الدرس في الجواب الكافي 51، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
النبي صلى الله عليه وسلم حذّر من الغيبة والنميمة وأخبر أن من يقع في أعراض الناس سيعذب في الآخرة. الغيبة هي ذكر الشخص بما يكره والنميمة نقل الكلام لإثارة الفتنة.
هناك حالات تجوز فيها الغيبة مثل التظلم وجرح الرواة والنصيحة والمجاهر بالفسق. الغيبة في هذه الحالات تكون بياناً لحال الشخص لأغراض شرعية.
النبي صلى الله عليه وسلم حذر من المنافقين الذين يخدعون الناس بمظهرهم بينما قلوبهم تحمل النفاق والعداوة. هذا الصنف من الناس متوعدون بالعذاب يوم القيامة.
المقطع الأخير يتضمن الدعاء للنبي محمد بالصلاة والسلام والبركة، ويمتد هذا الدعاء إلى آله وأصحابه أجمعين.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله عليه وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. قال الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: وقال علي بن الجعد: أخبرنا شعبة، عن عمر بن مرة، قال: سمعت أبا البختري يقول: أخبرني من سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لن يهلك الناس حتى يعتذر بعضهم إلى بعض، أو يعتذر بعضهم من بعض، أو يعتذر بعضهم لبعض». قال: وفي «المسلم» للإمام، من حديث أم سلمة، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إذا ظهرت المعاصي في أمتي، عمهم الله بعذاب من عنده». فقلت: يا رسول الله، أما فيهم يومئذ ناس صالحون؟ قال: «بلى». قلت: كيف يصنع بأولئك؟ قال: «يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان». وهذا تقدم معنا. قال رحمه الله: وفي «المسلم» من حديث أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لما عرج بي، مررت بقوم لهم أظفار من نحاس، يخمشون بها وجوههم وصدورهم». فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: «هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم». وهذا الحديث فيه وعيد شديد في حق الذين يقعون في أعراض الناس ويأكلون لحومهم بالغيبة والنميمة، وهذا من كبائر الذنوب. فالنبي عليه الصلاة والسلام ليلة المعراج رأى ما رأى مما يترتب على العقوبات، ومنها أنه رأى عليه الصلاة والسلام قوما أظفارهم من نحاس، يخمشون بها وجوههم وصدورهم. فالنبي عليه الصلاة والسلام سأل جبريل -لأنه كان برفقته ليلة المعراج- فقال جبريل عليه السلام للنبي عليه الصلاة والسلام: «هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم». يأكل لحم الناس بالغيبة؛ لأن الغيبة هي أكل لحم أخيك، كما قال جل وعلا: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾. النبي عليه الصلاة والسلام سمع بعض الصحابة يتكلمون في أحد الصحابة، مع أن الكلام الذي قالوه في ذلك الصحابي ليس بذلك الكلام، وإنما هو كلام يسير. ومع هذا قال لهما النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد اعتدمتما بصاحبكما». يعني: جعلتم صاحبكما إداما. الإدام معروف، وما يأكل مع الخبز. عندنا الصانة الآن إدام. نعم، مع الصيد، مع غير ذلك. هذا الإدام ما يأكل مع الخبز، مع الرز. قد اعتدمتما بصاحبكما، أي: جعلتم صاحبكما إداما لكما، كالإدام الذي تأكلونه. مع أنه كلام يسير، ليس بذلك الكلام الذي يقع فيه كثير من الناس اليوم، إلا من رحم الله. فكيف ما هو أعظم من هذا الكلام؟ قد صارت الغيبة والنميمة فاكهة المجالس. فاكهة المجالس اليوم الغيبة والنميمة: فلان كذا، وفلان كذا، وفلان كذا. إذا ما فيه غيبة، نعم، ما فيه فاكهة. لا تحلى مجالس كثير من الناس اليوم إلا بالغيبة والنميمة. والنميمة: ذكرك أخاك بما يكره. هذه الغيبة؛ كما عرف النبي عليه الصلاة والسلام. ذكرك أخاك بما يكره، إذا ذكرت أخاك بما يكره، فقد اغتبته. إذا أردت أن تتكلم في أخيك بكلام، قبل أن تتكلم انظر إلى هذا الكلام الذي ستقوله، هل هذا الكلام الذي ستقوله في أخيك يكرهه أو لا يكرهه؟ فإذا كان يكرهه، فانتبه، إذا قلته فقد اغتبته. أما إذا كان الكلام لا يكرهه، فلا شيء في ذلك. فإذا ضابط الغيبة: أن يكون الكلام في الأخ بما يكره. ومفهومه: أن الكلام الذي ستذكره في أخيك إذا كان مما لا يكرهه، فليس ذلك من الغيبة. والأعظم من هذا: أن تقول كلاما في أخيك وهو ليس فيه، هذا أعظم من الغيبة، وهو البهتان. فالغيبة: ذكرك أخاك بما يكره، بشيء فيه، وفيه، لكن يكرهه. وإذا ذكرت في أخيك ما ليس فيه، فهذا بهتان؛ كما قال عليه الصلاة والسلام لما قاله الصحابي: يا رسول الله، أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبته، وإن كان الذي قلت فيه ليس فيه، فقد بهته». إلا مواضع يجوز فيها الغيبة؛ كالمتظلم، إنسان مظلوم ظلمه أحد الناس، يذهب إلى القاضي أو إلى ولي الأمر أو إلى المسؤول: فلان ظلمني. لما هي غيبة؟ فلان ظلمني، ذكر أخاه بما يكره، نسب إليه الظلم: فلان ظلمني، زيد ظلم عمرو. لكن هذه ليست بغيبة؛ لماذا؟ لأنه مظلوم متظلم. ثبت في حديث فاطمة حين ذهبت إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقالت: إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني ما يكفيني وأولادي. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «خذي من ماله ما يكفيك ولولدك». قالت: رجل شحيح. هذه ليست غيبة؛ إذا قلت: فلان شحيح، يكره ذلك. لكن إذا قلت ذلك في مقام تظلم، وأنت مظلوم، فلا شيء في ذلك. وهكذا إذا كان هناك من يجاهر بالفسق، إنسان يجاهر بالفسق أمام الناس، يشرب الخمر أو يسرق أو يفعل الفواحش. تذهب أنت وترفع أمره إلى السلطان، إلى الوالي: فلان يفعل الفواحش، يشرب الخمر، يفعل كذا ويفعل كذا، مجاهر بالفسق. لا حرمة له؛ لأنه مجاهر بالفسق. وهكذا كذلك مما تجوز فيه الغيبة: جرح الرواة، جرح الرواة لمصلحة: فلان ضعيف، فلان كذا، فلان كذا؛ لتنقية سنة النبي صلى الله عليه وسلم مما دخلها من الغث والضعيف وغير ذلك. ولذلك ألف الكتب في جرح الرواة: «ميزان الاعتدال»، «التقريب»، وغير ذلك من الكتب: فلان كذا، وفلان كذا. نعم، فلان لا يساوي بعرة. هذا القصد منه ليس دم الشخص، وإنما الدفاع عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم. هذا باب الجرح والتعديل. هذا من مما تجوز فيه الغيبة، وهي أصلا ليست غيبة، وإنما بيان ما في هذا الشخص؛ لأن من اشتراط قبول الحديث: عدالة الراوي، عدالة الراوي. فهذا يستلزم بيان حال الراوي. هذه المصلحة. والله جل وعلا قد ذم أناسا في كتابه الكريم بأسمائهم: أبا لهب وغيره. وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام بأسوأ العشيرة، وعمر بن لحي الخزاعي، ذمه وأنه في النار، إلى آخر ذلك. فهذه مواضع ليست بغيبة، وهي ستة مواضع ذكرها النووي رحمه الله تعالى، وأنها ليست من الغيبة؛ لأنها لأغراض شرعية دل عليها الشرع وأجازها وأقرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وهكذا عند النصيحة؛ عند النصيحة جاءك شخص وقال لك: يا فلان، فلان تقدم عندنا يريد أن يتزوج ابنتي أو أختي، فماذا تقول فيه؟ هل تعلم عنه شيئا؟ الآن استنصحك. والنبي عليه الصلاة والسلام ذكر أن من حق المسلم على أخيه المسلم إذا استنصحه: فلينصح له. وإذا استنصحك فانصح له، أعطي النصيحة، لا تجامل، لا تجامل. قل: فلان فيه كذا. هذه ليست غيبة. تقول: لا، أنا ما أقول كيف أقول لك فيه كذا أو فيه كذا؟ هذه غيبة. لا، هذه ليست بغيبة. هذه ليست بغيبة. بين ما تعلم عنه. إذا علمت ضعفه في جانب من الجوانب، اذكره لأخيك المسلم. هذا من النصيحة. الدين النصيحة؛ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. قالوا: لمن؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم». فقل: فلان عنده بخل، هذا الذي أعلمه. من فلان بخيل. هذا الذي أعلمه. تعلم شيئا آخر، بينه: بخيل، شديد الغضب. نعم، يلعن، يسب. خلقه في شيء من شدة، ما في شيء. نصيح. فأنت قد أبرأت ذمتك بهذا. فاطمة بنت قيس رضي الله تعالى عنها لما جاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام، خطباها معاوية وأبو الجهم، خطبا فاطمة. فأتت إلى النبي عليه الصلاة والسلام تستنصحه، تريد النصيحة منه. فذكرت له رضي الله تعالى عنها ذكرت للنبي عليه الصلاة والسلام أن معاوية خطبها، وهكذا أبو الجهم. فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: «أما معاوية فصعلوك، وأما أبو الجهم فضراب للنساء، لا يضع عصاه من على عاتقه». معاوية: معاوية صعلوك، يعني ما عنده مال. صعلوك في لغة العرب: الذي لا مال له. وأبو الجهم: ضراب للنساء، والعصى على عاتقه. ومنهم من فسر: يعني لا يضع العصى من على عاتقه، يعني كثير الأسفار، كثير الأسفار، ما يجلس. كما يقال: ومنهم من قال: لا يضع عصاه من على عاتقه، يعني ضراب للنساء، كثير الضراب. «أنكحي أسامة، أنكحي أسامة». ما في غيبة. هذا رسول الله عليه الصلاة والسلام امرأة استنصحته. وهؤلاء معاوية رضي الله تعالى عنه وعن أبيه، كاتب من كتاب الوحي. وهذا أبو الجهم كذلك صحابي آخر. لكن امرأة استنصحت، هل يقول لها نبي سلم: هذا معاوية عنده خير كثير، حسنات، محفوظ بالحسنات. لكن المرأة تستنصح، فأعطاها النصح: «أنكحي أسامة». إذن إذا جاءك شخص وقال لك: فلان خطب عندي أو خطب ابنتي أو أختي، وأنت تعلم عنه عيبا، بينه، بينه. هو صحيح من أهل السنة، هو سلفي على الكتاب والسنة، ما عنده بدع، ولا عنده محدثات، ولا عنده كذا أبدا. لكن بخيل، بخيل عنده. بخيل شحيح في المال، ما هو كريم. فلان بخيل، هو على الكتاب والسنة، هو سلفي، ما فيه كلام. لكن بخيل، غضوب. نعم، كذا وكذا. هذا لا شيء فيه. هذا من النصيحة. فهذه المواضع ليست من الغيبة؛ لماذا؟ لأنها من النصيحة. قال رحمه الله تعالى: وفي «جامع الترمذي» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يخرج في آخر الزمان قوم يختلون الدنيا بالدين، ويلبسون للناس نسوك الضأن من الليل، ألسنتهم أحلى من السكر، وقلوبهم قلوب الذئاب». يقول الله عز وجل: «أبي يغترون؟ أم علي يجترئون؟». فبحلف لأبعثن على أولئك فتنة تدع الحليم فيها حيران. هذا الحديث ضعيف، بل هو ضعيف جدا. ضعفه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، وغيره من أهل العلم. وذكره ابن قيم رحمه الله تعالى ليستشهد به على أثر الذنوب والمعاصي. وأحيانا العلماء يستشهدون بمثل هذه الأحاديث التي ذكر فيها ما يدل على مرادهم، ويرون أن الحديث ليس فيه نكارة للنصوص الواردة، فيذكرونها من باب أنها ذكرت، وفيها شيء من العبرة. ولذلك يذكرونها. وفي هذا بيان ما يقع فيه الناس في آخر الزمان، يتغير الأحوال، فربما أشكالهم على لون، وبواطنهم على لون آخر، يغتر بهم الناس لما يرون من لباسهم الذي عليه التواضع، يظهرون بلباس التواضع كلباس الضأن، يعني عليهم لباس التواضع من الليل. وهذا يتكلم، إذا تكلموا كلامهم أحلى من السكر. كلام ما شاء الله، كلام حلو، ولباس يدل على التواضع، وعلى الورع. الكلام سكر، لكن القلوب قلوب ذئاب. القلوب قلوب ذئاب. فهؤلاء لا شك أنهم على خطر عظيم. وإن كان لهذا الحديث لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام بهذا اللفظ، لكن من كان على مثل هذه الأوصاف، لا شك أنهم متوعدون؛ لأن باطنهم خالف ظاهره، وهو لابس ثوبي زور، متشبع بما لم يعطى. هذا متشبع بما لم يعطى، يظهر للناس المظهر الذي فيه التواضع والورع، وهو ليس كذلك. الباطن يخالف الظاهر. وهكذا الكلام جميل، لكن الباطن يخالف ذلك. فهذا متشبع بما لم يعطى. وأيضا قد خالف باطنه ظاهره. والحديث الصحيح عند الإمام مسلم: في الثلاثة الذين أول من تسعر بهم النار يوم القيامة. سبب ذلك: مخالفة أفعالهم لأقوالهم، ومخالفة بواطنهم لظواهرهم. العالم، والمجاهد، والمتصدق، في ظاهر أمرهم أنها أفعال خير، لكن البواطن غير ذلك، وخلاف ذلك. فكان أول من تسعر بهم من نار يوم القيامة. فمن كان مثل هذا الصنف، يظهر للناس ما يظهر، وباطنه خلاف ذلك الظاهر، فهو يلحقه هذا الوعيد، يلحقه هذا الوعيد. فالإنسان عليه أن يجعل ظاهره كباطنه، يجعل باطنه كظاهره، وظاهره كباطنه. ليس الظاهر بلون، والباطن بلون آخر. وإنما هذا من أوصاف المنافقين. ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾. أجسامهم تعجبك إذا رأيتهم، مظهر ما شاء الله، مظهر. وكلامهم سكر حلو. ﴿وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ لما في كلامهم من الحلاوة. هذه صفات منافقين. الأبدان ما شاء الله، والمظهر ما شاء الله، والكلام الحلو. ولكن الباطن نفاق. ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَنُّواْ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾. إذن هذه إنما هي من صفات المنافقين: أن يكون الظاهر على لون، والباطن على لون آخر. فيغتر الناس بالظواهر. وفلان ما شاء الله، كلام حلو، كلام طيب. ﴿وَإِن مِّنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا﴾. استخدم هذا البيان، وهذه الفصاحة التي يعطيه الله جل وعلا إياها في دعوة الناس إلى الباطل، يسحرهم بكلامه، ويضرهم بمظهره. وهذا حاصل واقع اليوم. ما شاء الله، العمامة طولها عشرة دراع. نعم، واللباس ما يحتاج. وربما المشي الهوين كما يقال. ولكن الباطن خراب، والعياذ بالله. عقيدة فاسدة، وبغض وعداوة لأصحاب النبي عليه صلى الله عليه وسلم، كحال الروافض الذين يظهرون الزهد. وكحال غلاة المتصوفة الذين يزعمون لأنفسهم ما يزعمون من علم الغيب وغير ذلك. وأن لهم، وأن لهم، وأن لهم. والناس المساكين يقترون بمظهرهم، وما هم عليه. ربما لما يرون من الزهد وغير ذلك. وكل ذلك من النفاق الذي يقع عليه، أو فيه الناس. نكتفي بهذا، ونواصل درسنا لاحقا إن شاء الله. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وسلم أجمعين.