الجواب الكافي 1

الدرس في الجواب الكافي 1، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

طرح السؤال حول التخلص من البلايا

يوجه سؤال للإمام ابن القيم عن رجل ابتلي ببلية ولم يستطع الخلاص منها، فيبحث عن الحيلة للتخلص منها. كما يوضح المقطع معنى الترضي ويفضل أن يكون للصحابة.

دور التعاون والصدق في دفع البلايا والمعاصي

يجب على المسلم أن يسعى للتخلص من المعاصي بصدق، بالبحث عن الحلول والاستعانة بأهل العلم، والتعاون بين المسلمين أمر ضروري في هذا الشأن.

مشروعية التداوي بالأدوية الشرعية

الله جعل لكل داء دواء، سواء في أمراض الأبدان أو القلوب، والتداوي مشروع بالأدوية الشرعية والعلمية المباحة التي دلت عليها التجربة.

ختام الدرس والدعاء للمسلمين

ينتهي الدرس مع الإشارة إلى المتابعة في درس لاحق، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن شاء الله تعالى نبدأ من هذه الليلة القراءة والتعليق على كتاب "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي" للإمام العلامة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن الشيخ الصالح أبي بكر، الذي عرف بابن القيم، رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، سئل الشيخ الإمام العالم العلامة المتقن الحافظ الناقد شمس الدين أبو عبد الله محمد بن الشيخ الصالح أبي بكر، الذي عرف بابن قيم الجوزية، رضي الله عنه: ما تقول السادة العلماء أئمة الدين، رضي الله عنهم أجمعين، في رجل ابتلي ببلية، وعلم أنها إن استمرت به أفسدت دنياه وآخرته، وقد اجتهد في دفعها عن نفسه بكل طريق، فما يزداد إلا توقدا وشدة، فما الحيلة في دفعها، وما الطريق إلى كشفها؟ فرحم الله من أعان مبتلاً، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. أفتونا مأجورين، رحمكم الله تعالى. البدء بالبسملة صنع العلماء قدوة بكتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. وهذا الكتاب افتتح بهذا السؤال، وهو سؤال قدم للشيخ الإمام ابن القيم، رحمه الله تعالى. قال هنا رضي الله عنه: ومنها العلم من يجيز الترضي على غير الصحابة في أقول "رضي الله عنه" على التابعين. فإذا ذكر تابعي قال "رضي الله عنه" أو أحد الأئمة الأربعة المشهود لهم بالإمامة والعلم. وبعضهم العلم يجعل الترضي خاصا بالصحابة، وهذا الأولى. وإلا فقد جاء في كتاب الله جل وعلا "السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه". فترضي عن التابعين بإحسان. ولا شك أن الإمام ابن القيم من التابعين بإحسان، وهكذا الأئمة وغيرهم. لكن الذي جرى عليه عمل أهل العلم أن الترضي يكون للصحابة، فإذا ذكر الصحابة يقال "رضي الله عنه"، وإذا ذكر غيرهم يقال "رحمه الله". هذا أولى، هذا أولى لسد الأبواب، لأن كل أحد ربما يتعصب لمن يرى معه الحق فيقول "رضي الله عنه" ابن عربي، "رضي الله عنه" البوصيري، "رضي الله عنه" وهكذا. فالذي عليه أهل العلم في هذا أن يكون الترضي للصحابة. السؤال الذي وجه إلى الإمام ابن القيم، رحمه الله تعالى، هو سؤال عما يقول السادة العلماء أئمة الدين في رجل ابتلي ببلية، أي أصابته بلية، وعلم أن هذه البلية إذا استمرت به أفسدت دنياه وآخرته. وصير ببلية استمرار هذه البلية عليه فيها إفساد دنياه وآخرته. وقد اجتهد في دفعها بشتى الوسائل، أراد التخلص من هذه البلية، دفع هذه البلية عن نفسه بكل طريق، لكن النتيجة أنه ما ازداد إلا توقدا وشدة واستمرارا عليها، وكذلك بقاء عليها، والعياذ بالله. فيسأل عن الحيلة في دفع هذه البلية، يسأل عن الحيلة. وهذه البلية حاصلة، كم من الناس من هو مبتل بذنوب، برشوة، بتعامل بالربا، بنظر محرم، برشاوي، بكذب، بغيبة ونميمة، ابتلي بهذه البلية، ويعلم أن استمرار هذه البلية عليه سبب للسداد دنياه وآخرته. الحريص منهم هو الذي يدافع، يحاول، حاول أن يتخلص من هذا الذنب ومن هذه البلية بكل الأسباب وبكل الوسائل. هذا الحريص منهم، وإلا فكثير لا يبالي، لا يبالي لأن يدفع، لا يبالي في دفع المرض عن نفسه، ولا يذهب ولا يأخذ بأسباب الخلاص من هذا المرض ومن هذه البلية ومن هذا الذنب. لكن من صدق مع نفسه وحاول التخلص من هذا الذنب ومن هذه المعصية، وما استطاع أن يتخلص من هذا الذنب ومن هذه المعصية، الحريص يسأل، يسأل أهل الخبرة، يسأل العلماء. ويكون صادقا مع نفسه، فلا يقول: أنا قد حاولت أن أترك هذه المعصية وهذا الذنب بشتى الوسائل وبشتى الطرق، ما استطعت، فما أنا إلا على استمرار على هذه المعصية. نقول: لا، اسأل أهل العلم، ما هو الدواء؟ وما هو الحل؟ وما هو الحيلة؟ كن صادقا، ارفع سماعة الهاتف واتصل بالعالم فلان، أنا واقع في كذا، وحاولت وحاولت وحاولت وما استطعت أن أتخلص، فما الحيلة؟ فسألوا أهل الذكر، إن كنتم لا تعلمون. هذا الواجب على العلماء، فرفع هذا السؤال لإمام من أئمة المسلمين، وعلم من أعلام المسلمين، ألا وهو الإمام ابن القيم الجوزية، رحمه الله، الذي اشتهر بطب الأبدان وطب القلوب. الإمام المقيم معروف في الطب، طب الأبدان. اقرأوا كتابه العظيم "الطب النبوي". أئمة من أهل الطب يأخذون من هذا الكتاب واستفادوا منه، فهو طبيب عظيم رحمه الله، وليس هو مختصا بطب الأبدان فقط، وكذلك طب القلوب، فهو عالج الأبدان وبيّن طبها بالأدوية، وعالج طب القلوب بالأدلة الشرعية في كتاب الله، في سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. فهذا يسأل ويريد الحيلة في دفع هذه البلية وهذه المصيبة التي حلت به، والطريق إلى كشفها. ثم دعا لمن أعانه بأن يكون الله جل وعلا في عونه، فقال: "فرحم الله من أعان مبتلاً، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه". وهذا حديث عن نبي عليه الصلاة والسلام، كما في صحيح الإمام مسلم، رحمه الله، من حديث أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه". وهذا باب يجب التعاون فيه بين أهل الإسلام، من رأى أخاه مبتلاً ببلية من البلايا أو مصيبة من المصائب، فعليه أن يكون عونا له، أن يأخذ على يديه، لا يكون من أهل الشر ومن مفاتيح الشر، والعياذ بالله، بل يأخذ على يديه، يدله على طريق الرشاد، يعينه بما استطاع من الإعانات حتى يتخلص من هذه البلية، ويخرج من هذه الدائرة التي صار لا يستطيع الخروج منها، لأن الشياطين قد حاطت به من جميع جنباته، فصار محتارا هائرا لا يستطيع الخروج. فكان الجواب من الشيخ الإمام العلامة مفتي الإسلام والمسلمين، شيخ الإسلام ابن القيم، رحمه الله تعالى. قال: الجواب: الحمد لله، أما بعد، فقد ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء". وفي صحيح مسلم، رحمه الله، من حديث جابر بن عبد الله، رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله". وفي مسند الإمام أحمد، رحمه الله، من حديث أسامة بن شريك، رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه وجهله من جهله". وفي لفظ: "إن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء أو دواء، إلا داء واحد". قالوا: يا رسول الله، ما هو؟ قال: "الهرم". قال الترمذي: هذا حديث صحيح. ابتدأ الإمام ابن القيم، رحمه الله تعالى، الجواب على هذا السؤال بذكر النصوص الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي تبين أسباب التخلص من هذه البلايا ومن هذه الأدواء والأمراض. وانظر كيف أول ما ذكر الأحاديث الواردة عن النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا شأن أهل العلم، رحمهم الله تعالى، فإنهم إذا سئلوا عن شيء نظروا في كتاب الله ونظروا في سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، هل هناك ما ورد مما يبين هذا السؤال والجواب عنه؟ فإنهم يذكرون ذلك. فقد ذكر هنا، رحمه الله تعالى، جملة من الأحاديث الواردة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، التي خلاصتها فيها بيان أن الله جل وعلا ما أنزل داء إلا وأنزل له دواء. الله جل وعلا هو الذي قضى هذه الأمراض، وهو الذي قضى هذه البلايا وهذه المصائب، سواء كانت البلايا في الدين والدنيا أو في الأبدان، الأمراض التي يصاب بها الناس من قضاء الله جل وعلا، جعل لها أدوية سبحانه وتعالى، لكن تحتاج إلى بحث عنها للتعالج بها. وهذا كما هو في ما يتعلق بأمراض الأبدان، كذلك ما يتعلق بأمراض القلوب وما يتعلق بالذنوب والمعاصي وغيرها. فالله جل وعلا قضى الأدوية وقضى الدواء. وإذا أخذ الإنسان بالدواء برأ بإذن الله جل وعلا. الشفاء من عند الله جل وعلا، وإنما الدواء سبب. الدواء سبب، وهناك أمراض لا دواء لها، وهو الهرم. الهرم لا دواء له. إنسان يشكو يقول: أنا صرت هرما، فما هو الدواء؟ فما هو الدواء؟ نقول: لا دواء، لا دواء يجعلك ترجع شابا صغيرا، لا والله. يقال: بالله وعلا الهرم، يعني لا دواء له. لكن الأمراض الأخرى، أمراض الأبدان وأمراض الذنوب والمعاصي، فما من داء ومرض إلا وله دواء. لكن على الإنسان أن يسعى ويسأل عن هذا الدواء، ويتعاطى هذا الدواء، ويعمل به. مع يقين كثير من الناس يتعاطى الأدوية التي هي دواء مرض القلوب، ولكن لا يستفيد منها، والخلل هو في نفسه. الخلل عنده هو، لأنه ربما إذا تعاطى هذا الدواء ما كان عنده اليقين، وما كان عنده كذلك الثقة بوعد الله جل وعلا، فيحرم الشفاء. وإلا فالأمراض والأدواء جعل الله جل وعلا لها هذه العلاجات وهي أسباب. والشفاء من عند الله جل وعلا. وذلك كان نبيه عليه الصلاة والسلام يقول: "اللهم رب الناس، أذهب البأس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما". فالشفاء من عند الله جل وعلا، لا من الدواء ولا من الطبيب ولا من غيره، وإنما هذه أسباب. والشفاء من عند الله جل وعلا. فإذا أذن الله جل وعلا بالشفاء لعبده شفي العبد. وإذا لم يقدر ذلك جل وعلا لحكمة أرادها سبحانه وتعالى، فإن الدواء لا يؤثر على الداء، ولا يؤثر السبب على المرض، وذلك كله بقدره وحكمته سبحانه وتعالى. فذكر جملة من الأحاديث الواردة عن نبي عليه الصلاة والسلام في ذلك. لكن هناك من يعلم هذا، ومنهم من يجهل هذا. وأراد رحمه الله تعالى بيان أن الواجب العلم بهذا أولا، في بداية جوابه. أراد أن يعلم كل عبد أن يعلم كل عبد أن الله جل وعلا جعل لكل داء دواء، جعل لكل داء دواء. وفيه مشروعية التداوي، وفيه مشروعية التداوي. فالتداوي مشروع بالأدوية الشرعية المباحة، والأدوية التي علمت بالتجربة. الأدوية على نوعين: أدوية علمت عن طريق الشرع، في كتاب الله، في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. الحبة السوداء في سنة النبي عليه السلام، زيت الزيتون في كتاب الله جل وعلا "يخرج من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، نور على نور، يهدي الله لنوره من يشاء". وهكذا كذلك ما ورد في زمزم في سنة النبي عليه الصلاة والسلام. أدوية كثيرة دلت عليها نصوص الشرع. وهناك أدوية دلت عليها التجربة، دلت عليها التجربة. أنواع من النباتات، أنواع من العقاقير، أنواع من كذا وكذا، استخدمها الناس فرأوا الانتفاع منها. فهل ما يدل على أن الله جل وعلا أباحها قدرا لأنه علمت عن طريق التجربة؟ فما لم يكن فيها مخالفا لشرع الله جل وعلا فهو من المباح الذي أذن الله جل وعلا به. وقد انتهى الوقت، ونواصل إن شاء الله في درس لاحق. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.