فقه معاملة الناس

المحاضرة بعنوان فقه معاملة الناس، وكانت بمسجد السنة بالحامي الجمعة 2 محرم 1434هـ ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

أهمية الفقه في الدين ومعاملة الناس

يُشدد على أهمية الفقه في الدين كعلامة على إرادة الله الخير للعباد، ويُبين دور كتاب الله وسنة رسوله في توجيه المعاملات بين الناس وفق الميزان الشرعي.

التعامل بأحسن الآداب مع الناس

يجب على المسلم أن يتعامل مع جميع الناس بأحسن الآداب وأتم الأخلاق، دون تمييز بين الصغير والكبير أو الصديق والعدو، مع التأكيد على التعامل الإخوي بين المسلمين وحسن الخلق مع المخالفين.

قواعد فقه التعامل مع الناس

يتحدث عن قواعد التعامل مع الناس بأحسن الأخلاق، وإعطاء كل ذي حق حقه، والتعامل بما تستطيع من أدب وخلق دون انتظار مقابل، مع التغافل عن الزلات والاستمرار في العطاء.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

يتضمن الدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مع التأكيد على علم الله تعالى المطلَق.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على أنبيائه ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. منه بعد، فنحمد الله جل وعلا الذي وفقنا لهذا النطق، نحمده جل وعلا حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. وعلى الله خيرًا خانًا، صلى الله على نبينا محمد. أيها الأخوة في الله، إن من عظيم نعم الله جل وعلا على العباد الفقه في الدين، لأن ذلك أمارة وعلامة على إرادة الله جل وعلا الخير بعبده إذا فقهه في دينه. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما يُعِد الله به خيرا يسطنه في الدين». فمن أراد الله جل وعلا به الخير ثقفه في الدين. ومفهوم هذا أن من لم يُثقف في دين الله جل وعلا كان ذلك من أمارة إرادة الله جل وعلا الشر به، لأنه الذي أعرض وهو الذي زاغ قلبه. والله جل وعلا عامله بعدم الهداية. كان من أبرز علامات وسمات الطائفة المنصورة الفقه في دين الله جل وعلا. ولذلك قرن النبي عليه الصلاة والسلام بين ذكر الفقه في الدين والطائفة المنصورة. وهذا من بيان النبي عليه الصلاة والسلام بأن الفقه في الدين هو من أعظم صفات هذه الطائفة. أيها الأخوة في الله، إن كتاب الله جل وعلا إنما أنزله جل وعلا ليفقه العباد معاملتهم وتعاملهم تجاه ربهم عز وجل، وتجاه أنبياء الله جل وعلا ورسله، وتجاه أتباع الأنبياء، وتجاه والديهم، وتجاه أولادهم وأبنائهم، وتجاه أزواجهم، وتجاه إخوانهم، وتجاه أرحامهم، وتجاه أقاربهم، وتجاه أولياء أمورهم، وتجاه جيرانهم، وتجاه موافقيهم ومخالفيهم، وتجاه أعدائهم وأصدقائهم. هذا الموضوع موضوع مهم وموضوع عظيم، ونحن بحاجة ماسة إليه، خاصة في هذه الأزمنة التي حصل فيها اختلاط المفاهيم واضطراب الأقوال. فهناك من نصب نفسه حاكمًا على معاملات الناس بعضهم ببعض بغير دليل من كتاب الله ولا من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. ولذلك اضطربت معاملة الناس ما بينهم، بين الأبناء وأبائهم، وبين الإخوة وأخوانهم، وبين الإخوة وأخواتهم وأرحامهم. وكل ذلك بسبب عدم الأخذ بالميزان الشرعي الذي يدل عليه كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. أما أهل السنة والجماعة بحمد الله جل وعلا فإنهم فقهوا كتاب الله جل وعلا وتأملوا النصوص الواردة في الكتاب والسنة. فأخذوا بهذه النصوص وعاملوا الناس بحكموا في أنفسهم وعاملوا الناس وفق هذه النصوص. فنجوا من الوقوع في أعراض الناس ونجوا كذلك من اعتداء على الناس بغير حق. ونجوا كذلك من الاضطرابات التي وقع فيها أولئك الذين لم يسيروا على هذا السير الذي أمر الله جل وعلا السير عليه. على سبيل المثال، من الناس من ربما أخذ نصوص العزلة وصار قد اعتزل الناس. وهناك أناس غلوا في الأخذ بالمواقد الشديدة التي صدرت من أنبياء الله جل وعلا تجاه أقوامهم. وبالمقابل أهدر نصوصًا كثيرة أكثر وأوضح من هذه النصوص التي تمسكوا بها في الرفق والتسامح. فالشدة في موضعها والرفق في موضعه. وهذا يدلنا على أن هذا الأمر أمر عظيم، وفقه هذا الأمر ليس بالهين. ولا يتأتى إلا لمن وفقه الله جل وعلا. من المواقف التي نذكرها وندكر ما نستحضره في مثل هذا المقام، مثلًا لو تأملنا في كتاب الله جل وعلا إلى مواقف الخليل إبراهيم عليه السلام. كيف كان تعامله مع ذلك الذي حاجه في ربه؟ قال جل وعلا: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. وكذلك تأمل موقف الخليل إبراهيم وتعامل إبراهيم الخليل عليه السلام مع قومه الذين عبدوا الأصنام وعبدوا الشمس وعبدوا القمر. قال جل وعلا: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. وهكذا تأمل موقف هارون عليه السلام مع قومه حين خلفه موسى على قومه. فالسامري أتى لهم وأمرهم بعبادة العجل. فهارون تركهم وسكت ولم يتكلم. كما قال جل وعلا في كتابه الكريم على لسان نبيه موسى عليه السلام: ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾. قال: ﴿قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾. أيها الأخوة في الله، إن من أهم قواعد فقه التعامل مع الآخرين أن المسلم يتعامل مع جميع الخلق بأحسن الآداب وأتم الأخلاق. مع جميع الناس، مع الصغير والكبير، مع القريب والبعيد، مع الصديق والعدو. قال عليه الصلاة والسلام: «لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا». «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه». كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه. فالنبي صلى الله عليه وسلم ما ميز أحدًا دون أحد، وإنما الكل تعامل على أنهم إخوة. قال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. ومن تأمل في أدلة المروية في هذا الباب تجد أنها تدل على عموم التعامل مع جميع الناس بأحسن الأخلاق. حتى مع المخالف، حتى مع العصاة، ليس كونه عاصيًا أنك تتجاوز الحد معه. قال عليه الصلاة والسلام في حديث ماعز بن مالك: «لا تلعنوه، إنه يحب الله ورسوله». مع أنه عاصٍ وقع في معصية كبيرة، ولكن لا يجوز التعدي عليه. وكذلك مع المبتدع، التعامل مع المخالف والمعاملة مع المبتدع من الأمور التي اضطرب فيها الكثير من الناس. وأظن لا يسع المقام لذكر القواعد المتعلقة بالتعامل مع المبتدع. ولكن ينبغي أن نعلم أن أهل السنة والجماعة أمرهم ربنا جل وعلا بأنهم مع المخالف يتعاملوا معه بأكمل الأخلاق وأحسن الآداب. ولو كان مخالفًا ولو كان مبتدعًا ولو كان ضالًا. قال جل وعلا: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. القاعدة الثانية: أن المعروف الذي تبذله للناس يختلف اختلافًا بينًا بحسب مرتبة الشخص في دين الله جل وعلا. فالناس لهم مراتب ومنازل، فتعطي لكل ذي حق حقه. قال عليه الصلاة والسلام: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم والحامل للقرآن غير الغال فيه ولا الجافي عنه والإمام المقسط». فهؤلاء سنف أمرنا ربنا جل وعلا بأن نجلهم. وكذلك الوالدين، أمر ربنا جل وعلا بالإحسان إليهما. قال جل وعلا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. والزوجة، أمر ربنا جل وعلا بالإحسان إليها وعاشرها بالمعروف. وهكذا أهل العلم، فكل يعطى قدره الذي أمرك الله جل وعلا أن تعطيه. فليس الشريف كالوضيع، وليس العالم كالجاهل. يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا». فمن فقه التعامل أنك تنزل الناس منازلهم. أيها الأخوة في الله، إن من القواعد أيضًا في باب التعامل مع الناس أنك تتعامل معهم بما تستطيع من كل أدب وفي كل خلق على ما تستطيع. ولا ترجو مقابل هذا الخلق وهذا التعامل. قال عليه الصلاة والسلام: «أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك». فهذا يحتاج إلى فقه. وكذلك من القواعد أن الخطأ في تعاملك مع الناس وارد. فلا تغضب ولا تحاسب على كل خطأ. قال جل وعلا: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾. فقه التعامل أنك تستمر في العطاء، وهكذا في حق الزوجة، فأمر الزوجة أن تعامل بالمعروف ولو قصرت. قال عليه الصلاة والسلام: «استوصوا بالنساء خيرًا، إنهن خلقن من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه». فمن فقه التعامل أنك تعامل الناس بالمعروف ولو ظلمك ولو جار عليك. قال عليه الصلاة والسلام: «أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك». ومن القواعد أيضًا التغافل، وهو سلوك شرعي جاءت به السنة. أن تتغافل عن الزلات التي تقع أمامك. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: «وفي ذلك استنباط على استحباب تغافل أهل الصلاح عن سفاهة المبطلين». قال الشافعي رحمه الله تعالى: «الكيس العاقل هو الفطن المتغافل». والتغافل يرفع بلاء كثيرًا. نسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.