المحاضرة بعنوان حيا على جنات عدن، وكانت بمسجد عبدالرحيم بالشحر الجمعة ٦ جمادى الآخر ١٤٣٦هـ ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
الجنة هي الغاية العظمى التي سعى إليها الأنبياء والصحابة ببذل الجهد والصبر، وقد حث النبي ﷺ أصحابه على المسارعة إليها. وصفها ابن القيم بأنها سلعة غالية لا ينالها إلا أهل التقوى والإيمان، وأن السعادة الأبدية تتحقق بدخولها.
الدنيا دار فانية متقلبة ليست مستقراً للإنسان، بينما المسكن الحقيقي هو الجنة التي أخرج منها آدم وذريته. تُعرف الجنة بأسماء كدار السلام ودار المقامة، وهي سالمة من كل نقص ونعيمها سرمدي لا ينقطع.
أهل الجنة يتمتعون بنعيم دائم يتجدد، وهم الذين طابت اعتقاداتهم وأقوالهم وأعمالهم. حذر القرآن من تبرير التنازل عن الدين بحجة الاستضعاف، مبيناً مكانة الجنة في أعلى عليين عند سدرة المنتهى.
للجنة ثمانية أبواب تسمى بأسماء الأعمال كالباب الصلاة والصيام والصدقة والجهاد، ويُدعى كل عامل من الباب المناسب لعمله، وكان أبو بكر الصديق جامعاً لخيرات الأبواب كلها. للمجاهدين مائة درجة تفصل بينها مسيرة خمسمائة عام، وتوجد شجرة طوبى يسير تحتها الجواد مائة عام، كما تتعدد أنهار الجنة بأنواعها.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فنحمد الله عز وجل حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، الذي وفقنا لهذا المجلس في بيت من بيوته، جل وعلا، يتذاكرون ما ينفعنا في أمر ديننا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجزينا جميعاً خير الجزاء. وأجزل الله خيراً أخانا الفاضل بهمام، حفظه الله، وهكذا أخانا الفاضل مازن بمطرف، حفظه الله تعالى، على هذه الكلمة الطيبة التي ذكر فيها بما جاء في الكتاب والسنة من أمر المسابقة والمسارعة إلى جنة الله تبارك وتعالى. والجنة هي الغاية المنشودة والأمنية المطلوبة لكل أحد، ما من أحد إلا وهو يريد أن يدخل جنة الله تبارك وتعالى. وهل قضى نوح عليه الصلاة والسلام تلك المدة، ألف سنة إلا خمسين عاماً، يدعو قومه ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً، إلى توحيد الله تبارك وتعالى، إلا لأجل الظفر والفوز بجنة الله تبارك وتعالى؟ وهل خاض موسى البحر هو وقومه إلا لأجل الظفر والفوز بجنة الله تبارك وتعالى؟ وهل أدخل النار إبراهيم عليه الصلاة والسلام وتحمل ذلك إلا لأجل ذلك المطلب العظيم الذي يرجوه من الله تبارك وتعالى، ألا وهو دخول جنة الله جل وعلا؟ فأنبياء الله جل وعلا جميعاً إنما بذلوا ما بذلوا، وصبروا على ما صبروا من الأذى والتعذيب والتقتيل والتشريد، إلا لأجل تلك الأمنية العظمى، الأمنية التي كانوا يريدونها من الله سبحانه وتعالى، وهم يعلمون عاقبة ذلك وما أعد الله سبحانه وتعالى لهم في تلك الجنة العظيمة التي عرضها السماوات والأرض. وكذلك كان نبينا صلى الله عليه وآله وسلم يحفز أصحابه إذا أمرهم إلى الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى، فكان يقول لهم: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض، قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض». يحشد عليه الصلاة والسلام هممهم ويرفع معنوياتهم لكي يعلموا أن المطلوب شيء عظيم، جنة الله تبارك وتعالى، فلذلك يهون عليهم ما يبذلون من قصارى جهودهم لأن المطلوب عظيم، وإنما المطالب العظيمة تحتاج في حصولها إلى بذل الجهود العظيمة، وكذلك إلى الصبر والاحتساب والجد والجهاد والمجاهدة. وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم، وعلى قدر الكرام تأتي المكارم. فلا شك أن أحداً يريد جنة عرضها السماوات والأرض، كيف يبخل بشيء يقدمه لنيل هذا المطلب العظيم الذي يطلبه من الله تبارك وتعالى؟ فكان عليه الصلاة والسلام يقول لأصحابه: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض»، حتى قال عمير بن الحمام رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله، جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: «نعم». وكان بيده تمرات أراد أن يأكلهن، قال: «لئن حييت حتى آكل هذه التمرات إنها لحياة طويلة، إنها لحياة طويلة». إذا أنا عشت حتى آكل هذه التمرات، فألقى ما في يده من التمرات، وجاهد في سبيل الله تبارك وتعالى حتى استشهد، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهو يقول: «بخٍ بخٍ، إنها لحياة طويلة، إن حييت حتى آكل هذه التمرات». فالنبي عليه السلام كان يحفز أصحابه إلى نيل جنة الله تبارك وتعالى، كما أمر الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133]، ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: 21]. والجنة هي الغاية المطلوبة كما تقدم، والعبد عليه أن يسعى جاداً مجتهداً في تحصيلها، ومن جد وجد، ومن زرع حصد. ذلك كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]. ومن خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، كما جاء من حديث أبي هريرة عند الترمذي، قال عليه الصلاة والسلام: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة». الجنة سلعة الله تبارك وتعالى، قد عرضها سبحانه وتعالى بأيسر الأثمان، بأيسر الأثمان. عرض الله سبحانه وتعالى جنة عرضها السماوات والأرض، من ينالها ينال أهل الإيمان وأهل التقوى وأهل المجاهدة. أما المقصر والمفرط والكسلان، فأنى له أن ينال هذا المطلوب العظيم وهذه السلعة الغالية، سلعة الله تبارك وتعالى؟ فلابد عليه أن يتحرك، عليه أن يتحرك كما يتحرك ذلك الذي يريد أن يصل في الوقت المناسب، فعليه أن يستغل الوقت وأن يسير وأن يدلج. من خاف أدلج، مشى وسار وتحرك. أنت تريد الجنة، فماذا قدمت لها؟ هل سرت إليها؟ هل خطوت الخطوات التي بها تصل إلى هذه الجنة، أم أنك واقف لا تتحرك؟ تريد الجنة عرضها السماوات والأرض وأنت واقف لا تتحرك، لا تجاهد نفسك، لا تسارع، لا تسابق، لا تنافس، لا تصبر على طاعة الله جل وعلا، لا تجاهد نفسك على الحلال وأكل الحلال وأكل الطيبات. فلابد يا عباد الله من المجاهدة، فمن جاهد نفسه ومن أدلج بلغ المنزل، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة». ويقول إمام القيمة رحمه الله تعالى في هذه الأبيات الطيبة في نونيته: «يا سلعة الرحمن لست رخيصة * بل أنت غالية على الكسلان يا سلعة الرحمن ليس ينالها * في الألف إلا واحد لاثنان يا سلعة الرحمن ماذا كفؤها * إلا أولو التقوى مع الإيمان يا سلعة الرحمن أين المشتري * فلقد عرضت بأيسر الأثمان يا سلعة الرحمن هل من خاطب * فالمهر قبل الموت ذو إمكان يا سلعة الرحمن سوقك كاسد * بين الأراذل لسفلة الحيوان يا سلعة الرحمن كيف تصبر * الخطاب عنك وهم ذو إيمان يا سلعة الرحمن لو لأنها * حجبت لكل مكاره الإنسان ما كان عنها قط من متخلف * وتعطل الدار الجزاء الثاني لكنها حجبت بكل كريهة * ليصد عنها المبطئ المتواني وتنالها الهمم التي تسمو * إلى رب العلاء بمشيئة الرحمن فاعمل ليوم المعاد الأدنى * تنل راحاته يوم المعاد الثاني فاعمل ليوم المعاد الأدنى أي للدنيا * تنل راحاته تنل راحاته يوم المعاد الثاني». والراحة يا عباد الله والسعادة الحقيقية إنما تكون حين يدخل العبد جنة الله تبارك وتعالى. ولذلك لما قال ابن الإمام أحمد رحمه الله تعالى لإمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «يا أبت، إلى متى الراحة؟ متى الراحة؟» يعني الراحة في جد واجتهاد وطاعة وعلم ودعوة، إلى متى الراحة؟ إلى متى الراحة؟ يا أبت. فقال رحمه الله تعالى: «الراحة والسعادة عند أول قدم نضعها في الجنة، حين ندخل جنة الله سبحانه وتعالى، وحين نضع قدمنا في الجنة هنا الراحة». نعم، لأن السعادة الحقيقية والسعادة الأبدية إنما هي في جنة الله تبارك وتعالى. أي سعادة في هذه الدنيا؟ ما هي إلا لحظات، ربما يعيش الإنسان سعيداً بعض الأيام وحزيناً الأيام الأخرى، ويوم سرور ويوم نكد، ويوم بؤس ويوم شقاء، ويوم كذا ويوم كذا. هذا هو حال الدنيا، لا شيء يدوم عليها، لا تدوم على حال، لا تدوم على حال. نعم، فاليوم سعيد وغداً حزين، واليوم كذا صحيح وغداً مريض. لكن السعادة الحقيقية إنما هي في جنة الله تبارك وتعالى. ولا شك أن الجنة هي المسكن الحقيقي، هي المسكن الحقيقي لبني آدم، فقد أخرج بني آدم من جنة الله تبارك وتعالى حين أخرج الأبوان، حين أخرج الأبوان آدم وأمنا حواء، حين أخرجا من جنة الله تبارك وتعالى. كان خروجنا من جنة الله تبارك وتعالى حين وسوس إبليس لهما بالأكل من الشجرة، فهو ذلك الوقت الذي خرجنا حقيقة من دارنا ومن مسكننا الحقيقي، من مسكننا الحقيقي. والإمام ابن القيم تعالى يقول في هذا: «فحي على جنات عدن فإنها * منازلكم الأولى وفيها المخيم ولكننا سبي العدو فهل ترى * نعود إلى أوطاننا ونسلم قد زعموا أن الغريب إذا نأى * وشطت به أوطانه فهو مؤلم وأي اغتراب فوق غربتنا التي * أضحت لها الأعداء فينا تحكموا وأي اغتراب فوق غربتنا التي * أضحت لها الأعداء فينا تحكموا فحي على جنات عدن فإنها * منازلكم الأولى». هذه المنازل الأولى، المنزل الحقيقي، مهما نزلنا منازل في هذه الدنيا فهي ليست منازل الحقيقية. كم ينزل الإنسان في هذه الدنيا منازل؟ مرة هنا ومرة هناك ومرة هنا، يألف تلك المنازل، لكن الحقيقة يبقى الشوق إلى ذلك المنزل العظيم. وكما قال القائل: «كم من منزل يألفه الفتى * وحنينه أبداً لأول منزل نقل فؤادك حيث شئت من الهوى * ما الحب إلا للحبيب الأول». فالحب إنما هو المنزل الحقيقي الأول الذي هو منزل الإنسان ومستقر الإنسان. فأين الشوق إذن إلى ذلك المنزل العظيم، عباد الله؟ أين الشوق والحنين عند المقصرين وعند المفرطين وعند المتكاسلين لهذا المنزل الذي أخرجوا منه؟ إذا كان عندهم الحنين حقاً والشوق لذلك المسكن، كان عليهم أن يسارعوا، وكان عليهم أن ينافسوا، وأن يتسابقوا في مرضاة الله تبارك وتعالى، حتى يعودوا إلى ذلك المسكن الذي أخرجوا منه. والجنة يا عباد الله لها أوصاف ولها أسماء ذكرت في كتاب الله تبارك وتعالى، وفي سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وفي هذا المجلس نتذاكر شيئاً مما جاء في كتاب الله وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام عن جنة الله تبارك وتعالى، لأن الحديث عن الجنة حديث ذو شجون، وحديث تحبه النفوس وتطرب عند سماعه. لا شك من يصف الجنة ويحدث عن هذا المنزل الذي هو المنزل الحقيقي لنا، فلا شك أن النفوس ترتاح حين تسمع ما في الجنة، وحين تسمع الحديث عن ما يتعلق بجنة الله تبارك وتعالى. فالجنة سميت بالجنة لكثرة ما عليها من الأشجار التي تجنّ بعضها بعضاً، فلأجل كثرة أشجارها التي تجنّ بعضها بعضاً سميت بالجنة. والجنة لها أسماء، فمن أسماء الجنة: دار السلام. قد سمى الله جل وعلا جنته دار السلام، ودعا إليها سبحانه وتعالى، كما قال جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: 25]، ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: 25]. فالجنة من أسمائها دار السلام، وسميت بدار السلام لأنها سالمة، لأنها سالمة من كل آفة ومن كل نقص ومن كل عيب. سلمها السلام جل وعلا، سلمها السلام جل وعلا، سبحانه وتعالى المنزه المبرأ عن كل نقص وعيب، فسلم هذه الجنة وجعلها دار سلام لأنها منزهة عن كل نقص وعن كل عيب، فلا هم فيها ولا حزن فيها، ولا بول فيها ولا غائط فيها ولا مخاط فيها، ولا شيء من هذه المستقذرات التي استحقرها الإنسان، سالمة من كل هذه العيوب ومن كل هذه المنقصات. نعم، بخلاف دار الدنيا، فيها من المستقذرات، وفيها من المستكرهات، وفيها من المنقصات. لكن جنة الله تبارك وتعالى دار السلام، سالمة من هذه المنقصات والمكدرات، وكذلك المستكرهات والعيوب وغير ذلك. وأيضاً تحية أهلها السلام، سميت دار السلام لما يلقى فيها من كثرة السلام من الملائكة. فتحية أهل الجنة هذه التحية تحية السلام، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: 58]، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: 23-24]. ويقول الله سبحانه وتعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ [الواقعة: 25-26]. فلأجل كثرة السلامات في جنة الله تبارك وتعالى، فما فيها إلا السلامة والسلام والأمن والأمان، فكانت هي دار السلام. وهي كذلك دار المقامة، دار المقامة لأنها هي دار الإقامة الحقيقية، دار الإقامة الحقيقية جنة الله تبارك وتعالى. ولذلك ذكر الله سبحانه وتعالى عباده الداعين بهذا الدعاء العظيم، وقال: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ۚ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ﴾ [فاطر: 34-35]، الذي أحلنا دار المقامة، الذي أحلنا دار المقامة من فضله. فجنة الله تبارك وتعالى دار المقام ودار الإقامة الحقيقية. هذه الدنيا ليست دار إقامة، ليست دار إقامة، وإنما هي دار ممر، دار إقامة هي جنة الله تبارك وتعالى. وأما العبد في هذه الدنيا فعابر سبيل، المؤمن عابر سبيل في هذه الدنيا، الواجب عليه أن يكون عابر سبيل، لا يجعل الدنيا دار إقامة، لا يطلب إقامة في الدنيا، لا يطلب إقامة في الدنيا. من الناس من يطلب إقامات، ما في إقامة في الدنيا، ما في إقامات في الدنيا، الدنيا دار عبور ودار ممر إلى الآخرة، كما جاء في حديث عبد الله بن عباس، أو في حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما في البخاري: أخذ النبي عليه الصلاة والسلام بمنكبي عبد الله بن عمر، قال له: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، أي لا تكن مقيماً في هذه الدنيا، فالدنيا ليست دار إقامة وإنما دار ممر ودار عبور. ولذلك كان ابن عمر يقول: «إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح». فدار المقامة هي جنة الله تبارك وتعالى، فيها السعادة الأبدية التي لا تنقطع، فيها النعيم السرمدي الذي لا ينقطع، فيها الفرح والسرور الذي لا ينقطع. نعيمها لا ينقطع، نعم، ولا يفنى. نعيم الجنة لا يفنى ولا ينقطع، بل هو نعيم سرمدي، بل هو يتجدد لما هو أعظم، النعيم يزداد كلما ازداد، كلما ازداد، كلما ازداد، نعيم أعظم منه، أعظم منه، أعظم منه، أعظم منه، أعظم منه، وهكذا. نعيم يتجدد لأن الله جل وعلا لا يزال يغرس في جنته تبارك وتعالى الشيء بعد الشيء بعد الشيء، فهم كلما مكثوا في الجنة كلما ازدادوا نعيماً، وكلما كثر نعيمهم في جنة الله تبارك وتعالى. فهي دار المقامة. وكذلك دار الطيبين، دار الطيبين، والطيبون هم الذين طابت اعتقاداتهم في الدنيا، وطابت أقوالهم، وطابت أعمالهم، فكانوا طيبين في هذه الدنيا، حتى أن ملائكة الرحمن لما قبضتهم كانوا على هذا الطيب في الاعتقاد وفي العمل وفي الأقوال، كما قال جل وعلا: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ [النحل: 32]، الذين تتوفاهم الملائكة طيبين، على طيب الاعتقاد، الاعتقاد المبني على كتاب الله وسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وعلى ما جاء عليه الصلاة والسلام، الصالح. كذلك عباداتهم طيبة لأنها قد تضمنت الإخلاص لله تبارك وتعالى والمتابعة للنبي عليه الصلاة والسلام، وأقوالهم طيبة، ليس في أقوالهم الكلام السيء والكلام الخبيث. فهكذا طابت اعتقاداتهم وطابت أقوالهم وطابت عقائدهم وعبادتهم، فكانوا طيبين، فكانت لهم هذه الجنة دار الطيبين. هي جنة طابت وطاب نعيمها، فنعيمها باقٍ وليس بفانٍ، هي جنة طابت وطاب نعيمها، فنعيمها باقٍ وليس بفانٍ. حكى الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في نونيته: «فكن عبد الله من الطيبين * كن عبد الله من الطيبين إذا أردت دار الطيبين * واحذر أن تكون من الذين ظلموا أنفسهم احذر أن تكون من الذين ظلموا أنفسهم * الذين توفاهم الملائكة والعياذ بالله وهم ظالمو أنفسهم قالوا فيما كنتم * قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا إليها». احذر يا عبد الله أن تتنازل عن دينك، احذر يا عبد الله أن تتنازل عن دينك بحجة الاستضعاف، بحجة الاستضعف. نعم، هاجر، اترك هذا المكان، إن كان لن تستطيع أن تبقى فيه إلا على استضعاف، إلا على استضعاف تتنازل عن دينك، تقر الكفر والعياذ بالله، تستطيع أن تقيم شعائر دينك وتقول أنا مستضعف. احذر، فإذا جاءتك الملائكة فلا عذر لك، لا عذر لك، ستقول كنت مستضعفاً، فيقال لك: ألم تكن أرض الله واسعة؟ ألم تكن أرض الله واسعة؟ اترك هذا المكان، لا خير في هذا المكان إن كان البقاء فيه على حساب إقرار الكفر أو التنازل عن الدين. فالحذر الحذر، بارك الله فيكم، الأمر ليس بالأمر الهين، الأمر خطير، أن يموت الإنسان على إقرار للكفر ويبرر ذلك بحجة أنه مستضعف. لا تقول الكفر، ولا تكتب الكفر، ولا تقر الكفر بحجة أنك مستضعف، وأنت تستطيع أن تهاجر في أرض الله، ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا إليها؟ وكم من الناس من تأتيه الملائكة والعياذ بالله وهو على معصية، وهو على أكل حرام، وهو على الشرك، أو على بدع، أو على محدثات. أي ظلم أعظم من هذا الذي يكون عليه الشخص حين تأتيه الملائكة لقبض روحه؟ فإنه من أعظم الظلم الذي تتلقى الملائكة الناس عليه. وهكذا الجنة عباد الله، مكانها في أعلى عليين، الجنة في أعلى عليين، لأن الله جل وعلا وعد عباده الجنة، ورزق الله تبارك وتعالى الذي وعد عباده في السماء، ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: 22]، وفي السماء رزقكم وما توعدون، أي ما وعد الله جل وعلا به عباده، أما وعد الله جل وعلا به عباده وأعظم ما وعدهم به جنته، جنته تبارك وتعالى. فإذن الجنة في السماء، وفي السماء رزقكم وما توعدون. وكما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين: 18-19]. عليون في السماء السابعة، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، حين ترفع روح المؤمن إلى بارئها تبارك وتعالى، وتفتح لها السماء سماء بعد سماء، وتثني الملائكة على هذه الروح، روح من هذه الطيبة، فيقولون: هذه الروح فلان ابن فلان، فيصعد بها، فيقول الله سبحانه وتعالى: «اكتبوا كتاب عبدي في عليين، اكتبوا كتاب عبدي في عليين». بخلاف روح الكافر، فإنها تصعد فلا تفتح لها أبواب السماء، وذلك قد يقول الله: «لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، حتى يلج الجمل في سم الخياط». الجمل، فسر بالجمل هذا البعيد حتى يدخل في فتحة الإبرة المخيط، هذه الإبرة، نعم غير ممكن. كذلك الجنة مستحيلة على الكافر، نعم، أن يدخل الكافر جنة الله تبارك وتعالى، كما أنه يستحيل أن يمر البعير نعم في فتحة المخيط، نعم الإبرة هذه. وفسر الجمل الحبل المتين، حبل السفينة، حبل السفينة هذا اللي لا يجعل المطبات، الذي في المطب، هذه هذه المطبات، حبل السفينة يربط فيها، هل يمكن أن يمر عبر الإبرة؟ ما يمكن. ولا تفتح لهم أبواب السماء، ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط. فسر الجمل أيضاً به، هذا الحبل الذي تربط به السفينة، الحبل العظيم، أنه لا يمكن أن يدخل في فتحة هذه الإبرة الصغيرة. وهكذا الكافر، وإنما تعاد روحه كما أخبرنا مسلم، تعاد روحه إلى الأرض السفلى، اكتبوا كتاب عبدي في سجين، في الأرض السفلى، في الأرض السفلى، كما جاء في حديث البراء بن عازم وغيره. فهذا هو مكان الجنة. وأيضاً النبي عليه الصلاة والسلام أرشد أمته إلى أن يدعو، أن يدعوا جل وعلا أن يسألوه الفردوس، قال: «إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس، فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة، وسط الجنة، وسط الجنة، ومنها تفجر أنهار الجنة، ومنها تفجر أنهار الجنة، وسقفها عرش الرحمن». ولا شك أن عرش الرحمن تبارك وتعالى إنما هو في السماء، كما قال جل وعلا: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5]، والله سبحانه وتعالى في السماء مستوٍ على عرشه استواءً يليق بجلاله تبارك وتعالى. ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: 16-17]. فإذا الجنة في السماء، الجنة في السماء، عند سدرة المنتهى، عند سدرة المنتهى، كما قال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ﴾ [النجم: 13-15]. عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى، عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى. فجنة المأوى عند سدرة المنتهى، وقد بلغ النبي عليه الصلاة والسلام هذا المبلغ الذي لم يبلغه أحد، قد تجاوز الأنبياء، مر على الأنبياء سماء سماء سماء، مر على آدم، مر على إدريس، مر على هارون، مر على موسى، مر على كذلك عيسى، مر على موسى، مر على إبراهيم، مر على إبراهيم عليه الصلاة والسلام خليل رب العالمين تبارك وتعالى، حتى بلغ سدرة المنتهى، حتى بلغ سدرة المنتهى، في ذلك المكان الذي سمع فيه صريف الأقلام، ورأى عندها جنة المأوى، جنة الله، جنة الله تبارك وتعالى. بل ودخل النبي عليه الصلاة والسلام الجنة ورأى ما فيها، عليه الصلاة والسلام، رأى قصراً لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فسأل وعنده جارية، قال: «هذا لمن القصر؟» قالوا: لعمر بن الخطاب. حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام لعمر بن الخطاب، ويحدث بذلك، قال: «قد هممت أن أدخله لكن ذكرت غيرتك يا عمر، ذكرت غيرتك يا عمر». فبكى عمر رضي الله عنه، قال: يا رسول الله، عليك أغار، عليك أغار. ورأى النبي سلم قصر عمر، سمع قراءة حارثة بن النعمان في الجنة، قال: «ما هذا؟» قالوا: حارثة بن النعمان يقرأ. قال: «كذلكم البر، كذلكم البر، كان باراً بأمه»، رضي الله عنه وأرضاه. سمع خشخشة نعلي بلال رضي الله عنه، فقال: «يا بلال، بما سبقتني إلى الجنة، بما سبقتني إلى الجنة، فقد سمعت خشخشة نعليك ليلة البارحة». فقال: يا رسول الله، ما توضأت وضوءاً إلا وصليت بذلك الوضوء ركعتين. رأى النبي عليه الصلاة والسلام في الجنة من القصور التي أعدها الله سبحانه وتعالى لعباده الصالحين، رأى جعفر بن أبي طالب يطير بجناحيه في الجنة، يطير بجناحيه في الجنة، عوض الله سبحانه وتعالى بدل يديه الجناحين، نعم، أي من اليدين، من يديه، لأنه رضي الله عنه في غزوة مؤتة استشهد وقد قطعت يداه رضي الله عنه، فأبدله الله سبحانه وتعالى بجناحين في الجنة يطير بهما، كما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وأخبرنا عليه الصلاة والسلام بأشياء من النعيم التي أعدها الله سبحانه وتعالى لعباده الصالحين. فهذا ما يتعلق بمكان الجنة. وأما ما يتعلق ببناء الجنة، فالجنة لبن من ذهب ولبن من فضة، لبن من ذهب ولبن من فضة، كما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وأما ما يتعلق بأبواب الجنة، فأبواب الجنة ثمانية، أبواب الجنة ثمانية، كما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذكره لفضل من توضأ فأحسن الوضوء، ثم قال: «أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله»، قال: «إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء، يدخل من أيها شاء». فأبواب الجنة ثمانية، وقد جاء أسماء لهذه الأبواب، فمنها باب الجهاد، ومنها باب الريان، ومنها باب الصدقة، ومنها باب الصلاة. هذه أبواب أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أسمائها. وهذه الأبواب عظيمة المصاريع، الباب الباب له مصراعان، الباب له مصراعان، يقوم عليهما مصراعان. أخبر نبي عليه الصلاة أن بين مصراعي مصراعي كل باب، بين هذا المصراع وهذا المصراع، كما بين مكة وهجر، يعني مسافة طويلة عظيمة بين هذين المصراعين، وهما مصراعان لباب واحد. وهذا يدل على الفضل العظيم الذي أعده الله عز وجل لعباده في جنته تبارك وتعالى. وهذه الأبواب كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بأسمائها، جاء في حديث أبي هريرة في البخاري ومسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «من أنفق زوجين في سبيل الله، من أنفق زوجين في سبيل الله، دعي يوم القيامة: يا عبد الله هذا خير، يا عبد الله هذا خير. فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد». إذن من الله عز وجل من يفتح عليه في كثرة الصيام، ومن الناس من يفتح الله عز وجل عليهم من كثرة الصلوات النوافل، وإلا الفروض لا بد أن يأتي بها الجميع، لكن المراد الله جل وعلا فاضل بين عباده. فمن الناس من فتح الله سبحانه وتعالى عليهم في كثرة صلوات النوافل، في كثرة صلوات النوافل، ومن عباد الله جل وعلا من فتح الله سبحانه وتعالى عليهم من كثرة الصيام، فهو لا يدعون من باب الريان، نعم، فضلاً عن الفرض الذي أتوا به. ومن الناس ما فتح الله جل وعلا عليهم في باب الصدقات، فهم يتصدقون، ربما لا يصوم النوافل، ما عنده صيام نوافل، لكن فتح الله عليه في باب الصدقات، فهو ينفق الأموال الكثيرة في سبيل الله تبارك وتعالى وفي نصرة دين الله عز وجل. ومن الناس ما فتح الله عز وجل في باب الجهاد، وما عندهم صيام نوافل، نعم، لكن باب الجهاد تجده مسارعاً ومسابقاً، سهل الله سبحانه وتعالى له ذلك، والله عز يفاوت بين عباده. والإنسان يعرف من حاله ومن نفسه ما الباب الذي سهل الله جل وعلا له، ويعرف كل واحد منا يعرف الباب الذي سهل الله سبحانه وتعالى. أنت تعرف يا عبد الله، هل هو باب الصيام هذا الذي تراه سهلاً تكثر فيه، أو باب صلوات النوافل، أو باب الجهاد، أو باب الصدقة؟ أنت تعرف ذلك. ولما قيل للإمام مالك رحمه الله تعالى: «ما نراك كثير الجهاد، ما نراك كثير الجهاد»، يعني مثل غيرك ممن هو كثير الجهاد، فقط في كثرة الجهاد، فقال إمام مالك رحمه الله تعالى: «إن من الناس من فتح الله عليهم في باب الصدقة، ومن الناس من فتح عليهم في باب الصيام، ومن فتح الله عليهم في باب العلم، ومن الناس من فتح الله عز وجل عليهم في باب الجهاد، وأنا أرى أن الله عز وجل فتح لي في باب العلم، وأنا أرى أن الله عز وجل فتح لي في باب العلم، ورضيت بما قسم الله لي». ليس معنى هذا، بارك الله فيكم، أننا نزهد في باب دون باب، لا، كلها أبواب مطلوبة، وعلى العبد ما استطاع إلى ذلك سبيل أن يطرق جميع الأبواب، أن يطرق باب الصدقة، أن يطرق باب كثرة صلوات النوافل، أن يطرق باب كذلك صيام النوافل، أن يطرق باب الجهاد، يجمع بين هذه الأبواب، لأن من جمع بين هذه الأبواب دعي من سائر الأبواب كلها. وذلك كان أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، الخليفة الراشد، جامعاً لهذه الخصال، ولله يدعى يوم القيامة من سائر الأبواب. لما حدث النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الحديث، فقال: «يا رسول الله، أبو بكر الصديق، عليه السلام، يا رسول الله، هل من أحد أن يدعى من سائر الأبواب؟ فهل يدعى أحد من سائر الأبواب؟» قال النبي عليه الصلاة والسلام: «نعم، وأرجو أن تكون منهم، وأرجو أن تكون منهم». فكان أبو بكر الصديق جامعاً لخصال الخير. في حديث أبي هريرة عند مسلم رحمه الله، قال عليه الصلاة والسلام لأصحابه: «من أصبح اليوم منكم صائماً؟» قال أبو بكر: أنا. قال: «من عاد منكم اليوم مريضاً؟» قال أبو بكر: أنا. «من تصدق اليوم بصدقة؟» قال أبو بكر: أنا. «من شهد جنازة؟» قال أبو بكر: أنا. «من أطعم مسكيناً؟» قال أبو بكر: أنا. فقال: «ما اجتمعن في شخص إلا أدخله الله الجنة». وبهذا المعنى دل على أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه ممن يدعى يوم القيامة من سائر الأبواب. ولذلك يقول إمام القيمة رحمه الله تعالى في هذا: «أبوابها حقاً ثمانية * أتت في النص وهي لصاحب الإحسان باب الجهاد وذاك أعلاها * وباب الصوم يدعى الباب بالريان ولكل سعي صالح باب * ورب السعي داخل منه بأمان منهم أبو بكر الصديق ذاك * خليفة المبعوث بالرحمن». وقال رحمه الله تعالى: «ولسوف يدعى المرء من أبوابها * ولسوف يدعى المرء من أبوابها * أي كلها ولسوف يدعى المرء من أبوابها جمعا * إذا وفى حلل إيمان يعني سيدعى من جميع الأبواب إذا وفى حلل الإيمان، أتى بصلوات نوافل مع الفرائد، أتى بصيام نوافل، أتى بجهاد في سبيل الله، أتى كذلك بصدقات، فسيدعى من سائر الأبواب. فلذلك العبد أن يجتهد في الباب الذي فتح الله عليه خاصة، مع السعي في سائر الأبواب، لأنه ما ندري يا عباد الله إذا دعي يوم القيامة هل سندعى من باب الصلاة، أو سندعى من باب الصيام، أو سندعى من باب الريان، أو سندعى من باب الصدقة؟ فالعبد يجتهد في تحصيل ما يقرب إلى الله تبارك وتعالى، ولعله يظفر بالفضل العظيم من الله سبحانه وتعالى، والله جل وعلا لا يخلف وعده، وكذلك سبحانه وتعالى يعين من جاهد نفسه في هذه الحياة الدنيا. فهذا ما يتعلق بالأبواب. أما درجات الجنة فدرجاتها عظيمة، قد أعد الله جل وعلا للمجاهدين، قد أعد الله سبحانه وتعالى للمجاهدين في الجنة، كما في الصحيحين، مائة درجة، أعد الله سبحانه وتعالى للمجاهدين في سبيل الله، عد لهم مائة درجة، ما بين الدرجة والأخرى كما بين السماء والأرض، ما بين السماء والأرض، مسيرة خمسمائة عام، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، خمسمائة عام. إذن هذه مائة درجة، أعد الله للمجاهدين، وما بين الدرجة والأخرى خمسمائة عام. نعيم عظيم أعده الله سبحانه وتعالى خاصة للمجاهدين في سبيل الله، الذين قدموا أرواحهم نصرة لدين الله تبارك وتعالى، نصرة لرسول الله عليه الصلاة والسلام، نصرة لكتابه، نصرة لأمة المؤمنين، قدموا أرواحهم رخيصة لإعلاء كلمة الله تبارك وتعالى، فهنيئاً لهم ذلك النعيم العظيم. نواصل إن شاء الله بعد ذا الأذان. صلى الله عليه وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الحمد لله رب العالمين، صلى الله عليه وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، وأما أشجار الجنة فهي كثيرة، والشجرة الواحدة ربما يسير الراكب تحت ظلها مائة عام، الجواد المضمر السريع يسير تحت شجرة من أشجار الجنة يقال لها طوبى، كما في الصحيح: «طوبى، قال الله سبحانه شجرة في الجنة، يسير تحت ظلها الجواد السريع المضمر مائة عام، لا يقطعها». إذن هذه شجرة واحدة، فكيف بالأشجار وهي كثيرة في جنة الله تبارك وتعالى؟ وطوبى للغربة، كما جاء في حديث أبي هريرة، صححه إمام مسلم، جامع عبد الله بن عمر، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغربة، فطوبى للغربة». طوبى هذه شجرة في جنة الله تبارك وتعالى، فطوبى للغربة. جاء في خارج الصحيح: «قالوا: ما الغربة يا رسول الله؟» قال: «الذين يصلحون إذا فسد الناس». وفي لفظ: «يصلحون ما أفسد الناس، يصلحون في أنفسهم إذا فسد الناس، ويصلحون ما أفسد الناس». فطوبى للغربة. وأما أنهار الجنة، فأنهار كثيرة، أنهار من لبن لم يتغير طعمه، أنهار من عسل، أنهار من ماء غير آسن، أنهار تجري في غير خدود، ليس لها خدود واحد، وإنما تجري في آخذها كثيرة.