الدرس في شرح فتح المجيد 130، ألقاها
يبدأ الشيخ بشرح معنى الشرك اللفظي الأصغر ويبين أن بعض الألفاظ قد تكون من الشرك الأصغر. يستدل بقول الله تعالى ﴿فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾ على تحريم الشرك الأصغر اللفظي.
يشرح المقطع معنى الند والشرك ويبين أن الند قد يطلق على الشرك الأصغر كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم. الآية ﴿فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾ تستدل على الشرك الأكبر والأصغر.
استدل الله تعالى على وجوب توحيد الألوهية بتوحيد الربوبية، وبينت الآيات والأحاديث أن الشرك يكون حتى في الألفاظ والعبارات. حديث النبي صلى الله عليه وسلم يحذر من الحلف بغير الله ويعتبره كفرًا أو شركًا أصغر.
بسم الله الرحمن الرحيم قال المصنف رحمه الله تعالى: باب قول الله تعالى ﴿فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾. بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، من وعلاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، فكما تقدم معنا في الدرس الماضي أن هذا الباب، وهو باب قول الله تعالى ﴿فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾، والباب الذي قبله، ذكرهما الشيخ الإمام المجدد المصلح محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى وغفر له وعلى درجته فعليين، ذكر هذين البابين ليبين ما يقع فيه كثير من الناس من الشرك الأصغر، ولا سيما في الألفاظ. وتقدم معنا في الباب الماضي أن من ذلك الشرك أن يقول الإنسان: ورثته للك المال عن آبائه، أو ما شابه ذلك، ولولا فلان لم يحصر كذا، ولولا فلان لكان كذا، وما شابه ذلك، فهذا من قسم الشرك اللفظي، وهو من الشرك الأصغر. وهذا الباب كذلك ذكره الشيخ رحمه الله تعالى ليبين هذا المعنى، لذا قال الشيخ العلامة المحقق سليمان البيع عبد الله رحمه الله تعالى في «تيسير العزيز الحميد» الذي هو أصل «فتح المجيد»، قال في ذكر مراد الشيخ رحمه الله تعالى من هذا الباب: اعلم أن من تحقيق التوحيد الاحتراز من الشرك بالله في الألفاظ. قال: وإن لم يقصد المتكلم بها معنى لا يجوز، وإن كان هو من حيث القصد ومن حيث النية لم يقصد معنى لا يجوز، ولكنه ذكر لفظا لا يجوز، فهو باعتبار اللفظ وقع في الشرك، باعتبار اللفظ وقع في ماذا؟ في الشرك الأصغر اللفظي. قال رحمه الله تعالى: بل ربما تجري على لسانه من غير قصد، كما جرى لبعض الناس، ولا سيما من كان حديث عهد أو من كان قد اعتاد على بعض الألفاظ تجري على لسانه بعض الألفاظ، يحلف مثلا بالآباء أو بأبيه أو ما شابه ذلك، فهذا كذلك من قسم الشرك اللفظي، وإن لم يكن يقصد بأن أباه يستحق أن يحلف به أو أنه معظم أو ما شابه ذلك، ولكن قد جرت على ألسنة الناس مثل هذا من الألفاظ الشرطية. لذا قال الشيخ: بل ربما تجري على لسانه من غير قصد، كما يجري على لسانه ألفاظ من أنواع الشرك الأصغر، كما مر معنا أيضا، يقول: هذا المال ورثته عن آبائك، ولولا فلان لهلكنا، ولولا فلان لغرقنا، ولولا فلان لما جاء ذلك الأمر، أو ما شابه ذلك، عبارات قد لا يتفطن إليها المسلم، ولكنها ألفاظ شركية، وهي من باب الشرك اللفظي الأصغر. قال الشيخ رحمه الله تعالى: بل ربما تجري على لسانه من غير قصد، كمن يجري على لسانه ألفاظ من أنواع الشرك الأصغر، لا يقصدها، فهو من نوع الباب هذا والباب الذي قبله يدخل في ماذا؟ أراد الشيخ رحمه الله تعالى أن يتمم هذا الكتاب. وكما تعلمون وذكرنا هذا مرارا أن الشيخ رحمه الله تعالى ذكر في هذا الكتاب أمور التوحيد، وذكر كذلك مكملاتها، وذكر كذلك ما يكمل التوحيد، وذكر كذلك ما يناقض التوحيد، وما يناقض كذلك كماله، فهذا القسم مما يناقض كمال التوحيد، لا أصله، إلا إن كان في القلب معنى يخرجه عن هذا الأصل ويصيره من الشرك الأكبر، كما سيأتي بإذن الله جل وعلا. فالحاصل أن هذا الباب والباب قبله يسيران على مسار واحد، الناظر في هذه الآية في قول الله جل وعلا ﴿فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾، والند في هذه الآية قد يقول قائل: إن الآية نزلت في الشرك الأكبر، فلماذا تستدلون بها على الشرك الأصغر؟ قال الشيخ سليمان رحمه الله تعالى: فإن قيل: الآية نزلت في الأكبر، قيل: السلف يحتجون بما نزل في الأكبر على الأصغر، وذكر رحمه الله تعالى ما جاء عن بعض السلف رحمه الله تعالى من تفسير هذه الآية بهذا المعنى. فالآية وإن كانت في الأكبر، فكما هو معلوم أنها من حيث العموم تدل على أن الشرك الأصغر كذلك يدخل في معناها، فالله جل وعلا يقول: ﴿فلا تجعلوا لله أندادا﴾، لا في الشرك الأكبر، وهذا واضح وجلي وظاهر، ولا تجعلوا له أندادا كذلك في ماذا؟ في الشرك الأصغر. لذا حينما قال رجل: وفي ما شاء الله وشئت، أي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «أجعلتني لله ندا، بل قل: ما شاء الله ثم شئت»، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: سواء سمى النبي صلى الله عليه وسلم هذا اللفظ مع أنه ما قصد التسوية من جميع الوجوه، ولكن سماه النبي صلى الله عليه وسلم هذا ندا، قال: «أجعلتني لله ندا»، فهذا يدلنا على أن الند ربما أطلق وأريد به الشرك الأصغر. ولأجل هذا المعنى ذكر الشيخ رحمه الله تعالى هذه الآية ها هنا ليبين هذا المعنى الذي قد يخفى، لأن قائلا قد يقول: الند لا يكون إلا في الشرك الأكبر، فأراد الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى، ذاك الإمام المحقق المدقق رحمه الله تعالى، أن ينبه على هذا الشيء الذي قد يخفى على طائفة من الناس، أن الند ربما يطلق ويراد به ماذا؟ يراد به الشرك الأصغر، كما سيأتي بيانه في هذا الباب الذي عقده الشيخ رحمه الله تعالى لهذه المسألة. وأما الشرك الأكبر فالأمر فيه ظاهر جلي، فالآية يستدل بها على الشرك الأكبر، ويستدل بها كذلك على الشرك الأصغر. قال الشارح رحمه الله: العلاقة ظاهرة، وقد ذكرناه في الدرس الماضي، أن العلاقة بينهما أن هذا الباب والباب الذي قبله فيه تنبيهات من الشيخ على ما يقع فيه كثير من الناس من الشرك اللفظي الذي هو الشرك الأصغر. قال الشارع رحمه الله: إن ند المثل والنظير، وجعل الند المثل والنظير، نعم، قال الشارع رحمه الله: الند المثل والنظير، وجعلوا الند لله، وصرفوا أنواع العبادة أو شيئا منها لغير الله، كحال عابدي الأوثان الذين يعتقدون فيمن دعوهم ورجوهم أنه ينفعهم ويدفع عنهم ويشفع لهم. قوله رحمه الله تعالى: الند المثل والنظير، وهذا واضح، معنى الند المثل أو النظير، يقال: هذا ند فلان، أي نظيره ومثله، وبعض أهل العلم كالراغب الأصفهاني في «مفردات القرآن» ذكر تقسيما في مسائل التسوية والمثل والشبه والكيف أو والمساواة، فذكر رحمه الله تعالى أن الند مساواة باعتبار الجوهر والحقيقة، والشبه مساواة باعتبار الكيفية، والمثل يعم ذلك كله. قوله رحمه الله: وجعل الند لله، أي أن يجعل العبد ندا لله جل وعلا، أي شيئا من خصائص الله جل وعلا، يجعلها لغير الله جل وعلا، فقد جعل الله نظيرا ومماثلا، وهذا الذي أراده الشيخ رحمه الله تعالى بقوله: وجعلوا الند لله، قال: هو صرف أنواع العبادة، لأن العبادة حق لمن؟ حق لله جل وعلا. قال ربنا جل وعلا: ﴿وما أمره إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿ألا لله الدين الخالص﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾، وقال نبينا صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتدري ما حق الله على العباد وما حق العبادة على الله؟ قال معاذ: الله ورسوله أعلم، فقال نبينا صلى الله عليه وسلم: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا»، فمن صرف نوعا أو شيئا من أنواع العبادة إلى غير الله جل وعلا، فقد أشرك بالله جل وعلا غيره، وجعل الله جل وعلا نظيرا مساويا مستحقا للعبادة كاستحقاقه لها. لذا قال الشيخ: هو صرف أنواع العبادة أو شيئا منها لغير الله، قال: كحال عابدي الأوثان الذين يعتقدون فيمن دعوهم ورجوهم أنه ينفعهم ويدفع عنهم ويشفع لهم، وقوله رحمه الله تعالى: فيمن دعوه ورجوهم أنه ينفعهم أو يدفع عنهم، باعتبار ماذا؟ باعتباره، وقال: ويشفع لهم، باعتبار أنهم جعلوهم واسطة بينهم وبين الله جل وعلا، اعتقدوا فيهم نوع نفع ونوع دفع ضر، وهذا كما ترون معنى من معاني الند. قال رحمه الله: وهذه الآية في سياق قوله: ﴿يا أيها الناس عبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناءا وأنزل من السماء ماءا فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾. وهذه الآية كما ذكر من ذكر من أهل العلم أول أمر في القرآن باعتبار تركيب القرآن، فإن الله جل وعلا ذكر هذه الآية أول أمر في سورة البقرة، قال الله جل وعلا: ﴿يا أيها الناس أعبدوا ربكم﴾، قال العلماء رحمهم الله تعالى: قال الله جل وعلا: ﴿يا أيها الناس﴾، وهذا يدل على أن النداء عام لجميع الناس، وقوله: ﴿أعبدوا ربكم﴾، ولم يقل: أعبدوا الله، قالوا: فيه إشعار بأن الله جل وعلا استدل عليهم بتوحيد ربوبيته على توحيد ماذا؟ على توحيد الألوهية، استدل عليهم بما يقرونه، وهو أن الله جل وعلا هو الخالق، هو الرازق، هو المدبر، الذي بيده كل شيء، استدل عليهم بذلك، إذا كان أنتم تقرون بهذا، فإنه يجب عليكم أن تجعلوا العبادة كلها لله جل وعلا وحده لا شريك له. كما بين: ﴿أعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾، ﴿الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناءا وأنزل من السماء ماءا فأخرج به من الثمرات رزقا لكم﴾، تقرون بهذا كله، قال الله عز وجل: ﴿فلا تجعلوا لله أندادا﴾، نضراء يستحقون العبادة كما يستحقها الله جل وعلا وحده لا شريك له. قال العماد بن كثير في تفسيره: قال أبو العالية: ﴿فلا تجعلوا لله أندادا﴾، أي عدلاء شركاء، وهكذا قال الربيع بن أنس وقتادة والسدي وأبو مالك وإسماعيل بن أبي خالد. قال ابن عباس: ﴿فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾، أي لا تشركوا بالله شيئا من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر، وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم الرسول إليه من توحيده هو الحق الذي لا شك فيه. وكذلك قال قتادة، وأثر ابن عباس رضي الله عنهما رواه ابن جرير، وهو من طريق محمد بن حميد الرازي، وهو كما مر معنا مرامتا منهم من يمشي حديثه، ومنهم من يضعف، ومنهم من يكذبه، والرازيون يكذبونه، وهم أعلم بصاحبهم من غيرهم. قال رحمه الله: وعن قتادة ومجاهد: ﴿فلا تجعلوا لله أندادا﴾، قال: أكفاء من الرجال تطيعونهم في معصية الله. وهذا القول فيما رأيت من قول ابن مسعود وابن عباس وغيرهم من الصحابة، ولم أره من قول قتادة ومجاهد، أي أن هذا الأثر رواه ابن جرير رحمه الله تعالى وغيره، لكن من قول ابن عباس، ومن قول كذلك ابن مسعود، وفي إسناده ضعف. قال: وقال ابن زيد: الأنداد الآلهة التي جعلوها معه، وجعلوا لها مثل ما جعلوا له. قال: وقال مجاهد: ﴿فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾، قال: تعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل، وذكر حديثا في معنى هذه الآية الكريمة، وهو ما في مسند الإمام أحمد عن الحارث الأشعري أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله أمر يحيى بن زكريا عليه السلام بخمس كلمات أن يعمل بهن وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن...». إلى أن قال: «أولاهن أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، فإن مثل ذلك كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بذهب أو ورق، فجعل يعمل ويؤدي غلته إلى غير سيده، فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك؟ وإن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئا». قال: وهذه الآية دالة على توحيد الله تعالى بالعبادة وحده لا شريك له، وقد استدل بها كثير من المفسرين على وجود الصانع، وهي دالة على ذلك بطريق الأولى، والآيات في القرآن الدالة على هذا المقام كثيرة جدا. قوله رحمه الله تعالى: وهذه الآية دالة على توحيد الله تعالى بالعبادة وحده لا شريك له، هذا دلالة على هذا المعنى واضح، ﴿فلا تجعلوا لله أندادا﴾، وقال الله جل وعلا في أول آية: ﴿يا أيها الناس أعبدوا ربكم﴾، قال: ﴿أعبدوا ربكم﴾، فهي دالة على توحيد العبادة دلالة واضحة. قال: وسئل أبو نواس عن ذلك فأنشد: «تأمل في نبات الأرض وانظر إلى آثار من صنع المليكه...». إلى أن قال: «وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد». قال المصنف رحمه الله تعالى: وعن ابن عباس في الآية: الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفات سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلانة، وحياتي، وتقول: لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتانا اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيا فلانا، هذا كله به شرك. قال الشارح رحمه الله: وقوله رحمه الله تعالى: ولولا البط في الدار لأتانا اللصوص، هذا الأولى، وقوله: وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، هذا كذلك من الشرك في اللفظ، لماذا؟ لأنه عطفها بواو العطف التي تفيد ماذا؟ التسوية، فقوله: ما شاء الله وشئت، من التسوية في اللفظ، لذا بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الواجب في مثل هذا المقام أن يقول ماذا؟ أن يقول: ما شاء الله ثم شئت. قال: فضلا وعلى المصنف رحمه الله تعالى، وعن عمر بن خطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك»، رواه الترمذي وحسنه وصححه الحاكم. قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله: فقد كفر أو أشرك، يحتمل أن يكون شكا من الراوي، ويحتمل أن تكون أو بمعنى الواو، فيكون قد كفر وأشرك، ويكون من الكفر الذي هو دون الكفر الأكبر، كما هو من الشرك الأصغر. قال: وورد مثل هذا عن ابن مسعود بهذا اللفظ.