الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 83، ألقاها
يناقش شرح باب من كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبد الوهاب، حيث يبين عدم صحة قول "السلام على الله". يشرح معنى اسم الله "السلام".
يشرح معنى السلام ودلالته، ويتناول آداب الدعاء وضرورة العزم في المسألة عند الله تعالى. يُظهر أن الله تعالى لا يُكره على شيء.
يناقش أهمية تحقيق التوحيد وسد الذرائع المفضية إلى الشرك، مع التركيز على بعض الألفاظ التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم. يشير إلى أهمية تعظيم الله تعالى.
يشرح هدي النبي صلى الله عليه وسلم في قبول الهدية ومكافأتها، ويبين أن الدعاء يمكن أن يكون بديلاً عن المكافأة. يؤكد على شروط إعطاء السائل بوجه الله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب -عليهم رحمة الله تعالى جميعًا- في كتابه «قرّة عيون الموحدين في تحقيق دعوة الأنبياء والمرسلين»: قال قوله -أي قول الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله- في كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد. قال قوله: باب لا يقال السلام على الله. مناسبة هذا الباب الذي بوّب به الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- في هذا الموضع في كتاب التوحيد، مناسبتُه لكتاب التوحيد أنه لما كان «سلام على الشخص» معناه طلب السلامة له من الشرور والآفات والعيوب والنقائص وما شابه ذلك، إمتنع أن يقال ذلك في حق الله سبحانه وتعالى، أي إمتنع أن يقال «السلام على الله»؛ لأن الله جل وعلا هو الغني عن كل ما سواه، وهو السالم من كل عيب ونقص والمنزه من ذلك. فكل عيب ونقص فالله جل وعلا منزه عنه، والله جل وعلا أيضًا يدعى لا يدعى له، ويطلب لا يطلب له. فهذا الباب فيه وجوب تنزيه الله عز وجل عن الحاجة والنقص، ووصفه بالغنى والكمال؛ لأن اسم «السلام» هو اسم لله جل وعلا، وإطلاق «السلام» الذي هو بمعنى السلام من العيوب، ودعاء ذلك يكون في حق المخلوق الذي قد تصيبه شيء من النقائص أو الشرور أو المعائب أو ما يخاف من ذلك. أما في حق الله رب العالمين جل وعلا فإنه منزه عن هذه الأمور كلها، فلا يقال إذن «السلام على الله». قال -رحمه الله تعالى- في الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «كنا إذا كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقولوا السلام على الله؛ فإن الله هو السلام». والحديث متفق عليه. قال: هذا الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم عن ابن مسعود، وفي هذا الحديث الناهي عن ذلك. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من الصلاة المكتوبة استغفر ثلاثًا، وقال: «اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام»، أي هذا هو اللائق في حق ربنا جل وعلا. «اللهم أنت السلام» إخبار بأن الله جل وعلا هو السلام، وأن منه السلام. «ومنك السلام» فالسلام من العيوب والنقائص والآفات إنما يكون من الله جل وعلا وحده لا شريك له. قالوا: في هذا الحديث أن هذا هو تحية أهل الجنة لربهم تبارك وتعالى. ذكر المخرج هاهنا بأن هذه الزيادة لا تصح، بل ذكر الألباني -رحمه الله تعالى- بأن هذا لا يصح بوجه من الوجوه، أي أن هذه تحية أهل الجنة: «اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام». وإن كان هذا الدعاء يقال دبر الصلوات. قال قوله: «فإن الله هو السلام»، أي هو تعالى سالم من كل نقص ومن كل تمثيل، فهو الموصوف بكل كمال المنزه عن كل عيب ونقص. قال في «البدائع» -أي العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- في «بدائع الفوائد»: قال -رحمه الله- «السلام اسم مصدر، وهو من ألفاظ الدعاء يتضمن الإنشاء والإخبار»، أي أن هذا الاسم «السلام» يتضمن معنى الإنشاء ويتضمن كذلك معنى الإخبر. قال: «فجهة الخبرية فيه لا تناقض الجهة الإنشائية، وهو معنى السلام المطلوب عند التحية». ومعنى هذا أن الإنسان إذا قال «السلام» هو إخبار وهو كذلك إنشاء، ووجه الإنشاء أنه دعاء بالسلامة؛ لأنه دعاء بالسلامة لذلك المسلم عليهم. قال: «وفيه قولان مشهوران»، أي في معنى «السلام» قولان مشهوران. الأول: أن «السلام» هنا هو الله عز وجل، ومعنى الكلام «نزلت بركته عليكم» ونحو هذا. قال: فاختار في هذا المعنى من أسمائه عز وجل «السلام» دون غيره من الأسماء؛ لما تضمنه معنى «السلام» من السلامة من الآفات والعيوب والنقائص المتضمنة لكمال ضدها من الكمالات. الثاني: أن «السلام» مصدر بمعنى «السلامة». قال: وهو المطلوب المدعو به عند التحية. ومن حجة أصحاب هذا القول أنه يأتي منكرًا فيقال: «أو فيقول المسلم سلام عليكم»، أي عند التسليمًا. ويقال «السلام عليكم». فـ«السلام» يقال معرفًا: «السلام عليكم»، ويقال: «سلام عليكم»، كما قال الله جل وعلا في أهل الجنة: «سلام عليكم»، كما قال الله جل وعلا عن أهل الجنة: أنه يقال لهم «سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين». وكذلك كما قال الله جل وعلا، وأخبر الله جل وعلا عن خليل إبراهيم: أنه حينما دخل عليه الضيوف قال لهم «سلام» -منكرًا-، فسلم عليهم بقوله «سلام» -منكرًا-. فاستدل أصحاب هذا القول بأن «السلام» يأتي منكرًا على أنه بمعنى الإنشاء، أي بمعنى طلب الدعاء لذلك المسلم عليه بالسلامة. قال: «ولو كان اسمًا من أسماء الله تعالى لم يستعمل كذا». قالوا: من حجتهم أنه ليس المقصود من «السلام» هذا المعنى، وإنما المقصود منه الإيذان بالسلامة -خبرًا أو دعاءً-. فهذان قولان: القول الأول: أن قول القائل «السلام عليكم» هذا إخبار عن اسم الله جل وعلا «السلام»، والمعنى الثاني: «السلام عليكم» معناه دعاء بالسلامة، وليس فيه ذكر لإسم من أسماء الله جل وعلا. والدليل على هذا قالوا: لأنه يؤتى به منكرًا أحيانًا، فيقال: «سلام عليكم». قال العلامة ابن القيم -رحمه الله-: «وفصل الخطاب أن يقال: الحق في مجموع القولين، فكل منهما معه بعض الحق والصواب في مجموعهما». قال: «وإنما يتبين ذلك بقاعدة». وهي: أن حق من دعا الله بأسماء الحسنى أن يتوسل في كل مطلب، ويسأل بالاسم المقتضي لذلك المناسب لذلك المطلوب، المناسب لحصوله؛ حتى إن الداعية متشفع -حتى إن الداعية متشفع إلى الله تعالى متوسل به إليه-. فإذا قال: «رب اغفر لي وتُب عليَّ إنك أنت التواب الغفور»، فقد سأله أمرين وتوسل إليه باسمين من أسمائه مقتضيين لحصول مطلوبه. قال: «فالمقام لما كان مقام طلب السلامة -لما كان مقام طلب السلامة- التي هي أهم عند الرجل، أوتي في لفظها بصيغة اسم من أسماء الله، وهو «السلام» الذي تطلب منه السلامة، وهو مقصود المسلم -وهو مقصود المسلم أو المسلم عليه- فقد تضمن «سلام عليكم» اسمًا من أسماء الله تعالى، وطلب السلامة منه. فتأمل هذه الفائدة. وتأمل هذه الفائدة. والخلاص من هذا والحاصل من هذا: أن قول الإنسان «السلام عليكم» فيه إخبار عن اسم الله جل وعلا «السلام»، وفيه كذلك -أي تضمن هذا الإسم- معنى الدعاء -طلب الدعاء- بالسلامة للمسلم عليه. ولا تنافية بين الأمرين؛ لأن هذا الإسم يتضمن الإخبار ويتضمن الإنشاء، ولا منافات بينهما. فالمسلم إذا قال لأخيه المسلم «السلام عليكم» هو سلم باسم من أسماء الله جل وعلا، وتضمن تسليمه ذلك بالدعاء -أو تضمن تسليمه ذلك الدعاء- لذلك المسلم عليه بالسلامة من الآفات والعيوب والنقائص والشرور، إلى غير ذلك مما تطلب لأجله السلامة. قال: «وحقيقته» -أي حقيقة السلامة- «البراءة والخلاص والنجاة من الشر والعيوب». وعلى هذا المعنى تدور تصاريفه. فمن ذلك قولك: «سلمك الله»، أي من هذه الأمور كلها -أي خلصك وبرأك ونجاك من الشر والعيوب-. قالوا: منه دعاء المؤمنين على الصراط: «اللهم سلم سلم». ومنه: «سلم الشيء لفلان»، أي خلص له وحده، كما قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ [الزمر:29]، أي خالصًا له وحده، لا يملك معه غيره. قالوا: ومنه «السلم» ضد «الحرب»؛ لأن كل واحد من المتحاربين يخلص ويسلم من أذى الآخر. ولهذا بني فيه على المفاعلة، فيقال: «المسالمة» مثل «المشاركة»؛ لأن كلا الطرفين يسلم من شر الطرف الآخر. قالوا: منه «القلب السليم»، وهو النقي من الدغل والعيب، وحقيقته: الذي قد سلم لله وحده، فخلص من دغل الشرك وغله، ودغل الذنوب والمخالفات، بل هو المستقيم على صدق حبه وحسن معاملته. وهذا هو الذي ضمن له النجاة من عذابه والفوز بكرامته. قال: «ومنه أُخذ الإسلام؛ فإنه من هذه المادة؛ لأنه الاستسلام والانقياد له والتخلص من شوائب الشرك، فسلم لربه وخلص له، كالعبد الذي سلم لمولاه، ليس له فيه شركاء متشاكسون». ولهذا ضرب -سبحانه- هذين المثلين: للمسلم الخالص لربه، وللمشرك به. ومنه تظهر معاني «السلامة» -أو معاني «السلام»- وأنها تضمن هذه المعاني، وهي: الخلوص والبراءة والنجاة من الشرور والعيوب والنقائص، تتضمن الخلاص من هذه كلها. قال -رحمه الله تعالى-: قوله: باب قول الله. قال -رحمه الله تعالى-: قوله: باب قول الله نعم. قوله: باب قولي «اللهم اغفر لي إن شئت»، أي مدخل في قول القائل في حكم قول القائل: «اللهم اغفر لي إن شئت»، أي ما حكم هذا التعبير بهذا اللفظ؟ والجواب: أن هذا لا يجوز أن يقال كما سيأتي بيانه. وما مناسبة ذكر الشيخ -رحمه الله تعالى- الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- لهذا الباب في كتاب التوحيد؟ هو لما كان قول القائل: «اللهم اغفر لي إن شئت» يدل على فتور الرغبة في الدعاء، وقلة الاهتمام بالمطلوب، والاستغناء عن الله تعالى من ناحية، ويشعر بأن الله تعالى قد يضطره شيء إلى فعل ما لا يرضاه أو ما لا يشاءه. وفي هذين المحذورين مضادة للتوحيد؛ لذلك ناسب أن يعقد الشيخ -رحمه الله تعالى- هذا الباب في كتاب التوحيد. فقول القائل: «اللهم اغفر لي إن شئت»، كأن هذا القائل يقول: «يا رب قد تشاء وقد لا تشاء، وقد تقدر وقد لا تقدر»، وما شابه ذلك. فهذا اللفظ ليس فيه أدب مع الله جل وعلا في الدعاء. فالأدب مع الله جل وعلا في الدعاء: أن يطلب من الله جل وعلا طلب الإنسان الضعيف الفقير المحتاج إلى ربه جل وعلا الغني الكريم الجواد -سبحانه وتعالى- فيدعو ويعزم المسألة؛ لأن الله جل وعلا لا معقب لحكمه، ولا راد لعطائه -سبحانه وتعالى-، بل يعطي نفقة ما لا يتصوره قلب إنسان أبدًا؛ لأن الله جل وعلا هو أكرم الأكرمين -جل وعلا-، ولا يمنعه مانع. قال -رحمه الله تعالى-: قوله: «لا يقول أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة؛ فإن الله لا مكرها له». وهذا تعليل من رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «فإن الله لا مكرها له»؛ لأن قول القائل: «اللهم اغفر لي إن شئت» كأنه فيه شيء من -كما سمعتم- الغضاضة، شيء من ماذا؟ الحرج من الإكراه؛ أنه يغفر وهو لا يريد أن يغفر، يعطي وهو لا يريد أن يعطي. وهذا لا يليق في حق الله رب العالمين جل وعلا الذي له الأمر كله، وبيديه الخير كله. قال -رحمه الله تعالى-: «بخلاف العبد؛ فإنه قد يعطي السائل مسألته لحاجته إليه أو لخوفه أو رجائه، فيعطيه مسألته وهو كاره». فاللائق بالسائل للمخلوق أن يعلق حصول مسألته على مشيئة المسؤول، أي أن الإنسان إذا سأل إنسانًا فقال: «يا أخي أعطني -مثلًا- كذا وكذا إن شئت» لا بأس؛ لأن الإنسان قد يحصل منه ذلك عن غضاضة، عن كراهة، عن شيء من الإمساك لأمر أو لآخر. أما في حق الله رب العالمين جل وعلا فهذا لا يليق، ولا يجوز أن يخاطب أو أن يدعى الله جل وعلا بمثل هذا الدعاء: «اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت»، وما شابه ذلك. والشيء بالشيء يذكر: منه كذلك من باب التنبيه أن بعض الناس ربما يقول: «جزاك الله خيرًا إن شاء الله، أصلحك الله إن شاء الله، وفقك الله إن شاء الله»، أو «إن شاء الله وفقك الله إن شاء الله، غفر الله لك» أو ما شابه ذلك من الألفاظ. هذا كذلك يدخل في هذا المعنى، أو إن كان بعضهم قد يقول: «أنا أقوله على سبيل التحقيق». يقال: هذا اللفظ لا يقال في مثل هذا المقام، ولا من باب التحقيق للنفس، ولا من باب التحقيق للنفس. لماذا؟ لأنك قد تقوله من باب التحقيق، لكن غيرك قد يقوله متابعة لك في اللفظ لا في المعنى، فيقع اللفظ فيسد هذا الباب. قال -رحمه الله-: «فاللائق بالسائل المخلوق أن يعلق حصول مسألته على مشيئة المسؤول؛ مخافة أن يعطيه وهو كاره». بخلاف رب العالمين؛ فإنه يعطي عبده ما أراد بفضله وكرمه وإحسانه، أي لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه -سبحانه وتعالى-، يعطي ما شاء كيف شاء بما شاء -سبحانه وتعالى-، وهو أكرم الأكرمين -جل وعلا-. قال -رحمه الله تعالى-: «فالأدب مع الله أن لا يعلق مسألته لربه بشيء». وفي هذا الحديث: «ليعزم المسألة». وفي الحديث: «يمين الله ملآء، لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار» -الحديث-. قال قوله: «والمسلم يتعظم الرغبة»، أي في سؤاله ربه حاجته؛ فإنه يعطي العظائم كرمًا وجودًا وإحسانًا. «فإن الله لا يتعظمه شيء أعطاه»، أي ليس ما أعطاه عبده مما سأله بعظيم عنده؛ لكمال فضله وجوده. قال: «وقد قال بعض الشعراء في مخلوق يمدحه: وتعظم في عين الصغير صغارها، وتصور في عين العظيم العظائم». قال: «والله تعالى أحق بكل مدحة وثناء»، بمعنى أن الإنسان إذا دعا ربه جل وعلا مهما دعا ربه جل وعلا من الدعاء، فليعلم أن الله جل وعلا كريم، وأن الله جل وعلا عظيم، وأن الله جل وعلا ذو فضل عظيم، يعطي العطاء الجزيل المديد دون أن ينقص ذلك من ملك الله جل وعلا شيئًا. كما جاء في حديث أبي ذر عند الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- وفيه: «ولو أن أولكم وآخركم وجنكم وإنسكم قاموا في صعيد واحد، فسألوا الله جل وعلا فأعطى كل واحد منهم مسألته، لما نقص ذلك من ملكه شيء إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر»، أو كما قال. وهذا المثل كما قال علماء -رحمهم الله تعالى- ومنهم: شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- والحافظ ابن رجب، وطائفة: أن قول الله جل وعلا في الحديث القدسي: «إلا كما يغمس المخيط في البحر»، هل ينقص منه شيء؟ الجواب: لا. قال: هذا حقيقة في ماذا؟ في أن ما يعطيهم الله جل وعلا من فضله وغناه وملكه وعظيم فضله لا يعد شيئًا بالنسبة إلى الله جل وعلا؛ إذا كانت الدنيا عند الله جل وعلا بكنوزها وممالكها وبما فيها لا تسوى عند الله جناح بعوضة، فكيف إذا سأل الإنسان مهما سأل من الله جل وعلا؟ هل ينقص ذلك من ملك الله جل وعلا شيئًا؟ الجواب: لا. لكن هذا عند أولي الألباب. قال -رحمه الله تعالى-: قوله: باب لا يقول عبدي وأمتي. مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن التلفظ بهذه الألفاظ المذكورة يوهم المشاركة في الربوبية، فنهي عنه تأذيبًا مع جناب الربوبية، وحماية لحم التوحيد بسد الضرائع المفضية لذلك؛ لأن الإنسان لو تعود على هذا اللفظ: «يا عبدي تعال، يا عبدي اذهب، هذا عبدي فلان»، وما شابه ذلك، كان في اللفظ -وإن كان من حيث اللغة يجوز إطلاق هذا اللفظ- لكن لما كان هذا اللفظ فيه معنى من معنى المشاركة في اللفظ في شيء مما يكون لله جل وعلا وحده، نهي عن هذا اللفظ شرعًا. أي أن المسلم لا يجوز له أن يقول: «عبدي»، ولا أن يقول: «أمتي»، كما سيأتي معنى ذلك في الحديث المتفق عليه من حديث أبي هريرة. قال -رحمه الله تعالى-: في الصحيح عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقل أحدكم: أطعم ربك -يعني انظر إذا قال: عبدي، في المقابل ماذا؟ ربك- في المقابل ماذا؟ ربك»، أي مالكك وسيدك. «لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وضع ربك». وليقول: «سيدي ومولاي»، أي «أطعم سيدي» أو «سيدك ومولاك»، وما شابه ذلك. قال: «ولا يقل أحدكم: عبدي وأمتي». وليقل: «فتاي وفتاتي وغلامي». إذن هو أدب لكلا الطرفين: للسيد والعبد أو الأمة. ما يقول هذا لهذا؟ وما يقول هذا لهذا؟ وهذا يدلنا على أن نبينا صلى الله عليه وسلم حما التوحيد، وسد كل طريق -ولو كان في نظر الناظر يسير- مفضٍ إلى الشرك سده -صلوات الله وسلامه عليه-، ومنه هذه الآداب التي أدب بها نبينا صلى الله عليه وسلم أمته، ولو في الألفاظ، ولو في الخطابات، ولو في المكالمات بين السيد وبين من هو تحت يده من العبيد. قال -رحمه الله تعالى-: «هذه الألفاظ المنهي عنها وإن كانت تطلق لغتان، فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها تحقيقًا للتوحيد، وسدًا لذرائع الشرك؛ لما فيها من التشريك في اللفظ». فهذه هي المناسبة من ذكر الباب في هذا الكتاب. قال: «أن الله هو رب العباد جميعهم، فإذا أطلق على غيره ما يطلق عليه -تعالى- وقع الشبه في اللفظ، فينبغي أن يجتنب هذا اللفظ في حق المخلوق». ومن ذلك فأرشدهم صلى الله عليه وسلم إلى ما يقوم مقام هذا اللفظ، وهو قوله: «سيدي ومولاي». قال: «وكذلك قوله: ولا يقول أحدكم عبدي وأمتي؛ لأن العبيد عبيد الله، والإماء إماء الله». قال تعالى: ﴿إِنَّ كُلَّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:93]، إلى آخر ما ذكره -رحمه الله تعالى-. قال -رحمه الله تعالى-: قوله: باب لا يرد من سأل بالله. وذكر -رحمه الله تعالى- مناسبة ذكره -رحمه الله تعالى- لهذا الباب: أن هذا فيه معنى التعظيم الذي يجب أن يعظم العبد به ربه جل وعلا، وهو باب من أبواب التوحيد؛ أن العبد من تعظيمه ربه جل وعلا، وإجلاله ربه جل وعلا، ومحبته ربه جل وعلا، وخشية لله جل وعلا: أنه إذا سئل بالله جل وعلا أعطى؛ تعظيمًا لله رب العالمين جل وعلا أن سئل به، وإجلالًا لله رب العالمين جل وعلا أن سئل به. وهذا على تفصيل سيأتي ذكره في كلام الشارح -رحمه الله-. قال -رحمه الله تعالى-: «ظاهر الحديث» -أي قوله في حديث ابن عمر الآتي-: «من استعاذ بالله فأعِذوه». قال: «ظاهر الحديث النهي عن رد السائل إذا سأل بالله». ويحتمل أن يكون المراد فيما لا مشقة فيه على المسؤول، ولا ضرر. فيكون من باب مكارم الأخلاق ومعالي الشيم. وربما كان السائل محتاجًا أو مضطرًا، فيجب أن يعطى ما سأله، ويأثم المسؤول في منعه، فيأخذ من ماله أضعاف ما منع على وجه يكرهه. قال: «فباعتبار هذه الأمور ينبغي لمن أعطاه الله نعمة أن يؤدي حق الله تعالى فيها، ويعطي من سأله من فضول نعمة الله عليه؛ خصوصًا إذا سأل بالله تعالى». ينبغي أن يعطى من سأله من فضول نعمة الله تعالى، أي من باب الإكرام والفضل. هذا إذا لم يكن مضطرًا، ولم يكن كذلك مما قد أوجبه الله جل وعلا عليه. قال: «خصوصًا إذا سأله بالله تعالى؛ فيكون إعطاؤه تعظيمًا لمن سأل به، وهو الله تعالى». قوله عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من استعاذ بالله فأعِذوه، ومن سأل بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له؛ حتى تروا أنكم قد كافأتموه» -الحديث رواه أبو داود والنسائي بسند صحيح، وصححه العلامة الألباني -رحمه الله تعالى- وغيره-. قوله: «من استعاذ بالله فأعِذوه»؛ تعظيمًا لله تعالى، وتقربًا إليه بذلك. بمعنى أن إنسانًا إذا أراد إنسان أن يفعل به بأسًا فقال: «أعوذ بالله»، استعاذ بمن؟ بالله رب العالمين جل وعلا. فالمؤمن الموحد من كمال توحيده وإيمانه لله رب العالمين جل وعلا، وبالله جل وعلا يتوقف، ويقول له: «قد استعذت بعظيم»، فيمنعه ذلك من إيصال الشر والضر إليه، إلا أن يكون فعل ما يجب، فحكم آخر. قال -رحمه الله تعالى-: قوله: «ومن دعاكم فأجيبوه». هذا من حقوق المسلم على المسلم، ومن أسباب الألفة وسلامة الصدر وإكرام الداعي، أي أن الإنسان المسلم إذا دعاه أخوه المسلم ينبغي له أن يجيب؛ إذا كان هذا في غير الدعوة للوليمة. أما إذا كان في الدعوة للوليمة فالصحيح من أقوال أهل العلم أن الإجابة واجبة إلا لعذر. قال قوله: «ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه». أن ينبغي المكافأة على المعروف، وهو من مكارم الأخلاق، وفيه السلامة من البخل وما يذم فيه. وهذا كان كذلك من هدي نبينا صلى الله عليه وسلم؛ كما جاء في الصحيح عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية، ويثيب عليها». ومعنى «يثيب عليها»: أن يكافئ على تلك الهدية. وهذا من مكارم الأخلاق. قوله: «فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له»، أي فيه أن الدعاء يقوم مقام المكافأة في حق من لم يجد ما يكافئ به. وهذا كذلك من آداب النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: «حتى تروا»، أي في قوله: «فكافئوه حتى تروا أنكم قد كافأتموه»، قوله: «حتى تروا» بضم التاء: «تظنوا». وفي رواية لأبي نعيم عن ابن عباس: «من سألكم بوجه الله فأعطوه». «من سألكم بوجه الله فأعطوه»؛ الذكرى أنه حديث صحيح بمجموع طرقه. وهذا فيه كذلك المعنى المذكور: «من سألكم بوجه الله فأعطوه»؛ ما لم يكن في ذلك ما يشق، ولم يكن ذلك عن إكراه، ولم يكن ذلك فيما لا يحبه الله ويرضاه، بمعنى أن إنسانًا لو سألك أن تعطيه -سألك بالله أو بوجه الله- أن تعطيه مالًا ليستخدمه فيما نهى الله جل وعلا عنه، هل يجوز لك أن تعطيه؟ الجواب: لا. ولكن يعطى إذا كان يعرف أنه يستخدمه في طاعة الله، أو فيما ينفعه مما أباحه الله جل وعلا، على التفصيل السابق. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.