الدرس في شرح العقيدة التدمرية 32، ألقاها
يناقش آراء أهل الكلام حول وجود الله تعالى وماهيته، ويبين أن الصواب هو أن وجود الشيء في الخارج هو عين ماهيته. يشرح الفرق بين الماهية في الذهن والماهية في الخارج.
يشرح معنى اعتبار الماهية غير الوجود في الذهن وخارجه، ويوضح معنى الألفاظ المتواطئة والمشككة، والفرق بين الوجود العلمي والعيني.
يناقش انتقاد استخدام حجة نفي التجزئة والتحيز لتنزيه الله، ويبين أن هذا الطريق باطل ويؤدي إلى تناقضات ومخالفات للعقل والدين.
يبين أن نفي التشبيه لا يمكن استخدامه كدليل على التنزيه أو الإثبات لله تعالى، ويمكن وصف الله بما شاء مع نفي مشابهته للمخلوقات.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: والمعاني التي يوصف بها الرب سبحانه وتعالى كالحياة والعلم والقدرة، بل الوجود والثبوت والحقيقة، ونحن لذلك تجب لوازمها، فإن ثبوت الملزوم يقتضي ذلك. قال رحمه الله تعالى: ولكثرة الاشتباه في هذا المقام وقعت الشبهة في أن وجود الرب هل هو عين ماهيته؟ أو زائد على ماهيته؟ وهل لفظ الوجود مقول بالاشتراك اللفظي؟ أو بالتواطؤ؟ أو التشكيك؟ كما وقع الاشتباه في إثبات الأحوال ونفيها، وفي أن المعدوم هل هو شيء أم لا؟ وفي وجود الموجودات هل هو زائد على ماهيتها أم لا؟ هذه عدة شبه ومسائل ذكرها أهل الكلام واختلفوا فيها. قال: ولكثرة الاشتباه في هذا المقام، الاشتباه في ماذا؟ بين الشيء والشيء، هل بينهما قدر مشترك؟ أم ليس بينهما قدر مشترك؟ يقول شيخ الإسلام: وقعت الشبهة في أن وجود الرب هل هو عين ماهيته؟ أي هل الوجود هو الماهية؟ أم أن الوجود غير الماهية؟ لذا قال: أو زائد على ماهيته، ومعنى الماهية أي الحقيقة، حقيقة الذات. وهل لفظ الوجود؟ هل لفظ الوجود مقول بالاشتراك اللفظي؟ أو بالتواطؤ؟ أو التشكيك؟ قال: كما وقع الاشتباه في إثبات الأحوال ونفيها، أي هل تثبت الأحوال أم لا تثبت الأحوال؟ ومعنى الأحوال أنها نسبة بين الصفة والموصوف. فيقولون في العالم: صفة، والعالمية نسبة بين الصفة والموصوف، يعني عندنا علم وعالم، والنسبة بينهما العالمية، وهذا هو الحال. ثم يقولون في هذه الأحوال: إنها لا موجودة لذاتها ولا معدومة، بل هي واسطة بينهما، واسطة بين الوجود والعدم، وهذا القول باطل. قال: وبينا أن الصواب هو أن وجود كل شيء في الخارج هو ماهيته الموجودة في الخارج، يعني الآن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يبين الصواب من هذه الأقوال. فيقول رحمه الله تعالى: أن الصواب هو أن وجود كل شيء في الخارج، في الخارج يعني يا جماعة خارج الذهن، هو ماهيته الموجودة في الخارج. إذن الماهية هي الوجود، لكن في الذهن أو في الخارج، في الخارج واضح. مثال ذلك: وجود زيد، زيد من الناس، إذا قلنا: وجود زيد، هل يكون في الذهن أو خارج الذهن؟ فوجود زيد وعين ماهيته واضح. مثال آخر: هذه المروحة موجودة، ماهية هذه المروحة نقول: هي، هي هذه الموجودة، فالموجود هاهنا بمعنى الماهية، ولكن الموجود في الخارج. قال: بخلاف الماهية التي في الذهن، فإنها مغايرة للموجود في الخارج، الآن عندنا ماهية في الذهن وماهية في خارج، في الخارج الماهية هي الوجود. في الذهن هل الموجود هو الماهية؟ الجواب: مغايرة؛ لأن الذهن قد يتصور أشياء مجردة عن الصفات. فيقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: بهذا الاعتبار الماهية غير الوجود، لكن في الذهن أو في الخارج، في الذهن. إذن في الذهن هي غير، وفي خارج الذهن هي الوجود. قال رحمه الله: وأن لفظ الوجود كلفظ الذات، وكلفظ الشيء، وكلفظ الماهية والحقيقة، ونحو ذلك، وهذه الألفاظ كلها متواطئة. الآن انتقل إلى الشبهة الثانية، وهي: هل لفظ الوجود نقوله بالاشتراك اللفظي أو بالتواطؤ أو بالتشكيك؟ يقول شيخ الإسلام رحمه الله: وأن لفظ الوجود كلفظ الذات، وكلفظ الشيء، وكلفظ الماهية والحقيقة، كأنه يقول: هذه الأشياء بهذا الاعتبار أشبه ما يكون بأن يقال فيها بأنها مترادفة. قالوا: وهذه الألفاظ كلها متواطئة، هذه الألفاظ كلها متواطئة؛ لأنها متفق في اللفظ والمعنى. قال: وإذا قيل: إنها مشككة، أي هذه الألفاظ مشككة، والألفاظ مشككة هي باعتبار أننا إذا نظرنا إلى ما دلت عليه من التباين. يعني الألفاظ مشككة إذا نظرنا إلى أصلها هي من المتواطئ، مثل الوجود، إذا نظرنا إلى الوجود، الوجود من حيث اللفظ والمعنى من المتواطئ. وإذا نظرنا إلى وجود زيد ووجود عمر هو من المشكك؛ لأنهما يدلان على التباين، وجود زيد غير وجود عمر، فهي بهذا الاعتبار مشككة. قال: فالمشكك نوع من المتواطئ العام، الذي يراعى فيه دلالة اللفظ على القدر المشترك. قال: سواء كان المعنى متفاضلا في موارده أو متماثلا، فحاصل هذا أن هذه الألفاظ هي مقولة بالتواطؤ، سواء كان بالتواطؤ الخاص أو كان بالتواطؤ العام. قال رحمه الله تعالى: وبينا أن المعدوم شيء أيضا في العلم والذهن، لا في الخارج، يعني الآن إذا جاءنا سائل وسألنا: هل تقولون بأن المعدوم شيء أو ليس بشيء؟ نقول: أما في الخارج فليس بشيء؛ لأنه معدوم، العدم ليس بشيء. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهُرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾، إذن قبل الوجود هو ليس بشيء. باعتبار العلم أو قل باعتبار الذهن هو شيء، مثال ذلك: إنسان أراد أن يصنع شيئا، أراد أن يصنع سيارة، يتصور الآن السيارة الذي يريد أن يصنعها، فالآن هي باعتبار ما في ذهنه تسمى شيء. قال: فلا فرق بين الثبوت والوجود، يعني بين كونه ثابتا أو كونه موجودا، الكل يتناوله هذا المعنى، ثابت باعتبار العقل والذهن، وليس ثابت باعتبار الواقع والوجود. قال رحمه الله تعالى: لكن الفرق ثابت بين الوجود العلمي والعيني، الوجود العلمي هو الذي يكون في العلم، في الذهن، والوجود العيني هو الذي يكون في خارج الذهن. قال: مع أن ما في العلم، أي ما في الذهن من التصور، ليس هو الحقيقة الموجودة في الخارج؛ لأن الذهن كما مر معنا يتصور أشياء كلية. فيقول شيخ الإسلام: مع أن ما في العلم ليس هو الحقيقة الموجودة في الخارج، ولكنه مجرد العلم التابع للعالم القائم به. قال: وكذلك الأحوال التي تتماثل فيها الموجودات وتختلف، لها وجود في الأذهان، وليس في الأعيان إلا الأعيان الموجودة، يقول شيخ الإسلام رحمه الله: كما تقدم في بقية المسائل، الأحوال التي تقدم ذكرها، هل ممكن أن تكون بين الصفة والموصوف كما ذكرنا: العلم والعالم، والواسطة بينهما وهي العالمية، هي الأحوال. فيقول شيخ الإسلام رحمه الله: وكذلك الأحوال التي تتماثل فيها الموجودات وتختلف، يقول: لها وجود في الأذهان؛ لأن الذهن قد يتصور ما ليس له حقيقة. قال: وليس في الأعيان إلا الأعيان الموجودة وصفاتها القائمة بها المعينة، فتتشابه أو فتختلف به، أي الأعيان وصفات تلك الأعيان، إما أن يكون بينها تشابه وإما أن يكون بينها اختلاف وتباين. قال: المقصود هنا أن الاعتماد على مثل هذه الحجة فيما ينفى عن الرب وينزه عنه كما يفعله كثير من المصنفين خطأ لمن تدبر ذلك، وهذا من طرق النفي الباطلة. قال: وأفسد من ذلك ما يسلكه نفاة الصفات أو بعضها إذا أرادوا أن ينزهوه عما يجب تنزيهه عنه مما هو من أعظم الكفر، مثل أن يريد تنزيهه عن الحزن والبكاء ونحو ذلك. قال: فإن كثيرا من الناس يحتجون على هؤلاء بنفي التجزئة أو التحيز ونحو ذلك، قالوا: ويقولون: لو اتصف بهذه النقائص والآفات لكان جسما أو متحيزا، وذلك ممتنع. قال: الوجه الأول: أن وصف الله تعالى بهذه النقائص والآفات أظهر فسادا في العقل والدين من نفي التحيز والتجزئة. قال: والدليل معرف للمدلول ومبين له، فلا يجوز أن يستدل على الأظهر والأبين بالأخفاء، الدليل لماذا يستدل به الإنسان؟ ليظهر المدلول. قال: الوجه الثاني: أن هؤلاء الذين يصفونه بهذه الآفات يمكنهم أن يقولوا: نحن لا نقول بالتجزئة والتحيز كما يقوله من يثبت الصفات. فيصير نزاعهم مثل نزاع مثبتة صفات الكمال، فيصير كلام من وصف الله بصفات الكمال وصفات النقص واحدا. قال: ويبقى رد النفاة على الطائفتين بطريق واحد، وهذا في غاية الفساد. قال: الثالث: أن هؤلاء ينفون صفات الكمال بمثل هذه الطريقة، واتصافه بصفات الكمال واجب، اتصاف الله جل وعلا بصفات الكمال واجب ثابت بالعقل والسمع. قال: الرابع: أن سالكي هذه الطريقة متناقضون، فكل من أثبت شيئا منهم ألزموا الآخر بما يوافقوه فيه من الإثبات. قال: ولهذا لما كان الرد على من وصف الله تعالى بالنقائص بهذه الطريق طريقا فاسدا لم يسلك أحد من السلف، لم ينطق أحد منهم في حق الله تعالى بالجسم لا نفيا ولا إثباتا. قال: ولهذا لم يذكر الله في كتابه فيما أنكره على اليهود وغيرهم من الكفار ما هو من هذا النوع، بل هذا هو من الكلام المبتدع الذي أنكره السلف والأئمة. والله تعالى أعلى وأعلم، وحاصل هذا الفصل: كما أننا لا نحتج بطريق نفي التشبيه في التنزيه، كذلك لا نحتج بطريق نفي التشبيه في الإثبات للواجب، وذلك أنه بإمكان كل أحد أن يصف الله بما شاء مع نفي المشابهة. والله تعالى أعلى وأعلم، وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.