الدرس في أحكام العشر والنحر 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع أحكام الأضحية ومسائل الخصاء، ويشرح آراء العلماء في جواز الأضحية بالمخصي أو الفحل. يشدد على أهمية إصلاح العلاقات بين الناس لتحصيل الأجر الكامل في يوم عرفة.
يُناقش المقطع أحكام التصدق من الأضحية ووجوب إخراج جزء منها للصدقة، ويوضح اختلاف آراء العلماء في هذه المسائل. يُرشد إلى ضرورة التأكد من نوع الإخصاء ومدى جوازه شرعًا.
يُناقش المقطع آداب التصدق بلحم الأضحية واختلاف آراء الفقهاء حول وجوب التصدق بلحم الأضحية. يُوضح أن الأفضل هو التصدق بلحم الأضحية وعدم إعطاء الجزار شيئًا منها. كما يُحرم بيع أي جزء من الأضحية.
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ مَرَّ مَعَنَا إخْوَانِي فِي دُرُوسٍ مَاضِيَةٍ مَسَائِلُ عَدِيدَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَحْكَامِ الْعَشْرِ وَفَضَائِلِ الْعَشْرِ وَمَسَائِلِ الْأُضْحِيَةِ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامٍ. وَمِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ وَالتَّذْكِيرِ، إخْوَانِي فِي اللَّهِ، قَدْ تَكَلَّمْنَا فِي دَرَسِ الْأَمْسِ حَوْلَ مَا يَتَعَلَّقُ بِفَضِيلَةِ يَوْمِ عَرَفَةَ وَأَنَّهُ مِنْ الْأَيَّامِ الْعَظِيمَةِ الْمُعَظَّمَةِ الْمُشَرَّفَةِ عِنْدَ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا وَعِنْدَ رَسُولِهِ، صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُغْتَنَمَ بِالطَّاعَةِ، وَمِنْ أَجَلِّ الطَّاعَاتِ الصِّيَامُ. وَيَحَاوِلُ مُسْلِمٌ، إخْوَانِي فِي اللَّهِ، لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَحَصَّلَ عَلَى أَجْرِ عَرَفَةَ وَعَلَى أَجَلِّ صِيَامِ هَذَا الْيَوْمِ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْ الْآثَامِ وَمِنْ الْأَوْزَارِ، وَهَكَذَا خَاصَّةً مِنْ الْمَوَانِعِ الَّتِي تَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ عَمَلِهِ، وَخَاصَّةً مَا تَوَلَّتْ بِهِ هَذِهِ الْمُجْتَمَعَاتُ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ مَا يُسَمَّى بِالْقَطِيعَةِ وَالْمُقَاطَعَةِ وَالْهِجْرَانِ بَيْنَ الْأَبِ وَابْنِهِ، وَبَيْنَ الزَوْجِ وَزَوْجِهِ، وَبَيْنَ الْجِيرَانِ، وَبَيْنَ الْأَقَارِبِ، وَبَيْنَ الْأُسْرَةِ الْوَاحِدَةِ، دَبَّ النِّزَاعُ وَالْخِصَامُ، وَأَصْبَحَ الْكَثِيرُ مِنْ النَّاسِ قَدْ مَلَأَ قَلْبَهُ حَقْدًا وَحَسَدًا وَحَنَقًا عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ. فَهَذِهِ الدَّسِيسَةُ الْمُمِيتَةُ مِنْ الْقَطِيعَةِ وَالشَّحْنَاءِ، إخْوَانِي فِي اللَّهِ، يَنْبَغِي أَنْ تَزُولَ، وَخَاصَّةً مَنْ أَرَادَ أَنْ يُغْتَنِمَ الْعَمَلَ الصَّالِحَ وَأَرَادَ أَنْ يَتَحَصَّلَ عَلَى أَجْرِهِ كَامِلًا مَوْفًى، فَيَنْبَغِي أَنْ يُصْلِحَ مَعَ عِبَادِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، وَلَوْ كَانَ عَلَى حَدِّ زَعْمِهِ أَنَّهُ ظُلِمَ وَأَنَّهُ قَدْ هَمَّ الَّذِينَ قَدْ بَدَأُوا بِزَجْرِهِ وَهُمْ الَّذِينَ بَدَأُوا بِالتَّطَاوُلِ عَلَيْهِ. فَعِنْدَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ مَقَامُ الْعَفْوِ، مَقَامُ الصَّفْحِ، مَقَامَاتٌ عَظِيمَةٌ حَثَّ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا بِهَا الْعِبَادَ، وَكَمَا قَالَ جَلّ فِي عَلَاءِ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾، ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. فَهَذَا أَصْحَابُ الْحَظِّ الْعَظِيمِ وَالْمَرْتَبَةِ الْعُلْيَا الَّذِي يُسَارِعُ إلَى مَرْضَاتِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، فَيُصْلِحُ مَعَ عِبَادِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَأَيْضًا، إخْوَانِي فِي اللَّهِ، مِمَّا يَنَاسِبُ ذِكْرُهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ مَسَائِلُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْأَضَاحِيِّ، وَمَسَائِلُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالذَّابِحِ. الْمَسَائِلُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْأَضَاحِيِّ هُنَا هِيَ مَسَائِلُ خِلَافِيَّةٌ، لَكِنْ لِقُوَّةِ الْخِلَافِ فِيهَا يَنْبَغِي أَنْ يُرَاعِيَهَا الْمُسْلِمُ. فَمِنْ الْمَسَائِلِ الْخِلَافِيَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأُضْحِيَةِ، يَا إخْوَانِي فِي اللَّهِ، مَرَّ مَعَنَا فِي دَرَسِ الْأَمْسِ مَا يَتَعَلَّقُ بِحَدِيثِ أَنَسٍ، مِنْ أَنَّ نَبِيَّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ. الْحَدِيثُ جَاءَتْ رِوَايَةٌ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِيهَا الزِّيَادَةُ، قَالَ: «ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مَوْجُوئَيْنِ». وَالْمَوْجُوءُ هُوَ الْمُخَصَّى. فَهَذِهِ الزِّيَادَةُ فِيهَا وَصْفٌ لِأُضْحِيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، بِأَنَّهُ ضَحَّى بِكَبْشٍ مُخَصَّى، وَهُوَ الْمَوْجُوءُ. وَأَمَّا عَنْ هَلْ هَذِهِ السُّنَّةُ أَمْ جَائِزٌ؟ الْكَثِيرُ مِنْ الْعُلَمَاءِ يَعْلَنُ أَنَّ هَذَا جَائِزٌ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ فَحْلًا كَامِلًا لَكَانَ أَكْمَلَ. وَإِنَّمَا مَنْ يُضَحِّي بِالْمُخَصَّى مِنْ بَابِ الْجَوَازِ، لِأَنَّ الْمُخَصَّى ذَهَبَ شَيْءٌ مِنْ أَعْضَائِهِ، بِخِلَافِ الْفَحْلِ فَإِنَّ أَعْضَاءَهُ كَامِلَةٌ، فَهُوَ الْمُقَدَّمُ. وَبَعْضُهُمْ يَرَى لَا، أَنَّ الْمُخَصَّى هُوَ الْمُقَدَّمُ، لِأَنَّ لَحْمَهُ أَطْيَبُ. الْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا ذَبَحَ وَضَحَّى بِمُخَصَّى أَوْ ضَحَّى بِفَحْلٍ، فَهَذَا جَائِزٌ وَهَذَا جَائِزٌ إجْمَاعًا، لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ. هُنَا مَسْأَلَةٌ تَتْبَعُ فِي مَوْضُوعِ الْمُخَصَّى، وَهِيَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ نَبَّهُوا عَلَى مَسَائِلِ الْخِصَاءِ، وَأَنَّ الَّذِي يَجُوزُ فِي الْأُضْحِيَةِ أَنْ يَكُونَ إمَّا بِرَضِّ الْخَصِيَتَيْنِ، أَوْ بِسَلِّ الْخَصِيَتَيْنِ، هَذَا الْفِعْلُ أَوْ ذَاكَ الْفِعْلُ. رَضُّ الْخَصِيَتَيْنِ أَوْ سَلُّ الْخَصِيَتَيْنِ مَعَ وُجُودِ الْعُضْوِ فِي الْجَسَدِ، فِي جَسَدِ الْحَيَوَانِ وَالْبَهِيمَةِ، هَذَا يُسَمَّى إخْصَاءً. وَإِنْ ضُحِيَ بِهِ مُضَحٍّ، فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ. لَكِنَّ الْإِشْكَالَ فِي صُوَرٍ أُخْرَى مِنْ صُوَرِ الْإِخْصَاءِ، وَهُوَ الْقَطْعُ، أَنْ يُقْطَعَ ذَكَرُهُ مِنْ أَصْلِهِ، يُسْتَأْصَلُ مِنْ أَصْلِهِ الذَّكَرُ وَالْ وَالْخَصِيَةُ، تُسْتَأْصَلُ مِنْ الْبَهِيمَةِ مِنْ الْفَحْلِ، تُسْتَخْلَصُ وَتُسْتَأْصَلُ وَتُزَالُ. يَقُولُ الْعُلَمَاءُ: هَذَا مَا يُسَمَّى مُخَصًّى، وَإِنَّمَا هَذَا يُسَمَّى مَجْبُوبًا. وَهُنَا ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَى أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَهِيمَةِ لَا يُضَحَّى بِهِ، لَا يُضَحَّى بِهِ، لَا يَجُوزُ، بَلْ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: وَلَا يُجْزِئُ، شَدَّدَ فِي هَذَا الْمَنْزِلِ، وَلَا يُجْزِئُ أَنْ تُضَحِّيَ بِهَذَا؛ لِأَنَّهُ إذهَابُ الْعُضْوِ كَامِلًا، بِخِلَافِ الْمَوْجُوءِ. وَإِذَا كَانَ تُرِكَ الْخَصِيَةُ مَعَ عَبَائِهَا، الْخَصِيَةُ مَوْجُودَةٌ لَكِنْ رُدَّتْ فَانْتَهَى مَفْعُولُهَا، أَوْ كَذَلِكَ بِسَلِّهَا، إخْرَاجِ الْخَصِيَةِ، يَعْنِي كَمَا قَالَ الْمَادَّةُ مِنْ الْخَصِيَةِ، وَتَبْقَى الْخَصِيَةُ مَوْجُودَةً لَكِنْ بِسَلِّ مَا فِيهَا مِنْ حَشْوٍ، وَتَبْقَى هِيَ. فَهَذَا قَالَ هُنَا مَا فِيهِ إشْكَالٌ لِهَذَا مُخَصًّى يَجُوزُ، يُجْزِئُ، كَمَا فَعَلَ نَبِيُّنَا. أَمَّا أَنَّهُ يُزَالُ، يُقَصُّ مِنْ أَصْلِهِ، يُسْتَأْصَلُ عُضْوٌ كَامِلٌ وَيُرْمَى، فَيَبْقَى هَذَا الْبَهِيمُ بَيْنَ غَيْرِ ذَكَرٍ. وَهَذَا قَالَ عُمَاهُ، هَذَا مَا يُسَمَّى مُخَصًّى، إنْسَانٌ مَجْبُوبٌ، قَالُوا: هَذَا لَا يَدْخُلُ فِي الْأَضَاحِيِّ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ. وَمِنْهُمْ كَمَا قُلْنَا مَنْ قَالَ: وَلَا يُجْزِئُ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا. فَالْمَسْأَلَةُ فِي هَذَا الْبَابِ شَدِيدَةٌ. وَقَدْ اخْتَلَفُوا قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي هَذَا الْوَصْفِ الْحَاصِرِ، إخْوَانِي فِي اللَّهِ. فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ بِكَبْشٍ، يَعْنِي تَطْبِيقًا لِلسُّنَّةِ، مُخَصًّى، فَلْيَتَأَكَّدْ مِنْ أَيِّ الْإِخْصَاءِ هُوَ. فَإِنْ كَانَ مِنْ الْإِخْصَاءِ الَّذِي فِيهِ الْأَعْضَاءُ مَوْجُودَةٌ لَكِنْ بِرَضٍّ أَوْ بِسَلِّ اسْتِئْصَالٍ، هَذَا لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ بِإِجْمَاعٍ. لَكِنْ إذَا كَانَ بِقَطْعِ الْخَصِيَةِ مَعَ الذَّكَرِ، الْقَطْعِ الْعُرْضِيِّ، وَأَصْلِهِ، وَاسْتِئْصَالٍ مِنْ أَصْلِهِ، فَلْيَتَيَقَّنْ أَنَّ فِيهِ خِلَافًا شَدِيدًا فِي هَذَا الْبَابِ. فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْحَثَ لِآخَرِ فَابْحَثْ، خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ الشَّدِيدِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَأَنَّهُمْ شَدَّدُوا، وَهَذَا خَطَرٌ مِنْ الْحَنَابِلَةِ، شَدَّدُوا فِي هَذَا الْبَابِ، وَأَنَّهُ مَا اعْتَبَرُوا هَذَا لِذَهَابِ عُضْوٍ كَامِلٍ مِنْ جَسَدِ الْأُضْحِيَةِ. هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْخِصَاءِ. وَكَذَلِكَ مَثَلًا مُتَعَلِّقٌ بِالصَّدَقَةِ وَالتَّصَدُّقِ، إخْوَانِي فِي اللَّهِ. جَاءَ الْحَثُّ عَلَى الْأَضَاحِيِّ فِي كِتَابِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا أَرْشَدَ إلَى أَنَّ الْأُضْحِيَةَ لَهَا هَذِهِ الْمَسَالِكُ الثَّلَاثَةُ: إمَّا أَنْك تَأْكُلَ مِنْهَا، ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾، ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ﴾، وَهُوَ التَّصَدُّقُ، أَوْ إطْعَامُ الْمُعْتَرِ، وَهِيَ الْهَدِيَّةُ. فَإِمَّا الْأُضْحِيَةُ أَنْ تَأْكُلَ مِنْهَا، وَإِمَّا أَنْ تَتَصَدَّقَ، كَمَا قَالَ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ﴾. قَالَ الْعُلَمَاءُ فِي تَفْسِيرِ الْقَانِعِ: هُوَ الَّذِي يَتَقَنَّعُ بِثَوْبِهِ حَتَّى لَا يَرَاهُ النَّاسُ، حَتَّى لَا يَرَى مِنْ شِدَّةِ فَاقَتِهِ وَحَاجَتِهِ، وَلَا أَرَادَ أَنْ يَظْهَرَ بَيْنَ النَّاسِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَيَتَقَنَّعُ بِثَوْبِهِ وَيَأْخُذُ مِنْ الصَّدَقَاتِ. فَهَذَا أَمَرَ رَبُّنَا بِإِعْطَائِهِ: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. وَقَالَ الْعُلَمَاءُ فِي تَفْسِيرِ الْمُعْتَرِ: هُوَ الَّذِي يَعْتَرِيكَ، الَّذِي يَأْتِيكَ مِنْ الضُّيُوفِ، مِنْ الْأَقَارِبِ فِي أَيَّامِ الْعِيدِ، يَأْتِيكَ الضَّيْفُ فِي غَدَاءٍ فِي عَشَاءٍ، يَأْتِيكَ عَلَى بَيْتِكَ، يَعْتَرِيكَ، هَذَا الْمُعْتَرُ. وَهَذَا يُعْطَى لَهُمْ مِنْ بَابِ الْهَدِيَّةِ. فَإِذْنَ الصَّدَقَةُ وَالْأُضْحِيَةُ يُؤْكَلُ مِنْهَا وَيُتَصَدَّقُ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ يُهْدَى مِنْهَا. بَقِيَتْ الْمَسْأَلَةُ كَمَا يَقُولُونَ الْمَسْأَلَةُ الْخِلَافِيَّةُ الشَّدِيدَةُ فِي هَذَا الْبَابِ، مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّصَدُّقِ. صَحِيحٌ أَنَّ الْكَثِيرَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، بَلْ حَتَّى هَذَا مَا نُشَوِّهُ فِي مَذْهَبِنَا، أَنَّهُ لَوْ أَكَلَهَا بِرُمَتِهَا جَائِزٌ. لَكِنَّ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ شَدَّدَ فِي أَمْرِ الصَّدَقَةِ، وَقَالَ: إنَّ الصَّدَقَةَ يَنْبَغِي، بَلْ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: صَرَّحَ بِالْوُجُوبِ، أَنَّ الصَّدَقَةَ وَاجِبَةٌ، أَنْ تَتَصَدَّقَ مِنْ الْأُضْحِيَةِ، وَاجِبٌ أَنْ تَتَصَدَّقَ مِنْ الْأُضْحِيَةِ. لِأَنَّهُ يَقُولُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَيْسَتْ الْأُضْحِيَةُ لِأَنَّك تُرِفُّهُ لِنَفْسِك أَوْ أَنْ تَمْلَأَ بَطْنَك أَوْ أَنْ تَتَشَبَّعَ بِهَا، لَا، إنَّمَا أَنْتَ تُوَاسِي، تُوَاسِي الْآخَرِينَ. بَلْ هَذِهِ الدَّلَالَةُ: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾، قَالُوا: دَلَالَةُ الْأَمْرِ هُنَا بِخِلَافِ الْأَكْلِ مِنْهَا. قَالَ: لَيْسَ هَذَا وَاجِبًا؛ لِأَنَّهُ مَا قَالَ أَحَدٌ بِوُجُوبِهَا. وَلَكِنْ دَلَالَةُ التَّصَدُّقِ ظَاهِرَةٌ: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ﴾، قَالُوا: وَهَذَا الْأَصْلُ مِنْ الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا، هُوَ أَنْ تُطْعِمَ الْمَسَاكِينَ، وَتُوَاسِيَ الْمَسَاكِينَ، وَأَنْ تُغْنِيَهُمْ فِي هَذَا الْمَالِ، فِي هَذَا الزَّادِ وَالطَّعَامِ الَّذِي مَعَكَ. وَخَافَ أَنْ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ مَا يَمْلِكُونَ مِثْلَ هَذِهِ اللُّحُومِ، يَتَوَسَّعُونَ عَلَيْهَا، فَوَسِعَ عَلَيْهِمْ. وَمِنْ هُنَا ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَى وُجُوبِ أَنَّهُ لَابُدَّ، بَلْ حَتَّى مِنْ فُقَهَاءِ مَنْ شَدَّدَ، قَالَ: إنَّ الْأُضْحِيَةَ إذَا مَا أَخْرَجَ مِنْهَا شَيْءٌ، فَلَيْسَتْ مُضَحِّيَةً؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأُضْحِيَةِ إنَّمَا تُضَحَّى لِأَجْلِ الصَّدَقَةِ، هَذَا الْأَصْلُ. هَذَا الْأَصْلُ أَنَّك تَذْبَحُ لَك، تَتَصَدَّقُ، هَذَا الْأَصْلُ. وَأَمَّا الْإِطْعَامُ، تَأْكُلُ مِنْهَا، فَهَذَا مِنْ يَجُوزُ زِيَادَةً. فَلِقُوَّةِ الْخِلَافِ فِي هَذَا الْبَابِ، فَحَدُّ مَنْ عِنْدَهُ قُدْرَةٌ عَلَى مَنْ أَرَادَ أَنْ يَذْبَحَ أَوْ عِنْدَهُ هِمَّةٌ وَإِرَادَةٌ لِلذَّبْحِ، فَإِذَا ذَبَحَ وَنَحَرَ أُضْحِيَةً، فَيَحَاوِلُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْهَا. بَلْ حَتَّى مِنْ بَعْضِ الْمُعَاصِرِينَ، مِمَّنْ يَقُولُ بِالْوُجُوبِ، قَالَ: وَلَوْ أَخْرَجَ مِنْهَا كِيلُو، كِيلُو أَوْ كِيلُوَيْنِ، فَإِنَّ هَذَا يَنْفَعُ. بَلْ حَتَّى الْإِمَامُ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ، كَمَا فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، قَالَ: وَلَيْسَ عِنْدَنَا فِي قَدْرِ الصَّدَقَةِ شَيْءٌ مَعْلُومٌ، مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ مَعْلُومٌ أَنْ نُلْزِمَك بِالثُّلُثِ أَوْ بِالرُّبْعِ أَوْ بِالنَّصْفِ، أَيْضًا مَا عِنْدَنَا هَذَا شَيْءٌ. لَكِنْ بِطِيبَةِ نَفْسِك، أَخْرِجْ، يَا عَبْدَ اللَّهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ. مِنْ الْخِلَافِ أَنْ تُخْرِجَ شَيْئًا يُسَمَّى صَدَقَةً لِمَنْ؟ لِمَنْ تُرِيدُ. طَبْعًا الْحَاجَةُ، إذَا كَانَ هُنَاكَ قَرَابَةٌ مَعَ فَقْرٍ، فَهَذَا أَوْلَى وَأَوْلَى وَأَوْلَى، أَوْ جِيرَانٌ مَعَ فَقْرٍ، فَهَذَا أَوْلَى. تَبْحَثُ عَنْ الْمُحْتَاجِينَ، وَلَوْ كَمَا قَالَ: عِنْدَك مَا شَاءَ اللَّهُ، الْحَمْدُ، رُؤُوسُ هَذِهِ الْأَيَّامِ مَا بَيْنَ 20 كِيلُو، 22 كِيلُو، 18 كِيلُو، لَوْ تُخْرِجُ كِيلُو وَاحِدٍ، مَا أَظُنُّ سَيَشُقُّ عَلَيْك، كِيلُوَيْنِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ، وَعَادِلْ نَفْسَك. هَذَا كَمَا قُلْنَا فِي حَالِ الْمُضَحِّي. أَمَّا مِنْ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ، مَنْ جَاءَتْهُ صَدَقَةٌ، فَهُوَ لَيْسَ مُلْزَمًا بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا. فَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ ثَانِيَةٌ، وَنَبْعُ عَلَيْهَا فِي هَذَا الْمَقَامِ. أَنْ الصَّدَقَةَ صَحِيحٌ أَنَّ مِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ قَالَ: تُؤْكَلُ كُلُّهَا. لَكِنْ تَعْلَمُ أَنَّ هُنَاكَ خِلَافًا فِي الْبَابِ، وَأَنَّ هُنَاكَ مَنْ أَوْجَبَ الصَّدَقَةَ. فَتَخْرُجُ مِنْ الْخِلَافِ، تَخْرُجُ وَلَوْ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ، حَتَّى يُسَمَّى اسْمُ الصَّدَقَةِ، وَأَنَّكَ قَدْ تَصَدَّقْتَ، وَتُدْخِلُ فِيهِ ضِمْنَ الْآيَةِ: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. وَكَذَلِكَ مِمَّا يَنْبَعُ عَلَيْهِ فِي مَوْضُوعِ الْأَضَاحِيِّ، أَنَّكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ الْأَصْلُ فِي الْأُضْحِيَةِ أَنْ تُنْحَرَ وَتُذْبَحَ بِيَدِك. لَكِنَّ إنْ أَرَدْت أَنْ تُنِيبَ وَأَنْ تُوكِّلَ، فَوَكِّلْ. وَنَبَّهْنَا عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الدُّرُوسِ الْمَاضِيَةِ. لَكِنَّ مِمَّا يَنْبَعُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ، أَنَّهُ فِي الْأُضْحِيَةِ الَّذِي سَيَذْبَحُ لَكَ، وَإِذَا أَرَدْت أَنْ تُكَافِئَهُ عَلَى ذَبْحِهِ، فَلَا تُعْطِهِ شَيْئًا مِنْ الْأُضْحِيَةِ كَأُجْرَةٍ، لَا تُعْطِهِ شَيْئًا مِنْ الْأُضْحِيَةِ. هَذِهِ الْعَادَةُ مَوْجُودَةٌ عِنْدَنَا، بَعْضُ الذَّبَاحِينَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَذْبَحَ لَكَ، يَقُولُ لَك: عَلَى كَمْ سَأَذْبَحُ؟ تُعْطِيهِ سِعْرًا مِنَ الْمَالِ، فَيَقُولُ لَك: لَا، أَنَا مَا أَرْضَى بِهَذَا السِّعْرِ، لَكِنْ سَأَأْخُذُ الرَّأْسَ وَالْجِلْدَ، وَهَذَا الشَّيْءَ كَثَمَنٍ. فَيَتَفِقُ الذَّابِحُ مَعَك عَلَى أَنَّهُ يَأْخُذُ كَأُجْرَةٍ شَيْئًا مِنْ الْأُضْحِيَةِ، مِنْ جِلْدِهَا أَوْ مِنْ رَأْسِهَا، وَشَيْءٌ مِنْ لَحْمِهَا. هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ، إخْوَانِي فِي اللَّهِ، يَقُولُ الْعُلَمَاءُ: إنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ، لَا يَجُوزُ أَنْ تُعْطِيَ الذَّابِحَ أَوْ الذَّبَاحَةَ وَالْجَازِرَ شَيْئًا مِنْ الْأُضْحِيَةِ، مَا يَجُوزُ. قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: كَيْفَ نُعْطِيهِ؟ طَبْعًا الدَّلِيلُ مَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، حَيْثُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِجُلُودِهَا وَلُحُومِهَا، وَأَنْ لَا أُعْطِيَ الْجَازِرَ شَيْئًا، وَأَنْ لَا أُعْطِيَ الْجَازِرَ شَيْئًا». الْجَازِرُ مَا يَتَحَصَّلُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْأُضْحِيَةِ. قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: كَيْفَ أَنَا؟ هَلْ سَيَذْبَحُ لِي مَجَّانًا؟ لَا تُعْطِهِ مِنْ مَالِك، وَلِهَذَا فِي رِوَايَةٍ فِي مُسْلِمٍ، قَالَ عَلِيٌّ: «وَنَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا». نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا. يَأْتِي الذَّبَاحُ يَقُولُ: هَذِهِ الذَّبَاحَةُ عِنْدَهَا أَرْبَعُ رُءُوسٍ، خَمْسَةُ رُءُوسٍ، عَشْرٌ، وَذَبَحَهَا، تَتَفِقُ عَلَى سِعْرٍ، سِعْرِهِ مِنْ الْمَالِ، لَيْسَ مِنْهَا، إنَّمَا مِنْ عِنْدِك، تُعْطِيهِ مَالًا، أَلْفُ رِيَالٍ، خَمْسُمِائَةٍ عَلَى كُلِّ رَأْسٍ، أَلْفٌ، أَلْفٌ، خَمْسَةُ آلَافٍ عَلَى خَمْسَةِ رُءُوسٍ، تَتَفِقُ بِمَالٍ، هَذَا مَا أَوْ أَيُّ شَيْءٍ زَادَ، ذَهَبٌ، فِضَّةٌ، عَقَارٌ، سِلَعٌ. فَتَفْهَمُونَ يَا... قَالَ: «وَنَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا». لَكِنْ تُعْطِيهِ مِنْ الْأُضْحِيَةِ فَلَا. وَهَذَا خَطَأٌ يَنْبَعُ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَتَسَاهَلُ فِي هَذَا الْبَابِ، أَنَّهُ يُعْطِيَ الْجَزَارِينَ، وَخَاصَّةً كَالرُّءُوسِ وَالْجُلُودِ، يُعْطُونَهُمْ مَاذَا؟ الْجَزَارُ، فَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا. لَا تُعْطِ الْجَزَارَ شَيْئًا مِنْ هَذَا الْبَابِ، بَلْ لِمَاذَا؟ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْبَابِ يَقُولُونَ: إنَّكَ لَمَّا تُعْطِيَ الْجَزَارَ شَيْئًا مِنْ الْأُضْحِيَةِ، هَذَا مَعْنَاهُ مَاذَا؟ أَنَّ هَذِهِ الْأُضْحِيَةَ، وَهَذَا الشَّيْءَ الْمَخْرُوجَ الَّذِي قَدْ أُخْرِجَ مِنْ الْأُضْحِيَةِ، عَبَارَةٌ عَنْ عِوَضٍ عَنْ عَمَلِهِ. أَنْتَ عَمِلْت لِي عَمَلًا، فَمُقَابِلَ هَذَا الْعَمَلِ، هَذَا الْعِوَضُ شَيْءٌ مِنْ لَحْمِ الْأُضْحِيَةِ. قَالُوا: هَذَا الْعِوَضُ يَدْخُلُ فِي بَابِ الْبَيْعِ، يَدْخُلُ فِي بَابِ الْبَيْعِ. وَالْأُضْحِيَةُ لَا تُبَاعُ، الْأُضْحِيَةُ لَا تُبَاعُ؛ لِأَنَّك قُلْت مَاذَا؟ «اللَّهُمَّ هَذَا مِنْك وَإِلَيْك». هِيَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَكَيْفَ تَسْتَفْيدُ مِنْهَا بِبَيْعٍ؟ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ مِنْهَا شَيْءٌ. وَأُدْخِلَ عُمُومًا مِنْ ذَلِكَ: لَا يُبَاعُ مِنْهَا اللُّحْمُ، وَلَا يُبَاعُ مِنْهَا الْجِلْدُ، وَلَا يُبَاعُ مِنْهَا أَيُّ شَيْءٍ. وَإِنَّمَا إمَّا تَأْكُلُ، وَإِمَّا تَتَصَدَّقُ، وَإِمَّا تُهْدِي. أَمَّا بَيْعُ شَرَائِ