الدرس في شرح الشمائل المحمدية 44، باب ما جاء في صفة فاكهة رسول الله صلى الله عليه وسلم . ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يستعرض المقطع حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في أكل النبي صلى الله عليه وسلم القثاء بالرطب، مبيناً خلاف العلماء في تفسير القثاء وهل هو الخيار أم البطيخ. يستنبط من ذلك جواز الجمع بين طعامين مختلفين للتعديل الصحي، مع التأكيد على إباحة التوسع في المأكل بشرط عدم الإسراف والمخيلة.
يبيّن المقطع جواز التوسع في المباحات من المأكل والمشرب دون إسراف أو تفاخر، مستعرضاً أقوال العلماء في كراهة اعتياد الإكثار خوفاً من التخمة والأمراض. يذكر الحكمة الطبية من مزج الرطب بالبطيخ أو القثاء لاعتدال المزاج وتسمين البدن، مستدلاً بفعل عائشة وأقوال ابن حجر وابن القيم والقرطبي.
يشرح المقطع حديث النبي صلى الله عليه وسلم في أكل البطيخ بالرطب لتعديل المزاج، ويسرد قصة صبر عروة بن الزبير عند مصيبته ببتر رجله ووفاة ابنه. يبين أن الابتلاء قد يكون لرفعة الدرجات أو تكفير السيئات، وأن اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم يحفظ الصحة البدنية والعقلية.
يشير المتحدث إلى قوة السلف وجهادهم مقارنة بضعف الحال الحاضر، معترفاً بأن التوفيق فضل من الله يمنحه من يشاء. يختم الدرس بالدعاء والتسبيح والاستغفار سائلاً الله الخاتمة الحسنة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأخذنا في الدرس السابق في الشمائل باب ما جاء في قدح رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وفي هذا الباب ذكر الترمذي رحمه الله حديثين لأنس بن مالك، وذكرنا المسائل المتعلقة بهذا الحديث. قال الترمذي رحمه الله تعالى في الشمائل: باب ما جاء في صفة فاكهة وفاكهة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني: ماذا كان عليه الصلاة والسلام يحب من الفاكهة، وماذا كان يأكل من الفاكهة، وعلى حسب ما تيسر في ذلك الزمان. وكان أكثر الفاكهة التي يأكلون كانت التمر أو الرطب قبل التمر، فكانوا يتفكهون بالرطب. قال رحمه الله: حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، وهو صدوق يخطئ، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، وهو ابن إبراهيم بن سعد الزهري بن عبد الرحمن بن عوف، جده عبد الرحمن بن عوف. إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، عن أبيه، وهو سعد بن إبراهيم، وهو ثقة فاضل عابد، قال: عن عبد الله بن جعفر، وهو صحابي صغير، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأكل القثاء بالرطب. القثاء ضبطت بكسر القاف: القثاء، وفي لغة أيضًا بالضم: القثاء، كما حكاها النووي رحمه الله تعالى. وهذا الحديث في الصحيحين من طريق إبراهيم بن سعد عن أبيه عن عبد الله بن جعفر في البخاري ومسلم، ومدار الحديث على إبراهيم بن سعد. وقد بوب البخاري رحمه الله تعالى على هذا الحديث: باب جمع اللونين أو الطعامين بمرة، يعني: هل يجوز أو هل يصح أنك تجمع بين لونين من الطعام؟ تجمع بين لونين من الطعام. البخاري رحمه الله تعالى استنبط من حديث عبد الله بن جعفر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل القثاء بالرطب، استنبط من هذا الحديث جمعه اللونين من الطعام، تجمع بين أمرين، وهذين أو هذان الطعامان يكونان مختلفين إما في الحلاوة، يعني أحدهما حلو والآخر حامض، أو أحدهما حار والآخر بارد، لكي يعدل هذا ذاك، يعني أحدهما يعدل الآخر ويمتزجان ويختلطان. وهذا قاعدة عظيمة في الطب كما سنذكر من كلام أهل العلم، أنها قاعدة عظيمة في الطب وفي صحة البدن. النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هديه أكمل هدي، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى، سواء جئت في الأطعمة وفي صحة الأبدان، فهو طبيب صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذا الأمر. في هذا الأمر، قال النووي رحمه الله تعالى: أولاً، قبل أن نذكر كلام النووي، ما معنى القثاء؟ لأن هذه لفظة غريبة، لفظة غريبة. الرطب معروف، الرطب ينزل من النخلة في وقت حصادها ونضوجها ويأكله الناس، فإذا أرادوا أن يدخروه فإنهم يدخروه على كيفية معينة ويصبح بعد ذلك تمرًا، يصبح تمرًا. الرطب معروف، فما هو القثاء الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخلطه مع الرطب؟ فيه قولان للعلماء. قال في المصباح: القثاء بكسر القاف وتشديد الثاء المثلثة، ويجوز ضم القاف. قال: القثاء وهو اسم جنس لما يقوله الناس الخيار. هكذا يقول صاحب المصباح: أن الناس يقولون عن القثاء هو الخيار. الخيار، هذه الفاكهة المعروفة التي تشبه الموز في الطول وتكون خضراء، وتكون خضراء. الخيار معروف. فبعضهم فسر القثاء بالخيار. قال: وبعض الناس يطلق القثاء على نوع يشبه الخيار، يشبه خيار نوع آخر، وهو مطابق لقول الفقهاء: لو حلف لا يأكل الفاكهة حنث بالقثاء والخيار، وهو يقتضي أن يكون نوعًا غيره، أن يكون نوعًا غيره. فتفسير القثاء بالخيار تسامح. معنى كلامه رحمه الله تعالى: أن بعضهم يقول هي الخيار، وبعضهم يقول هي نوع يشبه الخيار وليست هي الخيار. بدليل أن الفقهاء يقولون: إذا حنث أن لا يأكل، إذا حلف أن لا يأكل الفاكهة حنث بالقثاء والخيار، فجعلوا الخيار بعد القثاء، هنا فأتوا بواو العطف: حنث بالقثاء والخيار. فلو كان القثاء هو الخيار ما سيقول القائل: حنث بالقثاء والخيار، وإنما سيقول: حنث بالقثاء إذا كان القثاء هو الخيار. فلماذا أتى بلفظة الخيار بعد القثاء؟ ليدل على أن القثاء غير الخيار. وهذا هو الصحيح: أن القثاء غير الخيار، لأنه جاءت ألفاظ صحيحة تبين ما معنى القثاء. وهذه القثاء كما سيذكر من كلام أهل العلم، وأن القثاء الأقرب أن تكون هي البطيخ، هي البطيخ. البطيخ معروف، ولا ما هو معروف؟ الأصفر هذا معروف. أو تكون خضرة ثم إذا نضجت تصير صفرة. حد ما يعرف البطيخة؟ البطيخ لا، ما هو الشمام؟ الشمام ثاني يجي حلو. وهذا إذا نضجت تكون حاليًا، وربما حطوا له بعض السكر. فهذه البطيخة التي تنضج غالبًا في الصيف في الجو الحار، وتكون في الأرض مثل الحبحب الذي هو بعضهم يقول له بطيخ الحبحب، بعضهم يسميه بطيخ، خاصة المدور منه يسميه بطيخ. لكن ليس هذا هو المراد، وإنما المراد بذلك الأصفر الذي يأتي هكذا شبه مدور فيه استطالة، ويكون أخضر أولا ثم يكون أصفر بعد ذلك إذا نضج. سأتي في الحديث الذي بعد هذا. هذا الحديث في البخاري ومسلم: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأكل القثاء بالرطب. والحديث الذي بعده: كان يأكل البطيخ بالرطب. فهذا يفسر أنه عليه الصلاة والسلام كان يأكل البطيخ بالرطب. قال النووي رحمه الله تعالى في فائدة هذا الحديث: يقول: وفي الحديث جواز أكل الشيئين من الفاكهة وغيرها معًا، وجواز أكل طعامين معًا، يعني: تنوع من الفاكهة، تشتري لك نوعين من الفاكهة وتأكل هذا بهذا. ويأخذ منه جواز التوسع في المطاعم، جواز التوسع في المطاعم، لأن هذا ما ينافي أن يكون الرجل ورعًا تقيًا زاهدًا، ما ينافي هذا إذا أعطاه الله سبحانه وتعالى من فضله، فيجوز له لكن من غير إسراف ولا مخيلة. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كلوا واشربوا من غير إسراف ولا مخيلة»، والله عز وجل يقول: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾. فالمنهي عنه والمحرم هو الإسراف في المطاعم والمآكل والمشارب والملابس ونحو ذلك، أو الاختيال والتفاخر: اشتري هذا لا لأجل الأكل والتلذذ بنعمة الله سبحانه، بل يشتريه لأجل أن يتفاخر أمام الناس أن عنده كذا وكذا. قال: ويأخذ منه جواز التوسع في المطاعم، ولا خلاف بين العلماء في جواز ذلك. وما نقل عن السلف من خلاف هذا، لأنه أحيانًا تجد بعض عبارات السلف على خلاف هذا الأمر. قال: فمحمول على الكراهة منعًا لاعتياد التوسع. السلف الذين نهوا عن كثرة الأكل وكذا وكذا من هذه الأشياء، إنما كره ذلك أن الإنسان يتوسع ويصير ديدنًا ودائمًا المطاعم والمشارب، يعني: دائمًا أكلات، يعبي بطنه. لا، هذا السلف نهى وكرهه السلف عن ذلك. لكن لا بأس أن تشتري لك مرة أو عدة مرات تتنعم بفضل الله سبحانه وتعالى، تشتري لك فاكهة من السوق إذا أعطاك الله سبحانه وتعالى شيئًا من المال، فلك أن تتوسع في ذلك، كالأعياد مثلًا: التوسع في الأعياد بأن يشتري له من اللحوم أو من الفاكهة أو نحو ذلك، ويتوسع في العيد لأنها أيام كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أكل وشرب». قال: والترفه، فمحمول على الكراهة منعًا لاعتياد التوسع والترفه والإكثار لغير مصلحة دينية، وربما وقع صاحب هذا الشيء في التخمة، في التخمة والأمراض التي تأتي من هذا القبيل. وقال القرطبي رحمه الله: يأخذ منه جواز مراعاة صفات الأطعمة وطبائعها، يعني: من هذا الحديث نستفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم راعى صفات الأطعمة، الرطب حار، والقثاء بخلافه بارد. وقد جاءت لفظة صححها العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نكسر حر هذا ببرد هذا، نكسر حر هذا ببرد هذا». وهذا قاعدة عظيمة في الطب كما قال العلماء. قال: فيه جواز مراعاة صفات الأطعمة وطبائعها واستعمالها على الوجه اللائق بها على قاعدة الطب، لأن في الرطب حرارة، وفي القثاء برودة، فإذا أكلا معا اعتدلا، وهذا أصل كبير في المركبات من الأدوية. انتهى كلام القرطبي. قال: ومن فوائد أكل هذا المركب المعتدل: تعديل المزاج وتسمين البدن. هذا كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى. ماذا نستفيد من خلط الرطب بالبطيخ؟ يعني: تأكل بطيخ مع رطب، إيش تستفيد؟ سواء أكلهما معا أو خلطهما معا، يعني: إما تفيد هذه الباء المصاحبة أو الإلصاق. إما تفيد الباء كما قال العلماء. ذكر الحافظ هذا: أكل، يأكل القثاء بالرطب، باء ماذا تفيد؟ الباء كما قال تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، ماذا تفيد الباء في الآية ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾؟ تفيد الإلصاق، يعني: تكون الأيدي ملصقة بالشعر: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾. قال العلماء: تفيد الإلصاق. فهنا قال: يأكل القثاء بالرطب، ما معنى هذا؟ أنه صلى الله عليه وسلم إما أن يأكله مصاحبا له، يأكل هذا ثم يأكل هذا، أو مع بعض يخلطهم ثم يأكلهما جميعًا في هذا الأمر. يعني: هذا الآن صار مثل المركب، مثل الدواء. هل في فائدة؟ نعم، ذكر الحافظ رحمه الله تعالى أن فائدة أكل هذا المركب المعتدل لأنه الآن حرارة مع برودة صار اعتدال. فلو أكل الرطب وحده لصار حارًا، أو أكل البطيخ وحده لصار باردًا، لكن أكل هذا مع هذا صار معتدلًا. قال: فيه تعديل المزاج، تعديل مزاج الشخص، وهكذا تسمين البدن، تسمين البدن، وخاصة للنساء. من عنده امرأة حيفة فعليه يشتري لها بطيخ ويشتري لها رطب ويقول لها: كلي حتى تسمني. قال: كما أخرجه ابن ماجه من حديث عائشة أنها قالت: أرادت أمي أن تهيئني للسمن لأنها كانت نحيفة قبل الزواج. فهكذا عادت النساء أنهم إذا رأوا البنت ضعيفة نحيفة قبل زواجها يأتون لها بالأطعمة الطيبة: كلي كلي حتى تسمني، ويراك الرجل أنك سمينة. قالت: أرادت أمي أن تهيئني للرسول صلى الله عليه وسلم، قالت: لتدخلني على النبي عليه الصلاة والسلام، فما استقام لها ذلك، يعني: تأتيها بأنواع من الأطعمة تريدها تسمن وتكون قوية البنية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا فيه مشروعية، يعني: كان السلف يعملون هذا. هذه أم رومان رضي الله عنها وهي أم عائشة، أم عائشة قبل دخول النبي عليه الصلاة والسلام، عائشة كانت ابنة تسع سنين، وربما كان فيها شيء من الضعف، فأرادت أمها أن تسمنها للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قالت: فما استقام لها ذلك، فماذا فعلت؟ قالت: حتى أكلت الرطب بالقثاء فسمنت، فسمنت كأحسن السمن، فسمنت كأحسن السمن. وهذا ذكاره صاحب تحفة الأحوذي. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: وإذا كان في أحد الطعامين كيفية تحتاج إلى كسر وتعديل، يعني: أنت ربما تشتري طعامًا لكن هذا الطعام يكون في حرارة، فأنت تشتري طعامًا آخر يقاومه فيه برودة ليعتدل. وهكذا في الحلو والحامض، ربما أحيانًا تخلط هذا بهذا فيصير ممزوجًا ومعتدلًا. فيقول ابن القيم: وإذا كان في أحد الطعامين كيفية تحتاج إلى كسر وتعديل، كسرها وعدلها بضدها إن أمكن، كتعديل حرارة الرطب بالبطيخ، وإن لم يجد ذلك تناوله على حاجة وداعية من النفس من غير إسراف، فلا تتضرر به الطبيعة. متى أنت تأكل الشيء إذا لم تجد ضده؟ تأكله وأنت مشتاق له وأنت محتاج له من غير أن لا تكثر فيه، ما تكثر في هذا الشيء لأنه قد يضرك. لكن إن أكلت أكلا معتدلا منه وإن كان نوعا معينا، أكلت الرطب لحاله حار مثلًا ما وجدت البطيخ الذي يكسر حرارته، تأكل الرطب بس ما تتأكله، تأكله. يقول: عندما تكون مشتهية نفسك له، عند اشتياقك له واشتهاء النفس له، وأيضا إذا أكلت لا تكثر منه، وإنما كل بحاجة أو بقدر يسير حتى تذهب شره هذه النفس. انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى من الزاد. ويقول الحافظ رحمه الله تعالى في أمر أيضًا القثاء: وقد تكبر القثاء فتصفر من شدة الحر، يعني: إذا كان الحر شديدًا. قال: والخربز، والخربز أيضًا نوع من الفاكهة، وبعضهم يطلق البطيخ إذا كبرت وصارت كبيرة صفراء يقول لها: خربز. يعني: هذه لهجة أهل الحجاز. قال: ما شاهدته كذلك بالحجاز. وفي هذا تعقب على من زعم أن المراد بالبطيخ في الحديث الأخضر، يعني: ليس المراد في هذا الحديث البطيخ هو الأخضر، وإنما هو الأصفر الذي يكون ناضجًا. واعتل بأن في الأصفر حرارة كما في الرطب، وقد ورد التعليل بأن أحدهما يطفئ حرارة الآخر. والجواب عن ذلك: بأن في الأصفر بالنسبة للرطب برودة، وإن كان فيه لحلاوته طرف حرارة، والله أعلم. وقيل: أراد قبل أن ينضج البطيخ ويصير حلوًا، فإنه بعد نضجه حار وقبله بارد. يعني: بعض العلماء اختلف في علة الحديث من حيث أن بعض البطيخ يأتي حلوًا، وإذا صار حلوًا ناضجًا صارت فيه حرارة. والحافظ رحمه الله تعالى يقول: ربما قد يقال أن المراد بأكل البطيخ قبل أن ينضج تمامًا حتى يصير فيه البرودة. والشاهد من هذا أنه إذا أكل البطيخ مع الرطب اعتدل، كما كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يأكل البطيخ بالرطب. قال رحمه الله وهو الترمذي: حدثنا عبد بن عبد الله الخزاعي البصري، وهو ثقة، قال: حدثنا معاوية بن هشام، وهو صدوق، قال: حدثنا سفيان، وسفيان في هذه الطبقة هو الثوري، أمير المؤمنين في الحديث، جبل من جبال الحفظ. سفيان أحفظ من شعبة، قال: عن هشام بن عروة، عن أبيه، وهو عروة بن الزبير، وقد لقب عروة هذا بالصابر المحتسب، لأنه مات له ابن فصبر واحتسب، ثم قطعت رجله فصبر واحتسب الأجر عند الله، حتى قيل له: إن ابنك مات، قال: الحمد لله الذي أعطى وهو سبحانه وتعالى أعطاني غيره، أخذ وأعطى، لله ما أخذ ولله ما أعطى. ثم بعد فترة يسيرة قطعت رجله، رحمه الله تعالى، قال: أبقى لي واحدة، يعني: الحمد لله الذي أخذ واحدة وأبقى لي الأخرى. فلقب بالصابر المحتسب. بعض الناس ظن أنه ما أصابه من هذا البلاء إلا أنه كان عنده ذنوب كثيرة، مع أنه معروف رحمه الله تعالى بالزهد والورع، وعروة بن الزبير رحمه الله تعالى. فلما سمع بعض الناس يقول ذلك قال: لعمرك ما مشيت يومًا لريبة، ولا جررت نحو فاحشة رجلي، ولا جرني سمعي ولا بصري لها، ولا دلني رأي عليها، ولا عقلي، بعيد من هذا كله. ولكني، ولكني أعلم أنه لم تصبني مصيبة يومًا من الأيام إلا وقد أصابت من هم مثلي من أهلي الفضل والصلاح. وهكذا الصابرون المحتسبون، فقد يكون البلاء لرفعة الدرجات، قد يكون كذلك لتكفير السيئات. البلاء والمصائب من الله جل وعلا قد تكون لتكفير السيئات، وقد تكون أيضًا لرفعة الدرجات. أشد الناس بلاء من هم الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يعني: الصالحون بعد الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل. يبتل الرجل على حسب دينه، كما قال صلى الله عليه وسلم: «فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء، وإن كان في دينه رقة خفف عنه من البلاء، يبتلى على قدر دينه». فإذا كان الأنبياء أشد الناس يؤذون في أعراضهم ويسبون، وكذلك بل منهم من قتل، ومنهم من ضرب. النبي صلى الله عليه وسلم شج في رأسه، وهشمت البيضة في يوم أحد على رأسه، وكسرت رباعيته. وهكذا في مكة طرحوا في ظهره سلا الجزور. أليست هذه مصائب وبلايا؟ هذه مصائب وبلايا عظيمة، وهم صابرون محتسبون في ذات الله جل وعلا. هل لأن عندهم ذنوب؟ ما هو الجواب؟ لا، ولكن هذا لرفعة درجاتهم عند الله سبحانه وتعالى. يبتلي الله عز وجل عباده بما شاء من البلايا والمصائب، فمنهم من يريد رفعة درجته في الجنة، رفعة درجته في الجنة، ومنهم من يبتليه الله عز وجل على قدر دينه وذنوبه، يريد تمحيصًا له، تمحيصًا وابتلاءً لأجل أن مثلا عنده ذنوب ومعاصي، ويريد الله سبحانه تعالى أن يكفرها عنه، وأن يوافيه سليمًا معافى من هذه الذنوب والخطايا. قال: عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يأكل البطيخ بالرطب. والحديث صححه الألباني رحمه الله برقم مئة وسبعين. يقول الإمام الخطابي رحمه الله تعالى: فيه إثبات الطب والعلاج، ومقابلة الشيء الضار بالشيء المضاد له في طبعه على مذهب الطب والعلاج. سبحان الله، من أوتي جوامع الكلم صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأوتي الحكم عليه الصلاة والسلام، وأفصح من نطق بالضاد كما قال أهل العلم. فانظروا لو بحث الباحثون في هذا الزمان فيما يفعله صلى الله عليه وسلم من الأمور التي هي عبارة عن اعتيادية، عبارة عن مباحات، فماذا سيجدون من الخير الكثير في هدي النبي صلى الله عليه وسلم؟ بل استفاد الكفار أهل الغرب، استفادوا من ما عند المسلمين في دين الإسلام، ما عندهم من هدي النبي عليه الصلاة والسلام، فطبقوه عندهم في بعض الأشياء فيما هم يريدونه من مصالحهم الدنيوية، والمسلمون في غفلة وبعد عن ذلك، عن تعاليم وهدي الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. الشراح العلماء يقولون: انظروا هذه قاعدة عظيمة في الطب، قاعدة عظيمة. هل كان النبي صلى الله عليه وسلم طبيبا من هؤلاء، يعني: أنه يشتغل بالطب؟ بل كان نبيا رسولا صلى الله عليه وسلم يوحى إليه من ربه، وعلمه الله عز وجل الأمور، وعلمه الأشياء، فكان عليه الصلاة والسلام يفعل هذا حفاظا على ليس فقط الأديان، بل حفاظا على صحة الناس وحفاظا على عقول الناس. فهو الذي عليه الصلاة والسلام يأمر وينهى، وما يأمر وما ينهى، وما يفعل شيء صلى الله عليه وسلم إلا فيه مصلحة للناس، علمها من علمها وجهلها من جهلها. فكل من كان أقرب لهدي الرسول عليه الصلاة والسلام كان ماذا؟ كان أصح بدنا وعقلا. وهكذا كما كان الصحابة رضي الله تعالى عليهم، كانوا لما كانوا يتابعون النبي عليه الصلاة والسلام في هديه، سلمت عقولهم، سلمت أفكارهم، سلمت أبدانهم. انظروا الآن، عباد الله، الأمراض المنتشرة في هذا الزمان، أمراض كثيرة ما عرفها السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم، لأنهم يمشون على قواعد وهدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حفظ الأبدان وحفظ العقول، لكي يعبد الله سبحانه وتعالى بكامل صحتهم وبكامل قواهم. أما اليوم فترى الشاب ربما عشرون سنة أو ثلاثون سنة إلا وهو منهار الجسم، كسلان، لا يستطيع أن يعمل أعمالًا، أعمال التي كان يعملها أولئك، ولو كانوا في الستين أو السبعين أو الثمانين. فكيف كانوا يحافظون على صحتهم مع ما فيهم من الصوم، مع ما فيهم من التقشف والزهد في الدنيا؟ أبدانهم قوية، يجاهدون في سبيل الله، يفتحون الأمصار وغير ذلك، ونحن اليوم ما نهش ولا ننش. لو جئنا إلى أنفسنا، والله المستعان. ينبغي أن نعترف بأن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وإن شاء الله للحديث بقي إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.