الدرس في شرح فتح المجيد 79، ألقاها
يشرح الشارح الآيات التي تبين عجز المدعوين من دون الله عن الاستجابة للدعاء، وانتفاء الأسباب التي تجعلهم يستحقون الدعاء مثل الملك وسمع الدعاء والقدرة على الاستجابة. يُظهر أن دعوة غير الله شرك بالله.
يناقش توحيد الله تعالى وعدم قدرة المعبودين من دونه على الاستجابة أو التأثير، ويبين أن الأمر كله بيد الله وحده. يشير إلى الآيات القرآنية التي تنفي قدرة هؤلاء المعبودين على سماع الدعاء أو الاستجابة له.
يشرح حادثة كسر رباعية النبي صلى الله عليه وسلم وجرح شفته، ويبين معنى الرباعية وأهمية ابتلاء الأنبياء لنيل الأجر والثواب وتعزية الأمم بهم. يذكر آراء العلماء مثل القرطبي والنووي في شرح المصطلحات المتعلقة بالحادثة.
بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾. قال الشارح رحمه الله تعالى: يخبر تعالى عن حال المدعوين من دونه من الملائكة والأنبياء والأصنام وغيرها، بما يدل على عجزهم وضعفهم، وأنهم قد انتفت عنهم الأسباب التي تكون في المدعو، وهي الملك، وسماع الدعاء، والقدرة على استجابته. فمتى لم توجد هذه الشروط تامة بطلت دعوته، فكيف إذا عدمت بالكلية؟ بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، يقول الشارح رحمه الله تعالى: يخبر تعالى عن حال المدعوين من دونه، أي في الآية: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾. وهذا على سبيل الفرض، وإلا في الحقيقة فإنهم لا يسمعون، ولو فرض أنهم يسمعونكم فإنهم لا يستجيبون لكم؛ لعجزهم. قال الله جل وعلا: ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَيُنَبِّئَنَّكُمْ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾. فبين الشارح رحمه الله تعالى وجه إيراد الشيخ رحمه الله تعالى لهذه الآية تحت هذا الباب، وهو قوله رحمه الله: يخبر تعالى عن حال المدعوين من دونه، أي الذين عبدوا من دون الله جل وعلا. قال: من الملائكة والأنبياء والأصنام وغيرها، أي سواء كان ذلك المعبود خيرًا صالحًا أو كان غير ذلك، قال: بما يدل على عجزهم وضعفهم، ولو كانوا من الملائكة الكرام المقربين، ولو كانوا من الأنبياء الأجلة المرسلين، كلهم عاجزون عن نفع أحد أو دفع ضره إلا أن يشاء الله. قال رحمه الله: وأنهم قد انتفت عنهم الأسباب التي تكون في المدعو، وهي الملك، ومعنى هذا أن الإنسان إذا دعا غيره، إنما يدعوه؛ لأنه يعتقد أنه مالك للنفع أو لدفع الضر. قال: وهي الملك، وسماع الدعاء، والقدرة على استجابته. فهؤلاء المدعوون لا يملكون شيئًا، ولو كان هذا الشيء من أحقر الأشياء وأصغرها. قال الله جل وعلا: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾، والقطمير: هو الغشاء الذي يكون على نواة التمر. فقول الله جل وعلا: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ معناه أنهم لا يملكون شيئًا أبدًا، ولو كان ذلك الشيء حقيرًا. قال: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾، وهذا الأمر الثاني، فإنهم لا يسمعون. ثم قال: على سبيل الفرض، وإلا فإنهم لا يسمعون. ولو سمعوا ما استجابوا لكم. إذن، كما ذكر رحمه الله تعالى، انتفت عنهم الأسباب التي تكون في المدعو. قال: فمتى لم توجد هذه الشروط تامة بطلت دعوته، فكيف إذا عدمت بالكلية؟ فإذا انتفى شيء منها على سبيل الفرض، لو قدر على سبيل الفرض، أما في الحقيقة فلا. لو قدر أن هؤلاء يسمعون، لكن لا يستجيبون، ولا يملكون، هل ينتفع الداعي من ذلك المدعو؟ لا. قال رحمه الله تعالى: وقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾، فتبين بهذا أن دعوة غير الله شرك. وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونَ لَهُمْ عِزًّا كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾. قال ابن كثير: يتبرؤون منكم كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾. قال رحمه الله تعالى: فنفى عنهم الملك بقوله: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾، قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطاء والحسن وقتادة: القطمير هو اللفافة التي تكون على نواة التمر. قال رحمه الله تعالى: كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾، وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾. قال رحمه الله تعالى: ونفى عنهم سماع الدعاء بقوله: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾؛ لأنهم ما بين ميت وغائب عنهم مشتغل بما خلق له، مسخر بما أمر به كالملائكة. قال رحمه الله تعالى: ثم قال: ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾؛ لأن ذلك ليس إليهم، فإن الله تعالى لم يأذن لأحد من عباده في دعاء أحد منهم؛ لا استقلالًا ولا بواسطة. قال رحمه الله تعالى: وهذا يبين لنا أن الأمر كله بيد الله جل وعلا، فالأمر منه وإليه. فإذا كان كذلك، فحق كل عبد أن يعرف حق ربه جل وعلا، وأن يتوجه إلى الله جل وعلا في كل أموره وكل ما يحتاجه. قال الله جل وعلا: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾، وقال: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. قال رحمه الله تعالى: وفي الصحيح عن أنس قال: شج النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، فقال: «كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟» فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله في الصحيح، أي الصحيحين، علقه البخاري عن حميد وعن ثابت عن أنس، ووصله أحمد والترمذي والنسائي عن حميد عن أنس به، ووصله مسلم عن ثابت عن أنس. قال رحمه الله تعالى: قوله: شج النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو السعادات: الشج في الرأس خاصة في الأصل، وهو أن يضربه بشيء فيجرحه فيه ويشقه. قال رحمه الله تعالى: وذكر ابن هشام من حديث أبي سعيد الخدري أن عتبة بن أبي وقاص هو الذي كسر رباعية النبي صلى الله عليه وسلم السفلاء، وجرح شفته السفلاء. قال رحمه الله تعالى: قال القرطبي: والرباعية بفتح الراء وتخفيف الياء، وهي كل سن بعد ثنية. قال النووي: وللإنسان أربع رباعيات. قال رحمه الله تعالى: وفي هذا وقوع الأسقام والابتلاء بالأنبياء؛ لينالوا جزيل الأجر والثواب، ولتعرف الأمم ما أصابهم، ويتأسوا بهم. قال رحمه الله تعالى: قلت: نكتفي إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.