شرح قرة عيون الموحدين 4

الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 4، ألقاها

توحيد العبادة ودالته في القرآن والسنة

يتناول هذا الفصل أهمية توحيد العبادة ودالته في القرآن والسنة، حيث يشير إلى أن القرآن كله يدعو إلى توحيد الله وحده لا شريك له. كما يبين أن سورة الفاتحة دالة على هذا التوحيد وأن الإسلام هو الأصل الذي تصح به بقية الأعمال.

شرح معنى الشهادتين وأهميتهما في الإسلام

هذا الفصل يشرح معنى الشهادتين ودلالتهما على الإسلام، حيث يفسر معنى "لا إله إلا الله" و"محمد رسول الله" ويبين أن الإسلام يقتضي نفي الشرك والبراءة منه وإخلاص العبادة لله وحده. كما يستدل بالآيات القرآنية لتوضيح معنى كلمة الإخلاص.

أهمية توحيد العبادة وخطورة الشرك بالله

يتناول هذا الفصل أهمية توحيد العبادة وخطورة الشرك بالله، مستدلاً بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية. يبين أن العبادة لا تصح إلا بتوحيد الله وحده لا شريك له، ويحذر من الوقوع في الشرك الذي هو أعظم المحرمات.

غربة الإسلام وفرقة الحق في آخر الزمان

يشرح هذا الفصل غربة الإسلام وكيف أصبح المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، ويشير إلى أن هناك طائفة من الناس في كل زمان تدعو إلى الحق وتتمسك بكتاب الله وسنة رسوله. كما يستشهد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفراءه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم أما بعد: توقفنا في الدرس الماضي عند قول الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن رحمه الله: «ولهذه الحكمة أهلك الله من لم يعبده وحده ومن لم يقبل ما جاءت به رسله، وشرع قتالهم لنبيه صلى الله عليه وسلم وأتباعه، فمنهم من أطاع وهم الأقلون، ومنهم من عصى وهم الأكثرون، وهذا التوحيد هو دين الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد دينًا سواه، كما قال الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم -وفي نسختنا ثلاث مرات- وهو الصواب؛ لأنه يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فهو كريم ابن كريم ابن كريم ابن كريم عليهم السلام: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:40]، وهذا هو الدين الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه، وأمر الرسل أن يقيموه، كما قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:13]، وقال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ [الرعد:36]، فأمره أن يعبده وحده وأن يدعو الأمة إلى ذلك، وتقدم الكلام على هذا. قال رحمه الله: «والقرآن كله في هذا التوحيد» أي في توحيد العبادة، في توحيد الإلهية، بأن يعبد الله وحده لا شريك له، قال: «والقرآن كله في هذا التوحيد وبيانه وجزاؤه والرد على من جحده»، كما قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة:15-16]، وفي حديث معاذ الذي رواه أبو داود والترمذي وقال: «حديث حسن صحيح»، قال: «قلت: يا رسول الله، دلني على عمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار»، فقال: «سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وذكر الحج»، ثم قال: «ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟»، قلت: «بلى يا رسول الله»، قال: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله». والحديث كما ذكر رحمه الله تعالى يعي رواه، قال: «ها هنا أبو داود والترمذي»، والحديث إنما رواه الإمام الترمذي دون أبي داود وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في «صحيح الترغيب والترهيب» وكذلك في «صحيح الترمذي». وأشهد من الآية، وكذلك الحديث المذكور هو أن القرآن كله في هذا التوحيد، أي في توحيد إلهية، إما بدلالة المطابقة كما في الآيات السابقة فيما ذكره الشارح رحمه الله تعالى، وذكره الإمام محمد بن عبد الوهاب، كقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:56]، وكقول الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النحل:36]، وكقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:13]، وقول الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ [الرعد:36]، إلى غير ذلك من الآيات، فدلالة القرآن على توحيد العبادة إما أن يكون بدلالة المطابقة، وهي دلالة اللفظ على معناه تمامًا، وإما أن يكون بدلالة اللزوم، بأن يذكر شيء هو من لوازم العبادة، وإما أن يكون بدلالة التضمن، بأن يذكر بعض أفراد العبادة، وكذلك ما يترتب على هذا التوحيد من جزاء لمن قام به، وكذلك وعيد وعقاب لمن خالف هذا التوحيد، فإذن القرآن من أوله إلى آخره داعٍ إلى هذا التوحيد، إلى توحيد الله جل وعلا وحده لا شريك له. ومن تأمل وتفكر وتدبر في أول سورة افتتحها أو افتتح بها ربنا جل وعلا القرآن، أي باعتبار الكتاب الذي بين أيدينا، يجدها دالة على هذا التوحيد بالدلالات المذكورة، فسورة الفاتحة التي هي أم القرآن وهي أعظم سورة في كتاب الله جل وعلا، نجدها من أولها إلى آخرها دالة على هذا التوحيد، إما بدلالة المطابقة وإما بدلالة التضمن وإما بدلالة اللزوم. والإمام ابن القيم رحمه الله تعالى له كلام عظيم ماتع في كتابه «مدارج السالكين»، بيّن هذا المعنى في أوائل كتابه «مدارج السالكين»، بيّن علاقة توحيد الألوهية بغيره من أنواع التوحيد، وبيّن رحمه الله تعالى أن القرآن من أوله إلى آخره داع ودال على هذا التوحيد، على توحيد العبادة وعلى لوازمه ومقتضياته وثمراته إلى غير ذلك مما بيّنه الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في ذلك الكتاب الذي أصله «إياك نعبد وإياك نستعين». قال رحمه الله تعالى: «وفي حديث معاذ» كذلك في حديث معاذ ما يدل على هذا المعنى، فمعاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه سأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن أمر يدخله الجنة ويباعده عن النار، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «سألت عن عظيم»، أي عن أمر جليل، وهو هذا السؤال الذي سأل به معاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «وإنه ليسير على من يسره الله عليه»، ثم قال: «تعبد الله ولا تشرك به شيئًا»، هذا دلالته على التوحيد دلالة مطابقة، وقوله: «وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان» إلى آخر ما ذكر، هذا من مقتضيات التوحيد ومن أفراد العبادة التي يجب أن تكون خالصة لله رب العالمين وحده لا شريك له. قال رحمه الله تعالى: «فدل على أن الإسلام هو التوحيد، والفرائض من حقوقه» أي من حقوق التوحيد، قال: «وقد أجمع الفقهاء على أن الإسلام شرط لصحة الصلاة وغيرها من الأعمال» أي وغيرها من العبادات، فنرى في كتب الفقه إذا ذكر شروط الصلاة يقول: «الشرط الأول الإسلام»، «الطهارة» الشرط الأول الإسلام، «الصيام» الشرط الأول الإسلام، «الحج» الشرط الأول الإسلام، وغير ذلك من أنواع عبادات، أول شرط يذكره العلماء رحمهم الله تعالى الإسلام، فالإسلام هو الأصل الأصيل الذي تصح به بقية الأعمال، ولولاه ما صحت تلك الأعمال، فدل على أن التوحيد هو الإسلام كما ذكر رحمه الله تعالى، وأن الفرائض من حقوقه، أي من حقوق الإسلام. قال رحمه الله تعالى: «وهو مقتضى الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدًا رسول الله»، أي أن الإسلام هو مقتضى الشهادتين، مقتضى لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؛ لأن لا إله إلا الله أي لا معبود حق إلا الله، لا معبود أن يعبد بأنواع العبادات التي شرعها الله جل وعلا على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ومن العبادات كذلك العبادات القلبية، ومنها الإيمان بالله جل وعلا التي أخبر بها ربنا جل وعلا في كتابه، وأخبر بها نبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في السنة، وهذا معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. فكما ذكر رحمه الله: «قال وهو مقتضى الشهادتين»، أي الإسلام مقتضى الشهادتين، قال: «فمعنى شهادة أن لا إله إلا الله: نفي الشرك والبراءة منه وممن فعله، وإخلاص العبادة لله وحده، والإيمان بالرسول وطاعته»، أي معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، هذا تفسير الشارح رحمه الله تعالى لمعنى هذه الكلمة العظيمة الجليلة «لا إله إلا الله»، فكما ذكر أن لا إله معناها نفي الشرك، نفي الشرك في عبادة غير الله جل وعلا، أي لا يجوز أن يشرك بالله جل وعلا في عبادته شيئًا ولو كان من كان، ولو كان ملكًا مقربًا أو نبيًا مرسلًا أو ما كان من كان من الناس أو من غيرهم. قال: «والبراءة منه» أي البراءة من الشرك، يتبرأ براءة تامة وكاملة من الشرك، وهل من الشرك فقط؟ لا، بل ومن أهله، يتبرأ من الشرك ويتبرأ كذلك من أهله؛ لأن البراءة من الشرك لا تتأتى إلا بالبراءة كذلك من أهله، والبراءة من أهله كذلك لا تتأتى إلا بالبراءة من الشرك، فهما متلازمان كما سيأتي بيانه بإذن الله جل وعلا في الأبواب القادمة. قال رحمه الله: «قال وإخلاص العبادة لله وحده»، وهذا معنى «إلا الله»، أي لا إله لا معبود حق يستحق العبادة إلا الله وحده لا شريك له، ومنها هنا نعلم أن لفظ «إله» لفظ «إله» يطلق على كل معبود، لفظ «إله» أو «الإله» يطلق على كل معبود، أي كل ما عبد فهو إله، سواء كان عبد بحق أو عبد بباطل، بخلاف لفظ الجلالة «الله»، اسم الجلالة «الله»، اسم الله جل وعلا «الله»، فإنه لا يطلق إلا على الإله الحق جل جلاله سبحانه وتعالى، فـ«لا إله إلا الله»، أي فلا معبود يستحق العبادة وحده لا شريك له إلا الله وحده سبحانه وتعالى. قال: «وهو معنى الآية الثالثة»، وهي قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:23]، قال: «أي أمر وأوصى»، فقضى تأتي بمعنى أمر، وكذلك بمعنى أوصى، فقوله: «أَلَّا تَعْبُدُوا» أي أمر ربنا جل وعلا، بل وأوصى ربنا جل وعلا، بل وقضى كما هو ظاهر ونص الآية: «قضى أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا إِيَّاهُ» جل وعلا، قال: «أَلَّا تَعْبُدُوا فِيهِ مَعْنَى لَا إِلَهَ»، وقوله: «إِلَّا إِيَّاهُ فِيهِ مَعْنَى إِلَّا اللَّهَ»، إذا دلت هذه الآية على معنى «لا إله إلا الله» بدلالة مطابقة؛ إذ أن اللفظ ومعناه دال على معنى «لا إله إلا الله» تمامًا، فلا يخرج شيء عن هذا المعنى. فكما ذكر الشارح: «فمعنى أَلَّا تَعْبُدُوا» معنى «لا إله إلا الله»، معناها كما قال الله جل وعلا: «إِلَّا إِيَّاهُ» إلا الله، إلا الله، فهذه الآية توضح وتبين وتفسر معنى «لا إله إلا الله»؛ لأن كثيرًا من الناس -كما سيأتي في كلام الشارح- غفل عن هذه الحقيقة وعن هذا المعنى العظيم مع ظهوره ودلالات الكتاب والسنة عليه بأنواع الدلالات، ومع هذا جهل هذا المعنى أناس كثير، لا يعلمون معنى «لا إله إلا الله»، الحاذق منهم إذا قيل له: «لا إله إلا الله» ما معناها؟ قال: أي لا خالق إلا الله، أو لا رب إلا الله، أو لا صانع إلا الله، أو لا مخترع إلا الله، وما شابه ذلك من العبارات والألفاظ، وجهل هذا المسكين المعنى الحقيقي لمعنى «لا إله إلا الله» الذي أرسل الله جل وعلا به الرسل وأنزل به الكتب. ولو أمعن النظر ودقق الفكرة لعلم أن معنى هذه الآية موجود في كتاب الله جل وعلا بأنواع الدلالات، ومنها هذه الآية التي بين أيدينا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾، انظر إلى قوله: «وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ» وطبقها على قوله جل وعلا: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» تجد المعنى هو المعنى، لا يخرج عنه شيء. قال رحمه الله: «وهذا معنى كلمة الإخلاص»، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران:64]، ما هي هذه الكلمة؟ ما معنى هذه الكلمة؟ ما بيان هذه الكلمة؟ قال ربنا جل وعلا -كما قال الشارح-: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران:64]، طبق أيضًا هذه الآية على «لا إله إلا الله» تجد المعنى فيها واضحًا جليًا على معنى «لا إله إلا الله». قال رحمه الله تعالى: «فقوله أَلَّا نَعْبُدَ فِيهِ مَعْنَى لَا إِلَهَ»، وقوله: «إِلَّا اللَّهَ» قال: «هو المستثنى في كلمة الإخلاص»، أي «إلا الله» هو المستثنى في كلمة الإخلاص، أي «إلا الله»، قال: «فسبحان الله كيف خفي هذا مع بيانه ووضوحه على الأذكياء من متأخري هذه الأمة»، هذا أسلوب فيه تعجب من الشارح رحمه الله تعالى؛ إذ كيف تخفى هذه الكلمة وهي أعظم كلمة بعث بها الرسل من أولهم إلى آخرهم، وأنزلت بها الكتب على رسل الله جل وعلا من أولهم إلى آخرهم، كيف يجهلها جاهل؟ وهو من أهل الإسلام، بل قد يكون -كما ذكر رحمه الله تعالى- من الأذكياء، بل قد يكون من العلماء في أمور كثيرة، لكنه يجهل حقيقة معنى «لا إله إلا الله»، يجهل كلمة «لا إله إلا الله». والشيء بالشيء يذكر: الإمام عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى له رسالة رد فيها على أبيات البوصيري في «البردة»، وذكر أمرًا، قال رحمه الله تعالى: «ولا تغتر بأن يكون من شراحها خالد الأزهري صاحب كتاب «التصريح»؛ فإنه كان رجلًا جاهلًا بالتوحيد الذي بعث به الرسل»، أو كما قال رحمه الله تعالى، وهذا من هؤلاء الأذكياء. تعرفون خالد الأزهري يعد من العلماء المتأخرين المشهورين في علم النحو، له كتاب «التصريح»، له حاشية على كتاب «التصريح»، وله كذلك شرح من أفضل الشروح على «القواعد» يعني على «قواعد الإعراب»، سماهم «موصل الإعراب»، إلى غير ذلك من مؤلفات في النحو، إلا أنه في «لا إله إلا الله» يجهلها، وكذلك كثيرًا من هؤلاء، كثير من هؤلاء يجهلون هذا المعنى، يجهلون معنى هذه الكلمة مع ظهورها وبيانها ودلالات الكتاب والسنة عليها. قال: «وقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء:36]»، قال: «وهذه الآية تبين العبادة التي خلقوا لها أيضًا؛ فإنه تعالى قرن الأمر بالعبادة التي فرضها بالنهي عن الشرك الذي حرمه»، وهو الشرك في العبادة، فدلت هذه الآية على أن اجتناب الشرك شرط في صحة العبادة، فلا تصح بدونه أصلًا، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:88]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:65]، ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:66]. قال: «فتقديم المعمول يفيد الحصر»، أي تقديم المعمول في قوله: «بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ»؛ لأن الأصل أن يؤخر المعمول الذي هو المفعول به على فعله، لكن تقديمه على عامله له فائدة، له فائدة من حيث المعنى، ينبه عليها البلاغيون وعلماء المعاني، منها الحصر، منها الحصر، فمعنى الآية -كما ذكر الشارح- أي: «بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ» وحده لا غيره، «بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ» وحده لا غيره، قال: كما في «فاتحة الكتاب»: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:5]، أي لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك، فتقديم المعمول على عامله يفيد الحصر والقصر والاختصاص، الحصر والقصر والاختصاص، أي فلا يتعدى غيره في عبادته. فالله جل وعلا في هذه الآيات، في قوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، فيها دلالة كذلك واضحة على معنى التوحيد الذي أرسل الله جل وعلا به الرسل وأنزل به الكتب، بأن يعبدوه وحده لا شريك له. قال رحمه الله تعالى: «وقرر تعالى هذا التوحيد بقوله: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾ [الزمر:11]»، قل إني أمرت -أمره ربه جل وعلا- أن يقول: «إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ»، أي لا يشرك به معه غيره، وهذا هو حقيقة كذلك «لا إله إلا الله»، بأن تكون العبادة لله وحده لا شريك له. قال رحمه الله تعالى: «والدين هو العبادة بفعل ما أمر به وترك ما نهي عنه»، كما قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، أي في كتابه «الكافية الشافية» المشهورة والمعروفة بـ«النونية»، قال: «والأمر والنهي الذي هو دينه وجزاؤه يوم المعاد الثاني»، فدين الله جل وعلا أمر ونهي، وجزاء ذلك الأمر أو ذلك النهي لمن امتثله يكون في الآخرة، ولمن عصى ربه جل وعلا فلم يمتثل الأوامر بفعلها والنواهي بتركها، كان كذلك جزاؤه يوم القيامة. قال: «وتقدم أن أصله وأساسه توحيد العبادة»، أي أصل الدين، أي في قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾، يقول الشارح: «وتقدم أن أصله» أي أصل الدين «وأساسه توحيد العبادة»، فلا تغفل عما تقدم، أي كن مستصحبًا لهذا الأصل، كن مستصحبًا لهذا الأصل؛ بمعنى أن العبادة جميع أنواع العبادة لا تصح إلا بماذا؟ إلا بتوحيد الله جل وعلا وحده لا شريك له، فكن مستصحبًا لهذا الأمر، ولا يغرك كثرة الهالكين ولا قلة السالكين في طريق التوحيد، كثرة الهالكين في طريق الشر، ولا قلة السالكين إلى طريق التوحيد والسنة، فالحق أحق أن يتبع. قال: «وقد وقع الأكثر من متأخري هذه الأمة في هذا الشرك» أي في شرك بالله جل وعلا، في شرك العبادة الذي هو أعظم المحرمات، كما وقع في الجاهلية قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، أعظم المحرمات كما دلت على ذلك الأدلة الكثيرة، منها قول الله جل وعلا: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:65]، وقول الله جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:88]، وقال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء:48]، والنبي صلى الله عليه وسلم يسأل فيقال له: «يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟»، قال: «أن تجعل لله ندًا وهو خلقك» كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود، وجاء كذلك من حديث غيره بهذا المعنى، وسأتي بإذن الله جل وعلا بهذا نظائر. قال رحمه الله تعالى: «قال وقد وقع الأكثر من متأخري هذه الأمة في هذا الشرك الذي هو أعظم المحرمات كما وقع في الجاهلية قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم»، عبد القبور والمشاهد والأشجار والأحجار والطواغيت والجن، كما عبد أولئك اللات والعزى ومناة وهبل وغيرها من الأصنام والأوثان، واتخذوا هذا الشرك دينًا، أي هؤلاء المتأخرون اتخذوا هذا الشرك دينًا، أي عبادة الأولياء والقبور، التقرب إليهم بأنواع القرب، اعتبروه واعتقدوه دينًا يقربهم إلى الله جل وعلا، حالهم كحال المشركين الأول الذين قال الله جل وعلا -أو أخبر الله جل وعلا عنهم- أنهم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:3]، ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فهم يعبدونهم ويحسبون أنهم بذلك العمل يحسنون صنعًا، كما قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:103-104]. فهؤلاء كأولئك، وكما قيل: «ما أشبه الليلة بالبارحة»، لكن أولئك كانوا يسمونها: «هبل ونائلة والعزى» وغير ذلك، وهؤلاء يسمونها يسمون هؤلاء بأسماء أولياء: «هذا عيد روس، وتلك سيدة زينب، وذلك فلان، وذلك فلان»، فالكل يشتركون في صرف العبادة لغير الله جل وعلا، والشرك بالله جل وعلا، رضوا أم أبوا. قال رحمه الله تعالى: «واتخذوا هذا الشرك دينًا، ونفروا إذا دعوا إلى التوحيد أشد نفرة، واشتد غضبهم لمعبوداتهم»، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر:45]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ رَبُّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء:46]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطارق:15]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ﴾ [الصافات:35-36]، والآيات بعضها يفسر بعضًا ويبين بعضها بعضًا. قال رحمه الله تعالى: «علموا» أي المشركون الأول «أن لا إله إلا الله تنفي الشرك الذي وقعوا فيه؛ لأنهم عرب فصحاء»، علموا معنى «لا إله إلا الله»، علموا أنها بمعنى «لا إله حق يستحق العبادة إلا الله»، فأنكروا هذا المعنى، بخلاف المتأخرين ما علموا معنى «لا إله إلا الله»، فوقعوا فيما وقعوا فيه من الشرك، وهم ينطقون بـ«لا إله إلا الله» ويحسبون أنهم محسنون صنعًا: ﴿فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:156]. قال رحمه الله تعالى: «علموا أن لا إله إلا الله تنفي الشرك الذي وقعوا فيه، وأنكروا التوحيد الذي دلت عليه لا إله إلا الله»، فصار أولئك المشركون أعلم بمعنى هذه الكلمة «لا إله إلا الله» من أكثر متأخري هذه الأمة، لا سيما أهل العلم، لا سيما أهل العلم منهم الذين لهم دراية في بعض الأحكام وعلم الكلام، فجهلوا توحيد العبادة وزينوه، فوقعوا في الشرك المنافي له، وأنكروه، وجهلوا توحيد الأسماء والصفات، فوقعوا في نفيه أيضًا، وصنفوا فيه الكتب لاعتقادهم أن ذلك حق وهو باطل، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:104]. قال: «وقد اشتدت غربة الإسلام حتى عاد المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، فينشأ على هذا الصغير وهرم عليه الكبير»، وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ»، وقوله: «قد اشتدت غربة الإسلام حتى عاد المعروف منكرًا والمنكر معروفًا»، أي انقلبت الأحوال والأقوال، ولكن بفضل الله جل وعلا ومنته وإحسانه علينا أن جعل في كل زمان ومكان -أو قل: أن جعل في كل زمان- فرقة وطائفة تدعو إلى ما دعا إليه الأولون من الصحابة وأتباعهم بإحسان، يدعون إلى دعوة التوحيد، يدعون إلى دعوة الرسل، كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». وكما جاء في هذا الحديث: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ»، أي بدأ غريبًا يقولون: «أجعل الآلهة إلهًا واحدًا إن هذا لشيء عجاب»، وعاد غريبًا كما بدأ، إذا قيل لهم: «لا إله إلا الله»، «لا تعبدوا هؤلاء الأولياء الأموات الذين لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، بل اعبدوا الله، اسألوا الله، ادعوا الله، استغيثوا بالله» إلى غير ذلك، قالوا: «سبحان الله! هؤلاء أولياء ولهم مكانة ولهم شفاعة ولهم جاه» إلى غير ذلك، فما أشبه الليلة بالبارحة، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ»، «فطوبى للغرباء»، كما جاء في حديث أبي هريرة عند الإمام مسلم، وأصله كذلك من حديث ابن عمر عند الإمام مسلم، وجاء في رواية عند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمر بن عصب زيادة: «قيل: من الغرباء يا رسول الله؟»، «قال: أناس صالحون في أناس سوء كثير، من يعصيهم -أو قال: من يعصيهم- أكثر ممن يطيعهم»، وجاء كذلك في «مسند أحمد» أيضًا من حديث عبد الله بن مسعود بزيادة: «قيل لهم: من هم يا رسول الله؟»، «قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس»، هذا حال المتمسكين بكتاب الله جل وعلا وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على ما كان عليه الصحابة الكرام وتابعوهم بإحسان في كل زمان ومكان، فلله الحمد أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا. قال: «وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة»، قالوا: «ومن هي يا رسول الله؟»، قال: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي»، وهذا الحديث جاء عن طائفة من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، ويأصله جاء عن طائفة من الصحابة، جاء عن أبي هريرة، وعن معاوية، وعن عبد الله بن عمر، وعن أنس، وعن عوف بن مالك رضي الله عنهم وأرضاهم جميعًا، والحديث حسن، وقولهم: «من هي يا رسول الله؟»، «قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي»، هذه الزيادة لها شواهد تتقوى بمجموعها، لها شواهد تتقوى بمجموعها، منها ما جاء في حديث العرباض بن سارية في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ»، تمسكوا بها، فما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، والدين وما لم يكن عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فليس من دين الله جل وعلا في شيء. قال: «وهذا الحديث قد صح من طرق كما ذكره العماد بن كثير وغيره من حفاظ، وهو في السنن وغيرها، ورواه محمد بن نصر في كتاب «الاعتصام»»، قال: «وقد وقع

شاركنا على