أمر فيه النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث: التسمية، والأكل باليمين، والأكل مما يليه، مع خلاف العلماء في وجوبها أو استحبابها، وتفصيل في آداب الأكل مما يلي الآكل حسب نوع الطعام وحال المؤاكلة.

فوائد حديث عمر بن أبي سلمة وختام الدرس

أشار المحاضر إلى أن حديث عمر بن أبي سلمة يحتوي على فوائد كثيرة ذكرها الحافظ ابن حجر في فتح الباري، وأعرب عن أمله في تناولها في الدرس القادم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أخذنا في كتاب الشمائل في الدرس الماضي باب ما جاء في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الطعام. وذكر الترمذي رحمه الله في هذا الباب ثلاثة أحاديث: حديث ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام خرج من الخلاء فقرب إليه الطعام، فقيل له: ألا تتوضأ؟ قال: «إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة». فهذا يدل على أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يتوضأ للطعام. وأما الحديث المذكور الآخر فهو حديث سلمان رضي الله عنه أنه قرأ في التوراة أن بركة الطعام الوضوء بعده، ثم ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام: «بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده». وهذا حديث ضعيف لا يثبت، وقد ذكرنا أن العلامة الألباني رحمه الله ضعفه كما في الشمائل. وذكرنا أيضًا في هذا الباب اختلاف العلماء في غسل اليد قبل الطعام وبعد الطعام، وذكرنا في المسألة قولين لأهل العلم: منهم من قال يستحب، ومنهم من قال لا يستحب، وهما روايتان عن أحمد رحمه الله. ورجح ابن القيم أنه لا يستحب، خلافًا للنووي رحمه الله تعالى حيث ذكر الاستحباب. وأما الإمام مالك فكره ذلك. وهذا خلاصة ما جاء في الباب المتقدم. قال الترمذي رحمه الله تعالى في الشمائل: باب ما جاء في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الطعام وعند الفراغ منه. هذا الباب وهو: ماذا كان عليه الصلاة والسلام يقول قبل الطعام وماذا يصنع؟ وعند الفراغ من الطعام ماذا يصنع عليه الصلاة والسلام؟ ذكر الترمذي رحمه الله في هذا الباب مجموعة من الأحاديث، نحو ستة أحاديث، ثلاثة أو أربعة منها في التسمية وأخرى في الفراغ من الطعام. قال رحمه الله: حدثنا قتيبة بن سعيد، وهو أبو رجاء الثقفي البغلاني، وهو ثقة. قال: حدثنا ابن لهيعة، وهو عبد الله بن لهيعة الحضرمي، وهو قاضي مصر، وهو ضعيف، الراجح ضعفه. والألباني رحمه الله يحسن حديث العبادة له عنه، وهم عبد الله بن المبارك وعبد الله بن وهب المصري، يقول: هما يعني حدثوا عنه من صحيفته. قال: عن يزيد بن أبي حبيب، وهو ثقة فقيه، وكان يرسل، ثقة فقيه. يزيد بن أبي حبيب عن راشد بن جندل اليافعي، وراشد ثقة، عن حبيب بن أوس، وهو مقبول، عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه. واسم أبي أيوب الأنصاري خالد بن زيد، اسمه خالد بن زيد، وأبو أيوب من السابقين من الأنصار إلى الإسلام، وقد نزل النبي صلى الله عليه وسلم في داره لما هاجر إلى المدينة. قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم يومًا فقرب طعامًا، فلم أر طعامًا كان أعظم بركة منه أول ما أكلنا، ولا أقل بركة في آخره. قلنا: يا رسول الله كيف هذا؟ قال: «إنا ذكرنا اسم الله تعالى حين أكلنا، ثم قعد من أكل ولم يسم الله تعالى فأكل معه الشيطان». هذا الحديث من حيث الإسناد ضعيف لضعف ابن لهيعة، وقد ضعفه الألباني رحمه الله كما في الشمائل برقم مئة وستين. لكن في شرح هذا الحديث نحن درجنا على أننا نأخذ ألفاظ الحديث وإن كان الحديث ضعيفًا، وفي الباب هذا أيضًا أحاديث تؤيد التسمية ذكرها الترمذي رحمه الله تعالى. بالنسبة له التسمية: ماذا يقول الآكل على الطعام؟ إذا قرب إليه طعامًا يقول: بسم الله. يقول: بسم الله. هذا هو المراد بالتسمية، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن أبي سلمة: «يا غلام سمِ الله». ويكفي في قول ذلك: بسم الله. يقول الحافظ في الفتح في المجلد التاسع: المراد بالتسمية على الطعام قول: بسم الله، في ابتداء الأكل. هذا هو المراد عندما يقال: يا فلان سمِ الله، ماذا تقول؟ تقول: بسم الله فقط. النووي رحمه الله تعالى ذكر في كتاب الآداب، آداب الأكل، آداب الأكل من الأذكار، الأذكار للنووي كتاب معروف، ذكر في آداب الأكل صفة التسمية، وأنه لا بأس أن يقول أو يزيد فيها: بسم الله الرحمن الرحيم. يقول: بسم الله الرحمن الرحيم. لكن هذا لم يرد. يقول النووي رحمه الله تعالى، وقد عقب عليه الحافظ في الفتح، عقب على كلام النووي، قال الحافظ: وأما قول النووي في آداب الأكل من الأذكار: صفة التسمية، صفة التسمية من أهم ما ينبغي معرفته، والأفضل أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فإن قال: بسم الله كفاه وحصلت السنة. هذا كلام النووي. الآن يقول: الأفضل أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم. لكن هذا متعقب، يعني رد عليه الحافظ رحمه الله، فقال: فلم أرى لما ادعاه من الأفضلية دليلًا خاصًا. يحتاج دليل أن الأفضلية أو الاستحباب أن نقول عند الأكل: بسم الله الرحمن الرحيم. لكن الذي ورد: بسم الله، أن تقول: بسم الله، هذا هو. فكلام النووي رحمه الله متعقب بكلام الحافظ. وقال رحمه الله: وقال النووي: أجمع العلماء على استحباب التسمية على الطعام في أوله. انظروا: هل التسمية مستحبة أم واجبة؟ عندما نأكل هل يستحب أن نسمي الله أم واجب علينا أن نسمي الله على الطعام؟ ما هو الراجح؟ الراجح الوجوب، أننا نسمي الله على الطعام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالتسمية على الطعام وقال: «يا غلام سمِ الله»، وهذا أمر منه صلى الله عليه وسلم، والأمر يفيد الوجوب. أيضًا أنك إذا لم تسمي الله، من الذي يأكل معك؟ من الذي يأكل معك؟ الشيطان. وقد ورد هذا فيه عدة أحاديث أن الشيطان يأكل في الطعام إذا لم يسمِ الله تعالى عليه، فكان لزامًا محاربته، وحاربت هذا العدو الخبيث، فلذلك كانت التسمية على الطعام من الواجبات. لأن الشيطان لا يسمي، الشيطان يأكل كذلك وهو لا يسمي، ويأتي عند الطعام ويحضره، فإذا لم يسمِ الآكلون على الطعام أكل معهم، كما في حديث الجارية التي جاءت تريد أن تأكل، والنبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيدها وأمرها بماذا؟ بالتسمية. أخذ بيدها قبل أن تغرف من الطعام، قال: «إن الشيطان أتى بهذه الجارية يدفعها يريد أن يأكل، يريد أن يأكل، لكن النبي عليه الصلاة والسلام منع ذلك وأمرها بماذا؟ بالتسمية، حتى لا يأكل الشيطان». فالنووي رحمه الله تعالى يقول: إن التسمية على الطعام مستحبة، ولكن الصحيح كما سنذكره من كلام الحافظ رحمه الله، يقول النووي: أجمع العلماء على استحباب التسمية. وانتبه لإجماعات النووي، لأنه يقول: أجمع هنا العلماء على أن التسمية مستحبة، مع أن هناك من العلماء من قال بالوجوب، فالإجماع فيه نظر، كما قال الحافظ رحمه الله. قال: وفي نقل الإجماع على الاستحباب نظر. أنت لابد أيها الطالب، طالب العلم، تنتبه إذا قال العلماء: أجمع، خاصة مثل النووي في نقل ماذا؟ الإجماعات، فقد يكون أحيانًا هذا الإجماع فيه نظر عند التعقب، عند ماذا؟ عند الاستقراء. فالحافظ كونه من المستقرئين تعقب ماذا؟ النووي، وقال: في نقل الإجماع على الاستحباب نظر. هذا الكلام ليس بصحيح أن العلماء كلهم أجمعوا على استحباب التسمية، بل قال: الإجماع هذا فيه نظر، وأن هناك من العلماء من قال بالوجوب. قال: إلا إن أريد بالاستحباب أنه راجح الفعل، يعني أنه مرجح، الاستحباب يطلق على رجوح الفعل، فلا بأس في ذلك، يعني كما يقال: لا مشاح في الاصطلاح، وإلا فقد ذهب جماعة إلى وجوب ذلك. انتهى من الفتح. هنا في هذا الحديث: أن الشيطان يأكل، قال: ثم قعد من أكل ولم يسمِ الله تعالى فأكل معه الشيطان. هذا الأكل قال العلماء: إنه محمول على حقيقته، يعني الجمهور من الخلف والسلف يقولون: الشيطان يأكل حقيقة، ليس مجازًا، إنما هو حقيقة. فأراد أن يأكل مع ماذا؟ مع من لم يسمِ الله تعالى عند الطعام. فالمسلم يكون حريصًا على التسمية، ويحارب الشيطان ما استطاع، فلا يجعل له سبيلًا عليه، لا في طعامه ولا في شرابه ولا في راحته ونومه وأهله ونحو ذلك، فيحاربه محاربة بالذكر، بالذكر. فأنت تذكر الله عند الطعام وتذكره بعد الطعام، وهكذا في سائر أحوالك، كما كان نبينا صلى الله عليه وسلم يذكر الله تعالى على سائر أحواله، كما قالت عائشة، وهو الصحيح. قال الترمذي رحمه الله تعالى: وحدثنا يحيى بن موسى، وقد تقدم معنى هذا، يحيى وأنه أيضًا من مشايخ البخاري، وله لقب، من يذكر لقبه في الإسناد المتقدم في الدرس الماضي؟ يحيى بن موسى ثقة، ما لقبه؟ ألا تذكرون؟ طيب، لقبه: خُتَّة، دائمًا نذكر هذا أكثر من مرة، يحيى بن موسى لقبه خُتَّة بتشديد التاء. قال: حدثنا أبو داود، وأبو داود هو الطيالسي، إمام ثقة حافظ. قال: حدثنا هشام الدستوائي، وهو هشام بن أبي عبد الله، واسم أبيه يعني أبا عبد الله اسمه سِنْبِر، وهو ثقة. هذا هشام ثقة ثبت، وقد رمي بالقدر. قال: عن بديل العقيلي، وهو ثقة أيضًا، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أم كلثوم، عن عائشة. وعبد الله بن عبيد ثقة، وأم كلثوم هذه مختلف فيها، يعني في نسبتها، قيل هي الليثية المكية، وقيل هي التيمية، يعني لها قرابة بعائشة، يعني ابن أو بنت أخيها أو نحو ذلك، ولم يتكلم عليها الحافظ في التهذيب ولا التقريب، يعني من حيث ماذا؟ التقريب، من حيث هل هي مقبولة أم مجهولة؟ صاحبات التحرير قالا أنها مجهولة لأنه ليس لها راوٍ إلا عبد الله بن عبيد بن عمير. لكن الحديث كما سيأتي تصحيح العلامة الألباني له. قال: عن عائشة رضي الله عنها، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أكل أحدكم فنسي أن يذكر اسم الله تعالى على طعامه فليقل: بسم الله أوله وآخره». الحديث صححه الألباني في الشمائل برقم مئة واحد وستين. هذا الحديث أيضًا فيه الأمر بالتسمية، وأنك حتى لو نسيت، أنت لو نسيت، غفلت عن التسمية، ما سميت الله تعالى عند الطعام وأنت تأكل، ذكرت أو ذكرت، فماذا تفعل؟ هل تترك التسمية؟ الجواب: لا، تقول: بسم الله أوله وآخره، أوله وآخره، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يقول صاحب التحفة، تحفة الأحوذي: وفي الحديث دليل على مشروعية التسمية للأكل، وأن الناسي يقول في أثنائه: بسم الله في أوله وآخره، وكذا التارك للتسمية عمدًا يشرع له التدارك في أثنائه. قال في الهدي، قال في الهدي: المراد به ابن القيم في زاد المعاد في هدي خير العباد، هذا دائمًا يطلقونه. قال في الهدي: يريدون به ابن القيم. قال: والصحيح، يقول ابن القيم: والصحيح وجوب التسمية عند الأكل، وهو أحد الوجهين لأصحاب أحمد، وأحاديث الأمر بها صحيحة صريحة لا معارض لها ولا إجماع يسوغ مخالفتها ويخرج عن ظاهرها. انتهى كلامه. وفي قوله في هذا الحديث: أوله وآخره، يعني من حيث الإعراب: باسم الله أوله، هذا منصوب على إيش؟ الظرفية، أي في أوله، وفي آخره منصوب على الظرفية، كما قال الشراح. ومنهم من قال: على نزع الخافض، أي كأنك قلت: باسم الله على أوله وعلى آخره، ولما نزع الخافض انتصب الاسم. والمعنى على جميع أجزائه كما يشهد له المعنى الذي قصد به التسمية. ويمكن أن يقال: المراد بأوله النصف الأول، وبآخره النصف الثاني، فيحصل الاستبقاء والاستيعاب، والله أعلم بالصواب. قاله ملاك القاري في شرح المرقاة. إذن الناسي للتسمية، سواء كان سهوًا نسيانًا، عمدًا، نحو ذلك، إذا ذكر بعد ذلك أو ذكر عليه، أن يقول في التسمية: بسم الله أوله وآخره. والحديث كما سمعتم صحيح، صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. وهل يجهر بالتسمية أم لا يجهر بها؟ عندما يسمي واحد في الطعام، هل يسر بالتسمية أم يجهر بالتسمية؟ يقول النووي رحمه الله تعالى: قال العلماء: ويستحب أن يجهر بالتسمية ليسمع غيره وينبهه عليها، وينبهه عليها، لأن كم إنسان ربما الجوع يجعله أحيانًا ينسى التسمية، لكن لو سمع غيره عند الطعام يذكره بها وينبهه عليها فيتنبه، فيتنبه لها، فلذلك لا بأس بأن يجهر بالتسمية عند الطعام. قال: ولو ترك التسمية في أول الطعام عامدًا أو ناسيا أو جاهلا أو مكرها أو عاجزا لعارض آخر، ثم تمكن في أثناء أكله منها، يستحب أن يسمي ويقول: بسم الله أوله وآخره، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى، فإن نسى فليقل: بسم الله أوله وآخره». الحديث. قال: أي النووي. والتسمية في شرب الماء واللبن والعسل والمرق والدواء وسائر المشروبات، يعني حتى الدواء، المريض إذا شرب الدواء يعتبر الدواء شرابًا، فيدخل في عموم الشرب، فإنه يقول: بسم الله. قال: وسائر المشروبات كالتسمية على الطعام. إذن التسمية على المشروبات كالتسمية على الطعام أيضًا، ماذا في وجوبها؟ في وجوبها أنه يقول: بسم الله عندما يشرب، أو بسم الله عندما يأكل. قال: في كل ما ذكرناه، وتحصل التسمية بقوله: بسم الله، فإن قال: بسم الله الرحمن الرحيم كان حسنًا. هذا ما زال كلام النووي، لأنه يرى أنه لا بأس أن تقول: بسم الله الرحمن الرحيم. وقلنا هذه اللفظة تعقبها الحافظ رحمه الله تعالى، وأن المذكور في التسمية هو ماذا؟ بسم الله فقط. قال: وسواء في استحباب التسمية الجنب والحائض وغيرهما، يعني حتى الجنب والحائض أيضًا عند الأكل وعند الشرب يسميان الله عز وجل. قال: وينبغي أن يسمي كل واحد من الآكلين، لو كنا مجموعة على صحن واحد، فإنه ينبغي على كل واحد أن يسمي الله تعالى، هذا هو المراد من الأحاديث. قال: فإن تم واحد منهم حصل أصل السنة، نص عليه الشافعي. وهذه المسألة تحتاج مزيد بحث، وهي مسألة ما إذا كنا مجموعة على طعام، والذي ذكر اسم الله واحد. كنا خمسة مثلًا على صحن واحد، فما ذكر اسم الله أربعة، ما ذكروا، لكن واحد ذكر، واحد قال: بسم الله، كلوا، فأكلوا. فأكلوا بتسمية الواحد، هذه واضحة، أكلوا جميعًا بتسمية الواحد. كانوا خمسة، فواحد منهم قال: بسم الله، كلوا، فأكلوا على هذه التسمية، والباقون ما سموا. يقول النووي رحمه الله تعالى: حصل أصل السنة، أصل السنة التسمية على إيش؟ على الطعام. هذا طعام وقد سمى واحد، فحصل أصل السنة. بقي الآن الأربع، هؤلاء الذين ما سموا، هل يأكلون بتسمية الواحد؟ يقول: أنه حصل أصل السنة، نص عليه الشافعي. فالنووي رحمه الله تعالى يذكر من كلام الشافعي أنه يجوز ذلك، وأنهم يأكلون جميعًا، وأنهم يأكلون جميعًا. لكن هذه المسألة تحتاج إن شاء الله إلى مزيد بحث، فمن وجد شيئًا من كلام العلماء، سواء كان متقدمين أو المتأخرين، في جواز الأكل بتسمية الواحد، والله تعالى أعلم. أما الآن عندنا نص الشافعي أنه حصل أصل السنة ويأكلون من ذلك. قال الترمذي رحمه الله تعالى: وحدثنا عبد الله بن الصباح الهاشمي البصري، وهو ثقة. قال: حدثنا عبد الأعلى، وهو ثقة، وهو عبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي. قال: حدثنا معمر، وهو أبو عروة نزيل اليمن، وهو ابن راشد، ثقة ثبت فاضل. عن هشام بن عروة بن الزبير، عن أبيه عروة بن الزبير، عن عمر بن أبي سلمة رضي الله تعالى عنه، أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده طعام، فقال: «أدنُ يا بني». وفي روايات في الصحيح أنه كانت غال يده كانت تطيش في الصحفة، لأنه كان غلامًا صغيرًا، يتطيش، معنى تأكل من هنا وتأكل من هنا وتأكل من هنا، تطيش من أي مكان تذهب يده. فالنبي عليه الصلاة والسلام علمه آداب الطعام والشراب في هذا المجلس، فقال: «يا بني أدنُ، فسمِ الله تعالى، وكل بيمينك، وكل مما يليك». هذا الحديث هنا بالإسناد صحيح، صححه الألباني رحم الله كما في الشمائل برقم 162، وهو أيضًا في البخاري ومسلم، بوب عليه الإمام البخاري: باب التسمية على الطعام والأكل باليمين، باب التسمية على الطعام والأكل باليمين. قال ملا علي القاري رحمه الله: ذهب جمهور العلماء إلى أن الأوامر الثلاثة في هذا الحديث للندب، وذهب بعضهم إلى أن الأمر بالأكل باليمين للوجوب، وهو الصحيح، لأن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله، كما أنه لا يسمي الله تعالى. إذن الأوامر في هذا الحديث الصحيح أنها للوجوب: «يا غلام سمِ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك». فهذه ثلاثة أوامر: التسمية، والأكل باليمين، والأكل مما يليك. وقد بوب أيضًا الترمذي على هذا الحديث في جامعه غير الشمائل، جامع الترمذي رحمه الله، قال: باب ما جاء في التسمية على الطعام، ما جاء في التسمية على الطعام. قال النووي رحمه الله في شرحه لهذا الحديث، شرح مسلم: وفيه استحباب الأكل مما يليه، لأن أكله من موضع يد صاحبه سوء عشرة وترك مروءة، فقد يتقدر صاحبه، لا سيما في الأمراق وشبهها. وهذا في الثريد والأمراق وشبهها. فإن كان تمرًا وأجناسًا فقد نقلوا إباحة اختلاف الأيدي في الطبق ونحوه. والذي ينبغي تعميم النهي، حملًا للنهي على عمومه، حتى يثبت دليل مخصص. يعني هذا الحديث وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر عمر بن أبي سلمة أن يسمي الله تعالى، وأن يأكل بيمينه، وأن يأكل مما يليه، الأصل فيه الوجوب، أنه واجب أن الشخص يقيد بهذا الأمر، حتى يقول عمر رضي الله تعالى عنه: فكانت طعمتي بعده، كما في البخاري، طعمتي بمعنى أني لزمت ذلك الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم ولم أخالفه، ما نسيه أبدًا حتى مات رضي الله تعالى عنه. يأكل مما يليه يعني أنه لا يأكل من أماكن الآخرين، يعني إذا كان الصنف واحدًا كالأرز مثلًا، أنت إذا قرب إليك طعام فيه أرز، فالأرز شيء واحد، فأنت إن أكلت من موضع أخيك تقدر، ربما تقدر أو تأذى، فلذلك أنت تجتنب هذا، تأكل مما يليك، أي من المكان الذي بجانبك، ولا تجعل يدك تطيش في الصحفة. فعمر رضي الله عنه كانت يده تطيش، فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم كيف الأكل يكون مع الناس ومع الأصحاب، بخلاف ما لو كنت وحدك. أما إذا كنت مع جماعة من الناس فإنك تلتزم الآداب، لا تمد يدك إلى المكان البعيد، مكان أخيك البعيد، فيتقدر أو يتأذى من ذلك، بل أنت تأكل وتمد يدك إلى الشيء الذي ليس عندك مثلًا، كان يكون في الأصناف مجموعة من الفاكهة متنوعة، وهذه ليست في ماذا؟ في يدك، فأنت تأكل مما لو بعد عنك أن تتناوله بيدك، أو تأمر غيرك ماذا؟ أن يقربه لك، فهذا لا بأس ولا حرج. ولهذا قال النووي: قال: فإن كان أجناسًا نقلوا إباحة اختلاف الأيدي، إن كان أجناسًا من الطعام يعني أشياء متفرقة، أما إن كان تمرًا أو إن كان عنبًا أو إن كان أرزًا، شيئًا واحدًا، فأنت لا تمد يدك، بل تتأدب بآداب الطعام، إلا في حالة واحدة. قال العلماء أيضًا: إذا كان الذي تأكل معه لا يتأذى ولا يتقدر، لا يتأذى ولا يتقدر، كأنس رضي الله تعالى عنه، لما كان عند النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يتتبع الدباء، يعني النبي عليه الصلاة والسلام كان يتتبع الدباء، وأنس كان يتتبع الدباء، لأنه عرف أن النبي كان يحبها. قال النبي: فعل هذا لأنه عليه الصلاة والسلام لا يتأذى منه أحد، كما لا يتقدر منه أحد، بل يحبون بركة ماذا؟ بركة يده عليه الصلاة والسلام، فكان عليه الصلاة والسلام يتتبع الدباء لأنه يحبها، وقد تكون بعيدة منه في الصحفة، أي في الصحن، لهذا ما تقدر منه أحد عليه الصلاة والسلام. فإن كان كذلك فلا بأس، إن كان كذلك لا بأس، وإلا الأولى أن يلتزم الآكل بآداب الطعام، بأن يأكل بهدوء وبسكينة، ويأكل ماذا؟ مما يليه، حتى لا يتقدر منه أحد. وفي حديث عمر بن أبي سلمة فوائد كثيرة ذكرها الحافظ رحمه الله تعالى في الفتح، ولعلنا إن شاء الله نأتي إليها في الدرس القادم. وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين.