الدرس في شرح العقيدة التدمرية 16، ألقاها
القاعدة الأولى تنص على أن الله سبحانه موصوف بالإثبات والنفي، حيث الإثبات مثل كونه عليمًا وقادرًا، والنفي مثل نفي السنة والنوم عنه.
النفي المحض يوصف به المعدومات والممتنعات، ولكن وصف الله تعالى بالنفي يتضمن إثبات مدح وكمال، مثل نفي السنة والنوم عنه يدل على كمال حياته وقيامه.
يناقش مفهوم نفي الصفات عن الله عز وجل، ويبين أن النفي المحض لا يثبت إلهًا محمودًا، ويقارن بين طائفتين كافرتين في تشبيه الله بالممتنعات والمعدومات.
قال رحمه الله تعالى: فصلنَوا، أما الخاتمة الجامعة ففيها قواعد نافعة. قال رحمه الله تعالى: القاعدة الأولى أن الله سبحانه موصوف بالإثبات والنفي. قال: فالإثبات كإخباره أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه سميع بصير، ونحو ذلك، والنفي كقوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾. ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن الإخبارات التي جاءت بحق الله عز وجل في صفات الله عز وجل منها ما جاءت بالإثبات، ومنها ما جاءت بالنفي. كما ذكر الإثبات، وهي كثيرة في القرآن، كما قوله: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، والسميع البصير، وهو على كل شيء قدير، وما شابه ذلك. قال: والنفي كقوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾. قال: وينبغي أن يعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال، والمراد بالنفي هنا النفي المحض، النفي المحض ليس فيه مدح ولا كمال، إلا إذا تضمن إثباتًا، إلا إذا تضمن إثباتًا كان فيه مدحًا، وكان فيه كمالًا. فالنفي المحض لا كمال فيه بوجه من الوجوه. متى يكون النفي كمالًا في حق الله عز وجل؟ إذا كان متضمنًا لإثبات، لذا قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وينبغي أن يعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال، إلا إذا تضمن إثباتًا، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال. لأن النفي المحض عدم، والعدم ليس بشيء. وما ليس بشيء هو كما قيل: ليس بشيء، فضلًا عن أن يكون مدحًا أو كمالًا. ولأن النفي المحض يوصف به المعدوم والممتنع، والمعدوم والممتنع لا يوصف بمدح ولا تماث. إذن النفي المحض ليس بمدح ولا كمال، لأمرين: الأمر الأول أنه عدم، والنفي المحض عدم، وما كان عدمًا فهو ليس بشيء، وما قيل ليس بشيء فهو ليس بشيء. الأمر الثاني أن النفي المحض يوصف به المعدومات والممتنعات، والمعدوم والممتنع لا يوصف بمدح ولا تماث. قال رحمه الله تعالى: فلهذا كان عامة ما وصف الله به نفسه من النفي متضمنًا لإثبات مدح. قال: فلهذا كان عامة ما وصف الله به نفسه من النفي متضمنًا لإثبات مدح، لأنه في هذه الحالة يكون النفي فيه كمالًا. قال: ومثال ذلك قوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا يُؤَوْدُهُ حِفْظُهُمَا﴾. فنفي السنة والنوم يتضمن كمال الحياة والقيام، فهو مبين لكمال أنه الحي القيوم. وكذلك قوله: ﴿وَلَا يُؤَوْدُهُ حِفْظُهُمَا﴾ أي لا يثقله، وذلك مستلزم لكمال قدرته وتمامها، بخلاف المخلوق القادر إذا كان يقدر على الشيء بنوع كلفة ومشقة، فإن هذا نقص في قدرته وعيب في قوته. قال رحمه الله تعالى: وكذلك قوله تعالى: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾. فإن نفي العزوب مستلزم لعلمه بكل ذرة في السماوات والأرض. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾. فإن نفي مسّ اللغوب الذي هو التعب والإعياء، دل على كمال القدرة ونهاية القوة، بخلاف المخلوق الذي يلحقه من النصب والكلام ما يلحقه. قال رحمه الله تعالى: وكذلك قوله: «لا تدركه الأبصار». إنما نفى الإدراك الذي هو الإحاطة، كما قال أكثر العلماء، ولم ينفِ مجرد الرؤية، لأن المعدوم لا يرى، وليس في كونه لا يرى مدح، إذ لو كان كذلك لكان المعدوم ممدوحًا. وإنما المدح في كونه لا يحاط به. قال رحمه الله تعالى: وإذا تأملت ذلك وجدت كل نفي لا يستلزم ثبوتًا هو مما لم يصف الله به نفسه. فالذين لا يصفونه إلا بالسلوب لم يثبتوا في الحقيقة إلهًا محمودًا، بل ولا موجودًا. قال: لأن طريقة القرآن الذي أنزله الله عز وجل على نبيه ما هناك نفي محض في حق الله عز وجل أبدًا، بل ما من نفي إلا وهو متضمن لكمال، لأنه إذا نفينا عن الله عز وجل شيئًا من النقائص أثبتنا له بهذا السلب كمال الضد. قال: فالذين لا يصفونه إلا بالسلوب، كأن يقولوا في حق الله عز وجل: لا عالم، لا قدير، لا حي، إلى غير ذلك، لم يثبتوا في الحقيقة إلهًا محمودًا، بل ولا موجودًا. لأن ما لم يكن له وصف أو كان مسلوب الصفات هو ليس بمحمود، بل ولا موجود، لأن ما لم يكن موصوفًا بصفة تخصه لم يكن في الحقيقة موجودًا. وما من موجود إلا وهو متصف بصفات. قال: وكذلك من شاركهم في بعض ذلك، كالذين قالوا: إنه لا يتكلم، أو لا يرى، أو ليس فوق العالم، أو لم يستوي على العرش، ويقولون: ليس بداخل العالم ولا خارج عنه، ولا مباين للعالم ولا محايث له. قال: إذ هذه الصفات يمكن أن يوصف بها المعدوم، فليس بداخل العالم ولا خارج العالم، هل هو موجود؟ الجواب: معدوم، بل قد يكون ممتنعًا. قال: واعلم أن الجهمية المحضة كالقرامطة، ومن شابههم ينفون عنه تعالى اتصافه بالنقيضين، حتى يقول: ليس بموجود ولا معدوم، وهذا معلوم الامتناع ببداهة العقول. قال: وآخرون وصفوه بالنفي فقط، فقالوا: ليس بحي ولا سميع ولا بصير. والفرق بين الأول وبين الفرقة الأخرى: الفرقة الأولى نفوا عنه النقيضين، والفرقة الأخرى سلبت عنه صفات الإثبات. قال: فهؤلاء أعظم كفرًا من أولئك من وجه، وهو أن هؤلاء لما نفوا عن الله عز وجل صفات الكمال، يلزم من ذلك إثبات صفات النقص في حقه سبحانه وتعالى. قال: وأولئك أعظم كفرًا من هؤلاء من وجه، وهو أن هؤلاء شبهوا الله عز وجل بأشد الممتنعات، والطائفة التي قبلها شبهت الله عز وجل بالمعدومات، فكانت أشد كفرًا من الأخرى.