شرح فتح المجيد 94

الدرس في شرح فتح المجيد 94، ألقاها

حماية النبي للتوحيد وبيان رسالته

هذا الفصل يتناول حماية النبي صلى الله عليه وسلم لجناب التوحيد وأهمية ذلك، كما يبين رسالته وشفقته على أمته. يشرح معاني الآيات التي تصف رسالة النبي وحرصه على هداية الناس.

تحريم اتخاذ القبور عيدا وإحياء البيوت بالعبادة

هذا الفصل يتناول نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن جعل القبور أو بيته عيدا يتردد إليه، وأهمية إحياء البيوت بالعبادة، وكيفية الصلاة عليه من أي مكان.

التوبة والاستغفار وطلب العفو

هذا الفصل يدعو إلى التوبة والاستغفار، ويقر الشخص بعدم وجود إله سوى الله ويطلب العفو والتوبة من الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا مباركا فيه ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم ما بعد. تنبيه للحديث الذي مر معنا في آخر درسه، حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج». نحن ذكرنا في الدرس الماضي أن الحديث محتمل للتحسين في إسناده، وحديث «زائرات القبور» يحتاج إلى مزيد التصليل. فكما مر معنا أن الشيخ الألباني رحمه الله تعالى رجح لفظ «زوارات»، وقال: هو المحفوظ. كذلك من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. هذا أمر. وقوله: «والمتخذين عليها المساجد» له شواهد كثيرة، قد مر معنا بعضها كما في حديث عائشة، وفي حديث أبي هريرة، وحديث جماعة من الصحابة، فيما مر معنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن اتخاذ القبور مساجد. وأما «سرج» فلم نجد لها شاهدا، وكذلك ذكر العلامة الألباني رحمه الله تعالى أنه لم يجد لها شاهدا. فإذا هذه اللفظة ضعيفة. ولفظة «زائرات» كذلك تكون ضعيفة، وأضح جماعة فيكون محفوظ «زوارات». ولفظة «سراج» كذلك ماذا ضعيفة؟ لأنه ليس لها شاهد يشهد لها. وأما «والمتخذين عليها المساجد» وهو المقصود من ذكر الحديث في هذا الباب، فإنه حسن بشواهده، بل قد ارتقى بكثرة الشواهد إلى أكثر من ذلك. لكن الصواب أن يقال: بأنه حسن لغيره، لأنه من طريق راو فيه ضعف. والله أعلم. طيب، نقرأ أسئلة الباب الماضي قبل أن ندخل في الباب الجديد. أسئلة «باب ما جاء أن الغلو في القبور أو في قبور الصالحين». صيروها أو ثانا. الأسئلة الثلاثة كما مضى معنا مرارا. السؤال الرابع: ما معنى الوثن؟ السؤال الأول: ما هو يا جماعة؟ ما علاقة الباب بكتاب التوحيد؟ الثاني: ما علاقة الباب بالذي قبله؟ الثالث: ما علاقة الأدلة بالباب؟ الرابع: ما معنى الوثن؟ الخامس: قوله في الحديث: «اشتد غضب الله يرحمك الله على قوم يتخذون قبور أنبيائهم مساجد» الحديث ماذا يستفاد منه؟ السؤال السادس: قول الشيخ رحمه الله تعالى في الباب: «باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيروها أو ثانا» ما معنى ذلك؟ أو ما معنى هذا الباب؟ ما معنى «يصيروها أو ثانا»؟ السؤال السابع: في الحديث: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد» ما حاله؟ الثامن: لماذا قطع عمر رضي الله عنه الشجرة؟ وماذا يستفاد من هذا الفعل؟ التاسع: قصة دانيال، ما صحتها؟ وهل هو نبي؟ وماذا يستفاد من فعل الصحابة في دعم قبره؟ السؤال الذي يليه: من قال من القبورية أو غيرهم: «أن في سقيا أهل الكتاب أن في سقيا أهل الكتاب في إخراجهم دانيال دليل على جواز ذلك» فمن رد على هذا؟ ما هي أقوال العلماء؟ الذي يليه: ما هي أقوال العلماء في زيارة النساء للقبور؟ وما هو الراجح منها؟ السؤال الذي يليه: ما حكم إسراج القبور؟ بسم الله الرحمن الرحيم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك». طيب. قوله رحمه الله تعالى: «باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك». وكما ذكر الشارح رحمه الله تعالى قال: «الجناب هو الجانب، والمراد حمايته عما يقرب إليه أو يخالطه من الشرك وأسبابه». والمراد بهذا الباب: بيان حمايته صلى الله عليه وسلم التوحيد عما يقرب منه أو يخالطه من الشرك وأسبابه. إذ هو أعظم الفرائض، بل لا تصح إلا به. لا إله إلا الله إلا بهذا، إلا بالخلوص من الشرك والبراءة منه ومن أهله. وهو الذي جاءت الرسل بالتحذير منه والنهي عما ينافيه والنهي عما يوصل إليه. نعيد: قلنا المراد حمايته صلى الله عليه وسلم التوحيد عما يقرب منه أو يخالطه من الشرك وأسبابه. إذ هو الضمير هاهنا عائد على التوحيد، إذ هو أعظم الفرائض، بل لا تصح إلا به. أعظم الفرائض الذي فرضها الله جل وعلا: التوحيد. ولا تصح أي الفرائض إلا به، أي إلا بالتوحيد. وهو الذي جاءت الرسل بالقيام به والنهي عما ينافيه. ومع حمايته لجناب التوحيد صلى الله عليه وسلم اجتهد في سد كل طريق يوصل أمته إلى الشرك. وحذر وأنذر وأبدى وأعاد وخص وعم وقطع الوسائل والذرائع المفضية إليه. كما فصلى الله عليه وسلم كما بلغ البلاغ المبين. وفي الأبواب المتقدمة شيء من حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم لجناب التوحيد. ولكن المصنف رحمه الله تعالى هنا ذكر هذا الباب لما فيه من الخصوصية من التحذير عن الشرك وبيان تحذير النبي صلى الله عليه وسلم الأمة من ذلك. قال رحمه الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. قال الشارح رحمه الله تعالى: قال ابن كثير: «يقول تعالى ممتنا على المؤمنين بما أرسل إليهم رسولا من أنفسهم، أي من جنسهم وعلى لغتهم». كما قال إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي منكم. كما قال جعفر بن أبي طالب للنجاشي، والمغيرة بن شعبة لرسول كسرى: «إن الله بعث فينا رسولا منا نعرف نسبه وصفته ومدخله ومخرجه وصدقه وأمانته». وذكر الحديث. طيب، الحديث حديث جعفر بن أبي طالب للنصارى في قصة في قصتهم الطويلة حينما ذهبوا إلى النجاشي إلى الحبشة في هجرتهم رضي الله عنهم وأرضاهم. حينما ذهبوا إلى هنا ثم بعثت قريش إليهم أو إلى النجاشي عمرو بن العاص وآخر من أجل أن يطلبوا من النجاشي أن يردهم إليهم. الحديث وفيه أن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه لما جاء إلى النجاشي وسألهم ذكر لهم ما ذكر من نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف هو فيهم. كما في حديث أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها. وقد رواها الإمام أحمد رحمه الله وغيره. وإسنادها حسن. إسناد حديث جعفر بن أبي طالب حسن. وهو في الصحيح المسند من دلائل النبوة لشيخنا العلامة الوادعي رحمه الله برقم 472 أو 473. وكذا حسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى أجمعين. وأما حديث المغير بن شعبة رضي الله عنه وأرضاه فرواه الطبري وغيره. وهو كذلك في الصحيح المسند من دلائل النبوة لشيخنا العلامة الوادعي صفحة 495. وإسناده قال شيخامان رحمه الله تعالى: «إسناده صحيح». وقال شيخنا: «إسناده صحيح». وشاهد منه: ما هو الشاهد منه؟ أنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو تفسير للآية: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾. فهذه الأحاديث مبينة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم منا، بل هو من أوسط العرب نسبا. فهو من قريش، بل هو من بني هاشم، بل هو من بني عبد المطلب. فهو خيار على خيار على خيار صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: وقال سفيان بن عيينة عن جعفر بن محمد عن أبيه في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ قال: «لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية». وقوله: وهذا كذلك صحيح. وهذا إسناده صحيح. صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى في «الإرواء». وهو مرسل صحيح. لأن محمدا من الحسن تابع. قوله: أولا في الأثر عن جعفر بن محمد عن أبيه. قوله: «قد جاءكم رسول من أنفسكم» قال: «لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية». أي أن نسبه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم نسب صحيح صاف. فأبو عبد الله ابن عبد المطلب. وقول: «لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية» لما عرف وذكر أنه قد كان في بعض الجاهليين -كما يحصل اختلاط الأنساب في بعض النساء- بعض الجاهليين كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها حينما ذكرت في نكاح الجاهلية. ذكرت من أنكحتهم: أن بعضهم يذهب بجاريته أو يذهب بالمرأة إلى أحد السادة والعظماء حتى يأتيها من أجل أن تحمل فتلد شجاعا فارسا. مثل ذلك: الشجاع وذلك الفارس وينسب إلى ذلك الرجل. واضح. فهنا جعفر بن محمد يحكي عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية. بل نسبه صاف طاهر صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. هذا أمر. وقوله: «عزيز عليه ما عنتم» كما ذكر الشارح رحمه الله: «قال: يعز عليه الشيء الذي يعنت أمته ويشق عليها». وهذا من كمال شفقته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم على أمته. فهو حريص أن لا يصيب أمته شيء مما يكرهه أو مما يكرهونه هم. وهذا كما هو ظاهر من كمال حرصه على أمته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وقوله في الحديث: «بعث بالحنيفية السمحة» هذا الحديث رواه أحمد وغيره. وجاء عن جماعة من الصحابة. جاء من حديث أبي أمامة، ومن حديث عائشة، ومن حديث جابر، ومن ابن عباس وغيرهم. وهو حسن في مجموع طرقه. حسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. صحيح برقم 2844. وحديث: «إن هذا الدين يسر» في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال رحمه الله تعالى: قوله: «حريص عليكم» أي على هدايتكم ووصول النفع الدنيوي والأخروي إليكم. وعن أبي ذر قال: «تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكر لنا منه علما». أخرجه الطبراني. قال: «وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بينته لكم». طيب. وهذا الحديث كذلك ولو أنه قال: «أخرجه الطبراني» بعد أن ذكر حكما كاملة كان أحسن. الحاصل أن الحديث كذلك صحيح. حديث أبي ذر صحيح. وهذا يدل كذلك على ما تقدر من أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حريص على أمته. ومن حرصه عليهم: أنه ما من خير إلا ودلهم عليه، وما من شر إلا وحذرهم منه. لذا قال: «ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بينته لكم». إلا وقد بينته لكم. فقول: «ما بقي شيء» نكرة في سياق النفي يدل على ماذا؟ يدل على عمومه. أي ما من شيء صغر أو كبر يقرب من الجنة ويبعد من النار إلا وقد بينه لنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وهذا من كمال نصحه وحسن بيانه لأمته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. والحديث كما سمعتم صحيح. صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. صحيح برقم 3803. قال رحمه الله تعالى: قوله: «بالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ» كما قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. فإن عصوك فقل: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾. وهكذا أمره تعالى في هذه الآية الكريمة. قلت: فاجتمعت هذه الأوصاف التي وصف الله بها رسوله في حق أمته: أن أنذرهم وحذرهم الشرك الذي هو أعظم الذنوب. وبيّن لهم درائعه الموصلة إليه. وأبلغ في نهيهم عنها. فمن ذلك: تعظيم القبور والغلو فيها والصلاة عندها وإليها ونحو ذلك مما يوصل إلى عبادتها. كما تقدم وكما سيأتي. وفيها حديث الباب. فهذا فيه المعنى الذي لأجله ذكر الشيخ رحمه الله تعالى هذه الآية ها هنا. فيقول الشارح: يقول الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن ها هنا: «فاجتمعت هذه الأوصاف أي في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم التي وصف الله بها رسوله في حق أمته: أن أنذرهم وحذرهم الشرك الذي هو أعظم الذنوب. وبين لهم درائعهم الموصلة إليه». إلى آخر ما ذكر. فهذا يبين مقصود الشيخ رحمه الله تعالى من إيراده لهذه الآية: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾. رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم. فهو عزيز أن يحصل لأمته شيء من العنت من المشقة من الأمور التي تبعدهم من الله جل وعلا. حريص عليكم أي على هدايتكم. ومن كمال هدايته ونصحه صلى الله عليه وسلم. ومن كمال هدايته لنا ونصحه لنا صلى الله عليه وسلم وإرشاده وبيانه: أنه ما من خير يقربنا إلى الله إلا ودلنا عليه. وما من شر يبعدنا من الله جل وعلا إلا وحذرنا منه. ومن أعظم الشر: الشرك بالله جل وعلا. وكل شيء يوصل إلى الشرك بالله جل وعلا. فظهرت بذلك المناسبة من هذه الآية تحت هذا الباب. قال رحمه الله تعالى: قال المصنف رحمه الله تعالى: أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا. وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم». وقواه أبو داود بإسناد حسن. ورواته الثقات. طيب. وهذا الحديث كذلك صحيح. وإن كان في سنده عبد الله بن نافع الصائغ وهو حسن حديث. إلا أنه هنا حدث من كتابه. وكتابه صحيح. كما نبه على ذلك العلامة الألباني رحمه الله تعالى في «صحيح أبي داود». طابق. قال رحمه الله تعالى: قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا» قال شيخ الإسلام: «أي لا تعطلوها من الصلاة فيها والدعاء والقراءة. فتكونوا في منزلة القبور». فأمر بتحري العبادة في البيوت. ونهى عن تحريها عند القبور. عكس ما يفعله المشركون من النصارى ومن تشبه بهم من هذه الأمة. ففي الصحيحين عن ابن عمر مرفوعا: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورا». ففي صحيح مسلم عن ابن عمر مرفوعا: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر. فإن الشيطان يفر من البيت الذي يسمع سورة البقرة تقرأ فيه». طيب. وهذه الأحاديث كما ترون: الأول في الصحيحين كما ذكر رحمه الله تعالى. والثاني في صحيح مسلم كما ذكر كذلك رحمه الله تعالى. والشاهد من هذا واضح. وهو أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا». وفي الألفاظ الأخرى: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر». مقصوده أو فيه بيان: أن البيوت ينبغي أن تحيا بذكر الله جل وعلا. البيوت ينبغي أن تحيا بذكر الله جل وعلا وأن تحيا بالصلاة فيها وبالقراءة فيها والذكر فيها. وفي الحديث إشارة كما قال العلماء رحمهم الله تعالى: إلى أن قراءة القرآن في المقابر لا تجوز. على أن قراءة القرآن في المقابر لا تجوز. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا». وهذا خبر. وهذا إخبار عن الأمر الواقع. وإخبار عن الأمر الواقع والذي ينبغي أو يجب أن يكون. وهو أن المقابر لا تقرأ فيها. لا يقرأ فيها ماذا؟ القرآن. ولا يتعبد الله جل وعلا بها. لذا قال: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورا». هذا فيه دلالة على أنه لا يقوم صلاتين هاهنا. جماعة. على أن المقابر لا تجوز الصلاة فيها. وقوله: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر. فإن الشيطان يفر من البيت الذي يسمع الذي يسمع فيه الذي يسمع سورة البقرة تقرأ فيه». فيه إشارة أيضا إلى ماذا؟ إلى هذا المعنى. إلى أن البيوت يستحب أن تكون ماذا؟ أماكن لعبادة الله جل وعلا. بقراءة القرآن وبالصلاة وبفعل ما تيسر من الطاعات فيها. وأما المقابر فإنه لا يشرع ذلك. بل ثبت الأمر على أنه لا يجوز أن يقرأ فيها القرآن. ولا أن تتخذ ماذا؟ أن تتخذ مسجدا. لهذه الأحاديث وأمثالها. قال رحمه الله تعالى: قوله: «وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا» قال شيخ الإسلام: «العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد عائد. إما بعود السنة أو بعود الأسبوع أو الشهر ونحو الثالث». وقال ابن القيم: «العيد ما يرتاد مجيئه وقصده من زمان ومكان. مأخوذ من المعاودة والاعتياد». فإذا كان اسما للمكان فهو المكان الذي يقصد فيه الاجتماع. لعبادته أو لغيرها. كما أن المسجد الحرام ومزدلفة وعرفة والمشاعر جعلها الله عيدا للحنفاء ومثابة. كما جعل أيام التعبد فيها عيدا. وكان للمشركين أعياد زمانية ومكانية. فلما جاء الله بالإسلام أبطلها. وعوض الحنفاء منها عيد الفطر وعيد النحر وأيام منى. كما عوضهم من أعياد المشركين المكانية: الكعبة ومزدلفة وعرفة والمشاعر. فالحاصل: أن الأعياد كما ذكر رحمهم الله تعالى كما ذكر هؤلاء العلماء رحمهم الله تعالى: من عادة يعود عودا هو من المعاودة. وقد تكون الأعياد زمانية. وقد تكون الأعياد مكانية. وكلها سمى أعيادا. ويطلق عليها بأنها أعياد. ما دام أن الناس يتخذونها أعيادا. أي شيئا يعودونه فيه. إما في زمن معين أو مكان معين. كله يسمى ماذا؟ يسمى عيدا. وإذا كان كذلك. فقوله النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا تجعلوا قبري عيدا» يشمل هذا وهذا. يشمل المعنى: لا تجعلوه قبرا أو لا تجعلوه قبري عيدا. أي مكان يعاد فيه. إما للتعبد وإما لغير ذلك. إما للتعبد وإما لغير ذلك. لا في زمن ولا في مكان. لا تجعل المكان لذلك. ولا تجعل له زمنا لذلك. أي للتعبد فيه. وهذا النهي كما ترون: نهي صريح من رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا الأمر. مع أن الناس كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اجعلوا قبري عيدا». كثير من الناس كأنهم فهموا لا تجعلوا. كأنهم فهموا منه أنه يقول ماذا؟ «اجعلوا قبري عيدا». وهذا من المحادة والمشاطة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. بمكان فكيف النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تجعلوا قبري عيدا». ومع هذا يتخذون قبره بل وقبر من هو دونهم عيدا ومزارا. والله المستعان. قال رحمه الله تعالى: قوله: «وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» قال شيخ الإسلام: «يشير بذلك إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم. فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيدا». انتهى. وهذا كما ترون كذلك: فيه أن من صلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم. سواء كان قريبا أو بعيدا. فإنه يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا مما أكرم الله جل وعلا به رسوله. فإنه قال: «وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم». سواء كنتم قريبين أو بعيدين. وفي هذا كذلك: قطع الباب الموصل أو المغذي إلى ماذا؟ إلى الشرك بالله. فبعض الناس يقول: سأذهب إلى رسول الله أو إلى قبر رسول الله من أجل أن أسلم عليه وأصلي عليه. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «صلوا حيث ما كنتم. فإن صلاتكم ستصل إلي». سواء كنت قريبا أو كنت ماذا؟ أو كنت بعيدا. والله أعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك. لا إله إلا أنت. أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على