توجيهات حول الطلب  1

توجيهات حول الطلب 1

الدرس في توجيهات حول الطلب 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أهمية طلب العلم في الإسلام

يُشدد على أهمية طلب العلم وفضله العظيم في الإسلام، حيث يُعتبر عبادة تقرب العبد إلى الله. يُذكر أن طلب العلم فريضة على كل مسلم.

فضل طلب العلم وتضحيات السلف

يُبين أهمية طلب العلم وفضله، ويُذكر أمثلة على تضحيات السلف في سبيل تحصيل العلم، ويشير إلى حاجة الناس إلى العلماء وطلاب العلم.

التوكل على الله في طلب العلم والرزق

يُشجع على طلب العلم ويبين أن الله يتكفل برزق طلاب العلم، ويقدم أمثلة من الأحاديث النبوية وقصص الصالحين.

رفعة طلاب العلم في الدنيا والآخرة

يُنصح بإحراز الحرص والجد في طلب العلم لما فيه من رفعة لطلابه في الدنيا والآخرة، حيث يرفع الله الذين آمنوا وأوتوا العلم درجات.

التفريغ النصي الكامل

إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، أَطَالِبَ الْعِلْمِ إخْوَانِي فِي اللَّهِ، بِأَمْسِ الْحَاجَةِ لَكُمْ تَوْجِيهَاتٍ وَالنَّصَائِحَ وَخَاصَّةً فِي هَذَا الْمِضْمَارِ، فِي الْمِضْمَارِ الْعِلْمِيِّ، وَأَنْتُمْ -وَلِلَّهِ الْحَمْدِ- فِي هَذَا الْيَوْمِ مِنْ أَوَّلِ أَيَّامِ الدُّورَةِ الْعِلْمِيَّةِ الْمُكْثَفَةِ، وَقَدْ فُتِحَتْ فِيهَا الدُّرُوسُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدِ، وَاتَّسَعَ الطُّلَّابُ، سِوَى مَنْ كَانَ مِنْ الدُّورَةِ الْكُبْرَى أَوْ الدُّورَةِ الصُّغْرَى، وَإِنَّهَا -لَا زَالَتْ بِحَمْدِ اللَّهِ- مُسْتَمِرَّةً وَسَتَسْتَمِرُّ. وَمِنْ بَابِ التَّوَاصُلِ إخْوَانِي فِي اللَّهِ فِي هَذَا الْبَابِ الْعَظِيمِ، أَنْ نَسْتَشْعِرَ جَمِيعًا إخْوَانِي فِي اللَّهِ فَضْلَ هَذَا الْبَابِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ، وَالَّذِي جِئْت مِنْ أَجْلِهِ، وَالَّذِي أَنْتَ بِصَدَدِهِ، الْعِلْمُ، مَا هُوَ الْعِلْمُ؟ هَلْ الْعِلْمُ يَسْتَحِقُّ مِنْك هَذَا الْعَنَاءَ بِأَنْ تَتْرُكَ الْأَهْلَ وَالْأَوْطَانَ، وَأَنْ تَتْرُكَ الْأَعْمَالَ -أَيْ الدُّنْيَوِيَّةَ مِنْ مَعَايِشَ- وَأَنَّكَ تَقْبَعُ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا؟ هَلْ الْعِلْمُ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ؟ نَعَمْ، إخْوَانِي فِي اللَّهِ، بَلْ الْعِلْمُ يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، الْعِلْمُ يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، لِمَاذَا إخْوَانِي فِي اللَّهِ؟ لِأَنَّ الْعِلْمَ عِبَادَةٌ، يَقُولُ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، مَا مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَهُمُّهُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا أَنْ يُلَاقِيَ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا بِعَمَلٍ مَقْبُولٍ، بِعَمَلٍ يَنْفَعُهُ عِنْدَ رَبِّهِ جَلّ وَعَلَا. وَإِنَّكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ لَوْ نَظَرْت فِي الْأَعْمَالِ، فِي فَضَاءِ الْأَعْمَالِ، فِي بَابِ الطَّاعَاتِ وَالْقُرَبَاتِ، لَنْ تَجِدَ مِثْلَ الْعِلْمِ، لَنْ تَجِدَ مِثْلَ الْعِلْمِ، أَمَرَ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا بِهِ، وَحَثَّ عَلَيْهِ، وَنَدَبَ إلَيْهِ، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ»، «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ»، عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَعَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَعَلَى الْعَظِيمِ وَالْحَقِيرِ، وَعَلَى الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ، الْكُلُّ عَلَيْهِ أَنْ يَأْوِيَ إلَى مَوَائِدِ الْعِلْمِ، الْكُلُّ عَلَيْهِ أَنْ يَأْوِيَ إلَى مَوَائِدِ الْعِلْمِ. وَلِيَخْفِ لَكُمْ خَبَرُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ قَالَ عَنْهُمْ نَبِيُّنَا صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: «أَمَا أَحَدُهُمْ فَآوَى فَآوَاهُ اللَّهُ، وَالْآخَرُ اسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ»، «وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ». فَمِمَّا يَشَجِّعُ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ -أَخِي الْمُسْلِمِ- أَنَّهُ عِبَادَةٌ عَظِيمَةٌ تَتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، بَلْ لِفَضْلِهِ وَشَأْنِ الْعِلْمِ، كُلُّ مَا يَتَّصِلُ بِهَذَا الْبَابِ، فَإِنَّ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا رَفَعَ قَدْرَهُ، الْجُلُوسُ فِي حَلَقِ الْعِلْمِ لَهُ فَضْلٌ عَظِيمٌ، الْخُطَى الْمَشْيُ إلَى حَلَقِ الْعِلْمِ لَهُ أَجْرٌ، الْجِدُّ وَالِاجْتِهَادُ وَالْمُصَابَرَةُ لَهُ أَجْرٌ، الْعَمَلُ بِهَذَا الْعِلْمِ لَهُ أَجْرٌ، وَهَكَذَا قِسْ، هُوَ عَمَلٌ وَاحِدٌ لَكِنْ يَتَشَعَّبُ مِنْهُ أَعْمَالٌ، وَكُلُّ عَمَلٍ لَهُ مَاذَا؟ فَضْلٌ خَاصٌّ بِهِ، فَضْلٌ خَاصٌّ بِهِ. لَوْ نَظَرْت فَقَطْ -كَمَا قُلْنَا- لَوْ عَدَدْت الْفَضَاءَ الَّذِي أَعَدَّهُ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا فِي حَقِّ مَنْ جَلَسَ فِيهَا، أَنْتَ جَالِسٌ لَيْسَ عِنْدَك قَلَمٌ، لَيْسَ عِنْدَك وَرَقَةٌ، لَيْسَ عِنْدَك ذَاكِرَةٌ، لَيْسَ هَمُّكَ سِلْسِلَةً عِلْمِيَّةً، إنَّمَا جَلَسْت جُلُوسَك هَذَا، لَوْ أَرَدْت أَنْ تَعْرِفَ الْأَجْرَ وَالْفَضْلَ الَّذِي فِيهِ، لَتَسَابَقَ النَّاسُ إلَى هَذِهِ الْحَلَقِ، حَبْوًا، يُنَادِي مُنَادِيٌ مِنْ السَّمَاءِ: «قُومُوا مَغْفُورًا لَكُمْ، قَدْ بُدِّلَتْ سَيِّئَاتُكُمْ حَسَنَاتٍ»، يَذْكُرُكُمْ اللَّهُ فِي مَنْ عِنْدَهُ، تَنْزِلُ عَلَيْكُمُ الرَّحْمَةُ، وَتَغْشَاكُمُ السَّكِينَةُ، بَلْ يَقُولُ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا»، قُلْنَا: وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: «حَلَقُ الْعِلْمِ»، «حَلَقُ الذِّكْرِ»، الْجُلُوسُ فَقَطْ، فَكَيْفَ الْمَشْيُ؟ الْمَشْيُ إلَى حَلَقِ الْعِلْمِ أَجْرِ. فَأَكَّدَ إخْوَانِي فِي اللَّهِ، فَيَدُلُّ كَذَلِكَ عَلَى فَضْلِ هَذَا الْبَابِ، وَبِهَذَا نَعْلَمُ مَا هُوَ السِّرُّ الَّذِي جَعَلَ السَّلَفَ يَتَدَافَعُونَ يَتَدَافَعُونَ إلَى طَلَبِ الْعِلْمِ، مَنْ نَظَرَ وَمَنْ قَرَأَ فِي كُتُبِ التَّرَاجِمِ، لَوْ رُبَّمَا يَنْدَهِلُ يَنْدَهِشُ أَيْمَا عَجَبٍ إلَى هَذِهِ الْأَعْمَالِ وَالْأَفْعَالِ الَّتِي فَعَلَهَا السَّلَفُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى إزَاءَ الْعِلْمِ. الْوَاحِدُ مِنْهُمْ يَخْرُجُ مِنْ قَرْيَتِهِ وَعُمُرُهُ عِشْرُونَ سَنَةً، وَمَا يَرْجِعُ إلَّا قَدْ بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً، أَرْبَعُونَ سَنَةً ذَهَبَتْ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَرَجَعَ وَقَدْ كَبِرَ سِنُّهُ، وَرَقَعَ عَظْمُهُ، وَشَابَتْ لِحْيَتُهُ، لَكِنْ رَجَعَ بِعِلْمٍ وَفِيرٍ، وَرَجَعَ بِعِلْمٍ غَزِيرٍ. الْوَاحِدُ مِنْهُمْ لَوْ رُبَّمَا يَذْهَبُ فِي الصَّحَارِي فَيَضِيعُ الْمَرَّةَ وَالثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ، يَقُولُ رِبْعِيُّ بْنُ خِرَاشٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: «شَرِبْتُ مِنْ بَوْلِ حِمَارِي خَمْسَ مَرَّاتٍ»، «شَرِبْتُ مِنْ بَوْلِ حِمَارِي خَمْسَ مَرَّاتٍ»، يَذْهَبُ بِحِمَارِهِ يُرِيدُ أَنْ يَطْلُبَ الْعِلْمَ فِي أَرَاضٍ بَعِيدَةٍ نَائِيَةٍ، فَيَضِيعُ حَتَّى يَكُونَ عَلَى شَفَا هَلَكَةٍ عَلَى شَفَا ضَمَأٍ وَعَطَشٍ، فَلَيْسَ مَا يَنْجِيهِ مِنْ هَذِهِ الْهَلَكَةِ إلَّا أَنْ يَشْرَبَ مِنْ بَوْلِ حِمَارِهِ الْمَرَّةَ الْأُولَى، ثُمَّ ضَاعَ الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ، الثَّالِثَةَ، الرَّابِعَةَ، الْخَامِسَةَ، «شَرِبْتُ مِنْ بَوْلِ حِمَارِي خَمْسَ مَرَّاتٍ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ». وَكَمْ نَحْكِي؟ كَمْ نَحْكِي عَنْ أَشْيَاءَ مُذْهِلَةٍ مُذْهِلَةٍ، جُوعٍ، الْجَمِيعِ، لَرُبَّمَا كَادَ أَنْ يَقْضِيَ نَحْبَهُ وَيَهْلِكَ نَفْسَهُ فِي سَبِيلِ هَذَا الْبَابِ، لِمَاذَا؟ لِعِظَمِ مَا يَرَوْنَ مِنْ الْجَزَاءِ الْعَظِيمِ الَّذِي أَعَدَّهُ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ، فِي حَقِّ مَنْ طَلَبَ الْعِلْمِ. مَنْ نَظَرَ إلَى حَالِ النَّاسِ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ، يَتَسَابَقُونَ وَيُشْكَرُونَ عَلَى هَذَا السَّعْيِ وَعَلَى هَذِهِ الْمُسَابَقَةِ فِي الْأَعْمَالِ هُنَا وَهُنَالِكَ، لَكِنْ فَاتَهُمْ فَاتَهُمْ أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ وَأَفْضَلَ الطَّاعَاتِ هُوَ طَلَبُ الْعِلْمِ. وَلَيْسَ هَذَا الْمَقَامُ مَقَامَ ذِكْرِ الْمُقَارَنَةِ فِي الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ الَّتِي ذَكَرَ نَبِيُّنَا الْعِلْمَ وَفَضَّلَهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّوَافِلِ وَالْقُرَبَاتِ، بَلْ سَاوَاهُ نَبِيُّنَا سَاوَاهُ بِأُمِّ الْعِبَادَاتِ وَبِالْفَرَائِضِ لِأَهَمِّيَّتِهِ وَلِشَأْنِهِ. وَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ يَتَسَابَقُونَ إلَى مِثْلِ هَذِهِ الْحَلَقِ، كَانَ بَعْضُ الْمَجَالِسِ نُقِلَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الْوَاسِطِيِّ، أَنَّ طُلَّابَ الْعِلْمِ الَّذِينَ دَرَسُوا تَحْتَ يَدِهِ كَانُوا يُعَدُّونَ بِمِائَةِ أَلْفِ طَالِبِ عِلْمٍ، مِائَةُ أَلْفِ طَالِبِ عِلْمٍ، تَخَيَّلْ هَذَا الْعَدَدَ، أَيْنَ سَيَصِلُونَ؟ نَحْنُ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ مَا يُقَارِبُ الْمِائَةَ، تَخَيَّلْ أَضْعَافَ أَضْعَافِ أَضْعَافِ مِائَةِ أَلْفِ طَالِبِ عِلْمٍ. لِمَاذَا التَّنَافُسُ؟ لِمَا اسْتَقَرَّ فِي أَذْهَانِهِمْ بِعِظَمِ شَأْنِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ، حَتَّى أَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ فِي مُجَالَسَتِهِ يَحْتَاجُ إلَى سِتَّةِ مُسْتَمْلِينَ، وَالْمُسْتَمْلِي هُوَ الَّذِي يُحَدِّثُ، لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ سَمَاعَاتٌ وَلَا مِكْرُوفُونَاتٌ، فَكَانُوا يُؤْتَى بِمُسْتَمْلٍ يَسْمَعُ عَنْ الشَّيْخِ وَيُبَلِّغُ لِمَنْ هُوَ خَارِجٌ، فَكَانَتْ بَعْضُ الْمَجَالِسِ تَحْتَاجُ إلَى سِتَّةٍ مِنْ هَؤُلَاءِ، لِكَثْرَةِ الْجُمُوعِ الَّتِي لَا نَظِيرَ لَهَا. كَانَ السَّلَفُ يَعْلَمُونَ يَعْرِفُونَ فَضْلَ هَذِهِ الْمَجَالِسِ، فَتَنَافَسُوا عَلَيْهَا هُمْ وَأَبْنَاؤُهُمْ وَأَهَالِيهِمْ، صِغَارًا وَكِبَارًا. وَكَذَلِكَ إخْوَانِي فِي اللَّهِ، مِمَّا يُذْكَرُ فِي هَذَا الْبَابِ، مِمَّا يُحَسُّ مِنْ عَوَامِلِ الْمُسَاعَدَةِ وَالنَّاهِضَةِ لِلِاسْتِمْرَارِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، حَاجَةُ النَّاسِ، حَاجَةُ النَّاسِ إلَى طُلَّابِ الْعِلْمِ. النَّاسُ بِأَمْسِ الْحَاجَةِ، أَنْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ، اجْعَلْ فِي بَالِكَ أَنَّ الْعِلْمَ لَكَ نَافِعٌ، يَنْفَعُكَ بِأَنْ تَرْفَعَ الْعِلْمَ عَنْ نَفْسِكَ، وَاعْلَمْ -أَخِي الْمُسْلِمِ- أَنَّ النَّاسَ بِحَاجَةٍ إلَيْكَ، النَّاسَ بِحَاجَةٍ إلَيْكَ، الْمُجْتَمَعُ، مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ، أَهْلِ قَرْيَتِكَ، أَهْلِ مَدِينَتِكَ، الْكُلُّ يَحْتَاجُ إلَيْكَ. الْحَمْدُ لِلَّهِ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ، قَدْ فُتِحَتْ الْعُلُومُ الدُّنْيَوِيَّةُ عَلَى الْخَلْقِ، مَا مِنْ مَدِينَةٍ إلَّا وَفِيهَا أَطِبَّاءُ، وَفِيهَا دُكْتُورَاتٌ، وَفِيهَا الْمُهَنْدِسُونَ، وَفِيهَا الْمِعْمَارِيُّونَ، وَفِيهَا أَصْحَابُ الْمِهَنِ هُنَا وَهُنَالِكَ، لَكِنْ أَيْنَ الْعَالِمُ؟ لَا تَجِدْ لَوْ رُبَّمَا تَحَشَّرْت وَجَمَعْت قُرًى قَرْيَةً مَعَ قَرْيَةٍ مَعَ قَرْيَةٍ مَعَ قَرْيَةٍ عَلَى مَدِّ الْبَصَرِ، تُرِيدُ أَنْ تَسْتَخْرِجَ مِنْهَا عَالِمًا فَلَا تَجِدْ عَالِمًا، دُونَ ذَلِكَ طَالِبُ عِلْمٍ مُتَمَكِّنٌ لَا يُوجَدُ، إنْ وُجِدَ إنْ وُجِدَ دَاعِيَةٌ، وَهَذَا الدَّاعِيَةُ لَا يَكْفِي وَلَا يَنْفَعُ؛ لِأَنْ يَكُونَ مَحَلَّ فُتْيَى وَفَتْوَى وَتَدْرِيسٍ وَتَفْهِيمٍ وَإِرْشَادٍ لِلنَّاسِ. فَإِذَا عَلِمْت هَذَا يَا أَخِي الْمُسْلِمِ، اعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ بِحَاجَةٍ إلَيْكَ، لَا تَحْتَقِرْ نَفْسَكَ، لَا تَحْتَقِرْ نَفْسَكَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ الْخَيْرَ وَالْبَرَكَةَ، لَوْ رُبَّمَا اللَّهُ جَلّ سَيَجْعَلُ لَك شَأْنًا، إنْ كُنْت صَادِقًا مَعَ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، اصْدُقْ مَعَ اللَّهِ فِي طَلَبِ هَذَا الْبَابِ، وَفِي نِيَّتِكَ أَنَّكَ تُنْفِعُ الْأُمَّةَ، تُنْفِعُ الْقَرْيَةَ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا، تُفَهِّمُ، تَدْرُسُ، تُشَرِّحُ، تُزِيلُ الْغُمَّةَ، تُزِيلُ الظُّلْمَةَ، تُزِيلُ الْجَهْلَ. وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِأُمُورِ الدُّنْيَا -أَخِي الْمُسْلِمِ- فَالنَّاسُ -لِلَّهِ الْحَمْدِ- فِيهِمْ كِفَايَةٌ وَغِنًى، بَلْ فِيهِ فَائِضٌ، فِيهِ فَائِضٌ فِي هَذَا الْبَابِ، لَكِنْ فِي بَابِ الْعِلْمِ النَّاسُ بِحَاجَةٍ، فَلْيَكُنْ هَذَا فِي الْحُسْبَانِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْعَوَامِلِ الْمُسَاعِدَةِ فِي أَنْ تَجْهَدَ الْهِمَمَ، وَتَسْهَرَ اللَّيَالِيَ، وَتُرَاجِعَ وَتُذَاكِرَ. وَأَيْضًا كَذَلِكَ، مِمَّا يَعِينُ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ هَذَا الْبَابَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الدُّنْيَا، مِنْ أَسْبَابِ الرِّزْقِ، وَهَذَا قَدْ يَخْفَى عَلَى بَعْضِ النَّاسِ، قَدْ يَخْفَى عَلَى بَعْضِ النَّاسِ، فَطُلَّابُ الْعِلْمِ -رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا- قَدْ تَكَفَّلَ بِرِزْقِهِمْ، قَدْ تَكَفَّلَ بِرِزْقِهِمْ، وَمَنْ يُضَيِّعُ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا عَبْدًا تَرَكَ الدُّنْيَا مِنْ أَجْلِ دِينِهِ، لَنْ يُضَيِّعَ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا عَبْدًا تَرَكَ الدُّنْيَا مِنْ أَجْلِ دِينِهِ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. ثَبَتَ فِي مُسْتَدْرَكِ إمَامِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَذَكَرَهُ شَيْخُنَا مُقْبِلٌ فِي «الصَّحِيحِ الْمُسْنَدِ مِمَّا لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ»، فِي قِصَّةِ ذَاكَ الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ وَيَحْتَرِفُ فِي زَمَنِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَكَانَ لِهَذَا الْأَخِ أَخٌ عِنْدَهُ أَخٌ لَا يَعْمَلُ وَلَا يَحْتَرِفُ، فَأَرَادَ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَشْتَكِيَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَيَأْمُرَهُ بِأَنْ يَأْمُرَ هَذَا الْأَخَ؛ لِأَنَّهُ مَاذَا؟ يَطْلُبُ الْعِلْمَ وَيَجَالِسُ فِي الْمَسْجِدِ وَيُلَازِمُ رَسُولَ اللَّهِ، وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا أَعْمَلُ وَأَنَا أَحْتَرِفُ وَأَنَا أَشْتَغِلُ وَأَنَا أُصَرِّفُ عَلَى هَذَا، وَهُوَ جَالِسٌ كَالْأَوْعَالِ أَوْ عَالَةً عَلَيَّ. فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أَخِي لَا يَعْمَلُ، مُرْهُ أَنْ يَعْمَلَ أَوْ يَحْتَرِفَ مَعِي»، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ»، «لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ»، انْظُرْ، رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا تَكَفَّلَ بِرِزْقِهِ، وَكَذَلِكَ بِرِزْقِي، مَنْ يُصَرِّفُ عَلَيْهِ. وَإِخْوَانِي فِي اللَّهِ، انْظُرُوا فِي وَاقِعِ النَّاسِ، كَمْ مِنْ الرَّجُلِ ذَهَبَ إلَى مَرَاكِزِ الْعِلْمِ، وَتَرَكَ أَهْلَهُ وَتَرَكَ أُسْرَتَهُ، بَعْدَمَا تَرَكَ الَّذِي يَكْفِيهِمْ، ثُمَّ ذَهَبَ وَانْطَلَقَ فِي سَبِيلِ الْعِلْمِ، فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، كَيْفَ كَانَ أَهْلُهُمْ مِنْ بَعْدِهِ؟ كَيْفَ كَانَ عِيَالُهُمْ مِنْ بَعْدِهِ؟ وَإِلَّا اللَّهُ الْحَمْدُ سَتَرَهُمُ اللَّهُ، سَتَرَهُمُ اللَّهُ، بَلْ لَيْسَ سِتْرٌ، بَلْ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا تَرْكُضُ إلَيْهِمْ. أَلَا وَاَللَّهِ الْحَمْدُ، تَأْتِي الطَّلَبَاتُ مِنْ كَانَ مِمَّنْ لَهُ عَلَاقَةٌ وَاحْتِكَاكٌ بِأُمُورِ الْمَسَاجِدِ، وَكَذَلِكَ الْمَرَاكِزُ، يَعْلَمُ تِلْكَ الطَّلَبَاتِ تَتَوَالَى الطَّلَبَاتُ عَلَى طُلَّابِ الْعِلْمِ، النَّاسُ بِحَاجَةٍ، يَأْتِي تَاجِرٌ يَطْلُبُ، وَبِكُلِّ شِدَّةٍ، وَبِكُلِّ حَمَاسٍ، يُرِيدُ أَنْ يَتَكَفَّلَ بِطَالِبِ عِلْمٍ. وَأَذْكُرُ قَدْ ذَكَرْنَا ذَاكَ لِإِخْوَانِنَا فِي اللَّهِ، وَإِخْوَانِي عَارِفُونَ ذَلِكَ، مَنْ كَانَ فِي أَرْضِ الدَّمَاجِ مَثَلًا، وَأَذْكُرُ ذَلِكَ فِي مَرْكِزِ شَيْخِنَا مُقْبِلٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، كُنَّا فِي الْإِجَازَةِ، يَأْتِي التَّاجِرُ يَطْلُبُ مِنْ شَيْخِنَا مُقْبِلٍ أَنْ يُفَرِّغَ لَهُ طَالِبَ عِلْمٍ، فَكَانَ شَيْخُنَا مُقْبِلٌ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- مَا يُلْزِمُ أَحَدًا، لَكِنْ يَقُولُ لِلتَّاجِرِ: إذَا جَاءَ الدَّرْسُ، قُمْ أَنْتَ وَاطْلُبْ. فَفِي أَحَدِ الْمَجَالِسِ، قَامَ شَيْخُنَا مُقْبِلٌ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، قَالَ: «أَيْنَ فُلَانٌ؟» أَيْ التَّاجِرُ، قَالَ: «نَعَمْ يَا شَيْخُ»، قَالَ: «قُمْ وَاطْلُبْ مِنْ إخْوَانِك»، فَقَامَ الرَّجُلُ تَاجِرٌ، قَالَ: «يَا إخْوَانِي، أُرِيدُ طَالِبَ عِلْمٍ، أَتَكَفَّلُ بِهِ وَبِأُسْرَتِهِ، وَأَعْطِيهِ مَسْجِدًا، وَأَعْطِيهِ مَكْتَبَةً، وَأَعْطِيهِ بَيْتًا، وَأَعْطِيهِ رَاتِبًا»، وَمَعَ ذَلِكَ مَا أَحَدٌ خَرَجَ، أَنْ أَذْكُرُ بِاَللَّهِ مَا أَحَدٌ خَرَجَ. فَالْتَاجِرُ قَالَ لِلشَّيْخِ مُقْبِلٍ: «كَيْفَ يَا شَيْخُ؟» الشَّيْخُ مُقْبِلٌ قَالَ: «عِنْدَك الطُّلَّابُ، مَنْ يَذْهَبْ يَذْهَبْ، وَمَا أَحَدٌ خَرَجَ»، تَأْتِيهِمُ الدُّنْيَا، وَصَدَقَ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ نِيَّتَهُ، جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ»، تَأْتِيكَ الدُّنْيَا إلَى تَحْتِ قَدَمِكَ. وَهَذِهِ الطَّلَبَاتُ يَدَوْنَ طَالِبَ عِلْمٍ، يَعْنِي مِنْطِقٌ مِنْ مَنَاطِقِ، فَأَخِي الْمُسْلِمِ، يَعْنِي إنْ أَرَدْت الدُّنْيَا فَفِي طَلَبِ الْعِلْمِ فِيهَا دُنْيَا وَدِينٌ، وَاَللَّهُ لَا يُضَيِّعُ عَبْدًا، فِي قِصَّةِ هَاجَرَ، عِنْدَمَا تَرَكَهَا إبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي وَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، فِي أَرْضِ الْقَفْرِ، لَيْسَ عِنْدَهَا أَنِيسٌ وَلَا جَلِيسٌ، تَرَكَهَا مَعَ ابْنِهَا، ثُمَّ ارْتَحَلَ إبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَيَنْظُرُ إلَى هَذَا الْمَنْظَرِ، فِي صَحْرَاءَ، سَيَأْتِي عَلَيْهَا اللَّيْلُ، وَيَأْتِي عَلَيْهَا هَوَامُّ اللَّيْلِ وَالدَّوَابُّ وَالسِّبَاعُ وَالْوُحُوشُ، وَيَأْتِي عَلَيْهَا الضَّمَأُ، مَا عِنْدَهَا شَيْءٌ، مَا عِنْدَهَا إلَّا قِرْبَةٌ، وَانْتَهَى. فَلَمَّا رَأَتْ إبْرَاهِيمُ قَدْ وَلَّى عَنْهَا، قَامَتْ وَتَسْعَى وَتَأْخُذُ بِزِمَامِ دَابَّتِهِ: «يَا إبْرَاهِيمُ، لِمَنْ تَتْرُكُنَا؟» وَلَا يَلْتَفِتُ إلَيْهَا وَلَا يُكَلِّمُهَا، وَتُنَادِيهِ: «يَا إبْرَاهِيمُ، لِمَنْ تَتْرُكُنَا؟» وَهُوَ سَاكِتٌ، إلَى أَنْ قَالَتْ: «آهْ، اللَّهُ أَمَرَك بِهَذَا؟» فَأَشَارَ أَنَّ نَعَمْ فَقَطْ: «اذْهَبْ، فَلَنْ يُضَيِّعَنَا»، «اذْهَبْ فَلَنْ يُضَيِّعَنَا»، لَمَّا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَك يَا عَبْدَ اللَّهِ بِطَلَبِ الْعِلْمِ، وَاَللَّهِ وَاَللَّهِ لَنْ نُضَيِّعَكَ، اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا فِي دُنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ، مَا دُمْت صَادِقًا مَعَ اللَّهِ فِي ذَلِكَ. فَأَنْصَحُ إخْوَانِي فِي اللَّهِ أَنْ نَحْرِصَ عَلَى هَذَا الْبَابِ، وَأَنْ نَجِدَّ وَأَنْ نَجْتَهِدَ، فَالرِّفْعَةُ لِطُلَّابِ الْعِلْمِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، يَرْفَعُهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا بِالِاقْتِدَاءِ، وَفِي الْآخِرَةِ يَرْفَعُهُمُ اللَّهُ بِالِارْتِقَاءِ، وَالْعِزُّ لِطُلَّابِ الْعِلْمِ، وَكَذَلِكَ النَّصْرُ وَالْغَلَبَةُ، لِمَا نَصَرَ دِينَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. فَأَذْكُرُ إخْوَانِي فِي اللَّهِ، دَوَافِعَ وَحَوَافِزَ أَنْ نَتَوَاصَلَ أَيَّامَكُمْ فِي هَذَا الْبَابِ، أَنْ نَعْرِفَ مَا هُوَ الْبَابُ الَّذِي نَحْنُ قَابِلُونَ عَلَيْهِ وَقَادِمُونَ إلَيْهِ، هُوَ بَابُ الْعِلْمِ، مِنْ أَعْظ